قانون مواجهة العنف ضد المرأة ينتظر برلمان 2026

كتب: editor

قانون مواجهة العنف ضد المرأة ينتظر برلمان 2026

قانون مواجهة العنف ضد المرأة ينتظر برلمان 2026

تحقيق: إنجى الطوخى

وقفت «رانيا» فى ركن صغير داخل الحجرة وكل ذرة فى جسدها تنطق بالخوف والألم، تحاول تفادى الضرب المبرح من زوجها، والركل فى كل جنبات جسدها الضئيل. كان السبب أنها أخبرته بحاجتها لبعض الوقت لتنفيذ طلبه. فى ركن الحجرة الآخر كان أبناؤها الأربعة يبكون برعب وهم يرون ما تتعرض له أمهم، فى حين لم تفلح فى حماية نفسها من الضرب، فقد كُسرت ذراعها اليمنى، بينما كان وجهها ينزف، بعد أن أمسك زوجها رأسها و«خبطه» فى الحائط عدة مرات.

ما تتعرض له «رانيا» هو أحد مشاهد «العنف الأسرى» الأليمة، التى تعانى منها نساء مصريات أُخريات فى صمت، وهو ما دفعنا فى هذا التحقيق، لفتح باب العنف الأسرى ضد المرأة بلا مواربة، وعرض تجارب نساء تعرضن لعنف، وربما نجت أجسادهن على خلاف غيرهن، لكن أرواحهن لم تنجُ من صدمات وكدمات نفسية يحاولن التعافى منها حتى الآن.

نساء يحكين قصص معاناة تتغذى على أعراف وتقاليد وموروثات اجتماعية خاطئة.. وتعرضن لصدمات نفسية يحاولن التعافى منها.. ويطالبن بإنصافهن بتشريع جديد

واستعرضت «الوطن» آراء خبراء قانون وعلم نفس واجتماع، وعاملين فى مجال الدفاع عن حقوق المرأة، بما فى ذلك المجلس القومى للمرأة، حول أسباب هذا العنف، والآثار المترتبة عليه وكيفية التصدى له، وطرحت سؤالاً: هل المشكلة فى عدم كفاية القوانين الحالية لمواجهة العنف الأسرى ضد المرأة بشكل خاص؟، ولماذا تأخر صدور «قانون موحد لمواجهة العنف ضد المرأة»، رغم أن المجلس القومى للمرأة طرح فكرته منذ سنوات، فضلاً عن تأكيدات رئيس الجمهورية، فى أكثر من مناسبة، وبينها لقاء المرأة المصرية والأم المثالية، فى مارس 2025، على «الرفض التام لأى انتهاك أو عنف قد تتعرض له المرأة»، وتكليفه الحكومة بمواجهة كافة أشكال العنف ضدها، وتوفير بيئة آمنة تحمى كافة حقوقها، وتضمن سلامتها.

لا تنسى «رانيا» أول مرة تعرضت فيها للضرب من زوجها، بعد أسبوعين فقط من الزواج، بينما كانت لا تزال فى «شهر العسل»، وطلب زوجها أن تنزل يومياً لخدمة والدته، فأخبرته بأنها تحتاج أسبوعاً آخر تحسباً للزيارات العائلية باعتبارها «عروسة جديدة»، فبدأ بضربها وصفعها حتى نزفت من وجهها: «كنا فى بيت عيلة وماقدرتش أحكى، خفت، مين هيقف جنبى».

لم تتوقف مشاهد ضرب «رانيا السيد» من جانب زوجها على مدار 20 عاماً، حسب قولها، بل و«ازداد زوجها حدة وعنفاً، لدرجة أنه كان يضربها خلال سجودها فى الصلاة، وأحياناً خلال تناول الطعام، يضربها بكل شىء حتى لو كان عصا مقشة، أو أداة حديدية».

