محمود الجارحي يكتب: مشهد العدالة في قضية «أطفال اللبيني»
محمود الجارحي يكتب: مشهد العدالة في قضية «أطفال اللبيني»
ظهر المتهم في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«أطفال اللبيني».. داخل قاعة محكمة جنايات الجيزة مرتديًا سويت شيرت أزرق داكن وبنطالًا داكن اللون، قصير الشعر مع بداية صلع خفيف، وملامح هادئة تميل إلى الجمود.
وقف المتهم.. داخل القفص الزجاجي بثبات.. موجّهًا نظره للأمام أغلب الوقت.. دون أن تبدو عليه انفعالات واضحة.. فيما انعكست على ملامحه حالة توتر خافت.
وقبل بدء نظر الجلسة.. دوى صوت حاجب المحكمة داخل القاعة بنبرة منضبطة: «محكمة».. ليقف الجميع احترامًا.. دخل رئيس المحكمة وأعضاء الهيئة القضائية، إلى جانب ممثل النيابة العامة، لتبدأ الجلسة في هدوء يليق بهيبة المكان.
بدأت المحكمة إجراءاتها بتسجيل حضور المتهم، ثم أذنت لممثل النيابة العامة بالكلام.. إذ وقف المستشار محمد هشام متشحًا ببدلته الرسمية، متزن الخطوات، واضح الحضور، وبصوت ثابت قال: «سيدي القاضي.. حضرات المستشارين.. الحضور الكريم.. نحن أمام قضية تجاوزت كونها جريمة قتل.. لتصبح جرحًا مفتوحًا في ضمير المجتمع».
وأضاف ممثل النيابة أن الواقعة المعروضة أمام المحكمة لم تكن وليدة لحظة، بل سلسلة أفعال مقصودة انتهت بإزهاق أرواح بريئة، مشيرًا إلى أنَّ الجريمة، بتفاصيلها، كشفت عن استهانة كاملة بحق الحياة، ومحاولة يائسة لطمس الحقيقة، إلا أنّ خيوطها تكشفت سريعًا.
واستعرض ممثل النيابة وقائع القضية قائلا إنَّ المتهم، صاحب محل لبيع الطيور والأدوية البيطرية، ارتكب الجريمة خلال الفترة ما بين 21 و25 أكتوبر 2025.. بعدما استدرج الطفلين إلى المنزل الذي تحول إلى مسرح مأساوي.

وأضاف قائلًا: «إلى أن الطفل سيف الدين بدأ يعاني آلامًا شديدة نتيجة تناول مادة سامة.. إلا أن المتهم لم يتراجع، بل أقدم على كتم أنفاسه حتى فارق الحياة».
وأكّد ممثل النيابة أمام المحكمة أنَّ الطفلين لقيا مصرعهما على يد شخص واحد، فيما كانت الطفلة جنى لا تزال على قيد الحياة داخل غرفة أخرى.. تعاني آثار التسمم، في مشهد جسّد قسوة الفعل وانعدام الرحمة.
وتابع خلال مرافعته: نقل المتهم لجثتي الطفلين باستخدام مركبة توك توك إلى منطقة الـ 16 عمارة.. وتركهما في مدخل أحد العقارات.. في محاولة لإبعاد الأنظار عن مكان ارتكاب الجريمة.
وفيما يتعلق بمقتل الأم.. أوضح ممثل النيابة أنَّ المتهم أعد مشروبًا من عصير المانجو.. أضاف إليه مادة سامة تحتوي على مركبات فسفورية ومواد مخدرة.. وقدمه لها بقصد إنهاء حياتها.. بعد خلافات وتهديدات متبادلة، وهو ما أكدته التقارير الطبية الشرعية المرفقة بأوراق القضية.
وعقب انتهاء النيابة من عرض مرافعتها.. خيّم صمت ثقيل على القاعة، قبل أن تعود هيئة المحكمة للانعقاد.. وأصدرت المحكمة قرارها بإحالة أوراق المتهم في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«أطفال اللبيني» إلى فضيلة مفتي الجمهورية، لأخذ الرأي الشرعي في إعدامه، مع تحديد جلسة 27 يناير المقبل للنطق بالحكم.
وعند سماع القرار.. خفّض المتهم رأسه للحظات.. والتزم الصمت داخل القفص الزجاجي، دون أن تصدر عنه أي ردود فعل، بينما خيّم الترقب على أرجاء القاعة.
ورفعت المحكمة الجلسة، ليتمّ ترحيل المتهم إلى محبسه في انتظار الجلسة المقبلة.. وسط متابعة واسعة من الرأي العام، في قضية باتت من أكثر القضايا التي هزّت المجتمع خلال الفترة الأخيرة.