سفر «رانيا» مع زوجها للسعودية للعمل، لم يُوقف مُسلسل العنف بل زاد. وبينما كانت تصمت وتحاول تجنبه، أملاً أن يكبر الأبناء فى بيئة سوية، كان زوجها لا يتوقف عن الضرب، وتسبب ذلك فى اضطرابات نفسية لها، ثم تطور الأمر إلى ضرب الأبناء إن عبّروا عن اعتراضهم، هنا بدأت نظرة «رانيا» عن مفهوم «الست الأصيلة هى إللى بتستحمل جوزها فى أوقات غضبه» تتغير، وصارت تتصدى له.

تقول «رانيا» لـ«الوطن»: «لما لاقانى بدأت أقف له، كان بيخلينى ماشية فى الشارع من غير أى إثبات هوية أو فلوس، ويضربنى بأى حاجة، مرة كسر لى دراعى من كتر الضرب، وأخد الدهب إللى أهلى اشتروه ليا، والطامة الكبرى لما لاقيته بيخونى، قررت أتمرد على الوضع ده».

ارتعش جسد «رانيا» الأربعينية وهى تحكى ذكريات زواجها، ثم انخرطت فى بكاء حار، لافتة إلى أنها قررت فى النهاية طلب الطلاق وتحمل مسئولية 4 أبناء وحدها، بل وجعلت تجربتها المريرة وسيلة لتوعية النساء بمخاطر العنف الأسرى وكيفية التعامل معه، وتعريفهن بحقوقهن وواجباتهن داخل منظومة الزواج.

وتضيف: «عايزة أوصّل صوتى علشان الناس تعرف إللى ممكن السيدات يتعرضوا له من عنف، وأنا مش لوحدى، أنا للأسف بمثّل ستات كتير، لازم كل ست تعرف إن مفيش حاجة اسمها استحملى واصبرى إذا تعرضت للضرب، كرامة الست وحياتها أهم، والناس لازم تفهم إن العنف الأسرى أخرته وحشة ومدمر».

ما تتعرض له «رانيا» هو أحد مشاهد العنف الأسرى التى تعانى منه كثير من النساء المصريات فى صمت، لا سيما فى ضوء ما كشفه إحصاء للجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء عام 2022 عن تعرض 8 ملايين امرأة فى مصر للعنف.

ثغرات قانونية

واهتم الدستور المصرى الصادر عام 2014 بظاهرة العنف ضد المرأة بشكل خاص، حين نص فى مادته الحادية عشرة على أن «تلتزم الدولة بحماية المرأة ضد كل أشكال العنف». إلا أن المحامى الذى شارك فى صناعة مسودة مشروع قانون موحد لمكافحة العنف ضد المرأة، عمرو محمد، يرى أن تلك المادة من الدستور ينقصها الكثير من الإجراءات لكى تدخل حيز التنفيذ الحقيقى، ومن هذه الإجراءات إصدار قانون موحد للعنف ضد المرأة، وذلك لأن هناك مواد قانونية فى التشريع المصرى تُجرم بالفعل العنف بكل أشكاله، لكن المشكلة فى وجود نصوص قانونية أخرى تُبيح الإفلات من العقوبات، وتخفيف عقوبات قضايا العنف الأسرى وقتل الزوجات، وهى بمثابة ثغرات»، حسب قوله.

وأضاف «عمر» موضحاً: «هناك قوانين بالفعل فى التشريعات المصرية تُجرم الضرب، ولكن المشكلة فى «الإفلات» باستخدام مواد أخرى، فالأب لو تعدى على ابنته بضرب مُبرح مثلاً، والابنة أبلغت السلطات قد تتم محاكمته، ولكنه بإمكانه الاعتماد على مواد فى قانون العقوبات تُبيح الإفلات من العقوبة مثل المادة 60، باعتبار أن الأب لو ضرب ابنته بهدف التأديب فهو فعل حسن النية بحسب القانون، كذلك لو الزوج قتل زوجته، وهو عصبى أو لديه شعور بالغضب، فهنا القتل عقوبته المفترضة هى الإعدام، إلا أن الزوج أو الأب بإمكانهما تخفيف العقوبة إلى سنوات قليلة بالاعتماد على المادة 236 من قانون العقوبات التى تقول إنه لم يكن هدفه قتلها بل هو مجرد ضرب أفضى إلى موت، وفى المقابل لو الزوجة قتلت الزوج أو الابن فهى تعاقب بالإعدام».

وضرب «عمرو» مثالاً بقضية السيدة «مرام أسامة» التى تعدى عليها زوجها بالضرب والخنق حتى تسبب فى قطع فى البلعوم، وتركها تصارع الموت وحدها 5 أيام بدلاً من نقلها إلى المستشفى مما أدى لوفاتها، وفى النهاية كان الحكم عليه بالسجن 7 سنوات والحجة أنه «ضرب أفضى إلى موت».

مدير «قضايا المرأة»: إقرار القانون الموحد لمناهضة العنف ضد المرأة ضرورة وليس رفاهية والنصوص القانونية المدافعة عن حقوق النساء متناثرة بشكل غير مترابط أو صريح وبها ثغرات

قانون العنف ضد المرأة ليس رفاهية

وتُعبر «سهام على»، المديرة التنفيذية لمؤسسة قضايا المرأة، عن شعورها بالأسف لأن التشريعات المصرية حتى الآن لا يوجد فيها «قانون متخصص يُجرم العنف ضد المرأة بشكل صريح وواضح»، حسب قولها، مضيفة: «غياب قانون متخصص يعالج العنف ضد النساء والفتيات بما فيه العنف الأسرى غير عادل ويضعف من إنصاف الضحايا، ويخلق فجوة قانونية، تجعل التعامل مع جرائم العنف ضد المرأة مختلفاً وأصعب مقارنة بالقضايا التى يكون ضحاياها رجالاً».

«وجود قانون موحد لمكافحة العنف ضد المرأة، متضمناً العنف الأسرى، ضرورة مُلحة وليس رفاهية»، بحسب «سهام»، والسبب أن «القوانين أو النصوص القانونية التى تُدافع عن حقوق النساء بشكل عام والأسرة المصرية بشكل خاص متناثرة بشكل غير مترابط أو صريح عبر بضع مواد موجودة فى قانون الأحوال الشخصية، وأخرى فى قانون الطفل، وثالثة فى قانون العقوبات، وسهل إيجاد ثغرات قانونية بها»، حسب تأكيدها.

وأرجعت «سهام» سبب تأخر إصدار قانون لمكافحة العنف ضد المرأة، إلى أن «التشريعات السياسية والاقتصادية تعتبر أولوية على قائمة التشريعات الحكومية فى البرلمان، بينما يتراجع الاهتمام بالتشريعات الخاصة بالمرأة»، مضيفة: «ما لا يدركه البعض أن قوانين الأحوال الشخصية وقوانين العنف ضد النساء لا تقل أهمية عن بقية التشريعات».

الطلاق أنقذ «مى»

عندما وافقت «مى مصطفى»، اسم مستعار، ربة منزل، على «العريس» الذى رشحته لها والدتها، كانت تحلم بالفستان الأبيض، والبيت الصغير الذى ستجعله جنة الله على الأرض، ولكن تلك الأحلام تبخرت بعد أقل من عام من الزواج عندما علمت أن زوجها يخونها، ورغم تغاضى «مى» عن الخيانة بعد ضغوط الأهل بحجة «الحفاظ على بيتها»، إلا أن ما وصفته بـ«سرقة زوجها لأموال البيت ثم شرب المخدرات، وأخيراً الاعتداء عليها لفظياً وبدنياً»، دفعها لطلب الطلاق، حسب تأكيدها.

للأسف رفض الزوج طلاق «مى»، 38 عاماً، وبدأ يتعمد إيذاءها: «ماسابش حاجة إلا وأذانى بيها، عنف لفظى متواصل من شتايم وإهانات، وبعدها عنف نفسى وتهديدات بالأذى، ومهما حاولت أثبت إللى باتعرّض له من عنف من ضرب أو شتائم مابقدرش لأنه بيجيب شهود زور ضدى، بجانب إن القانون لا يتضمن مادة تقدر تعاقبه على إللى بيعمله من سرقة عفش أو أذى نفسى لأنه فى النهاية جوزى بحكم الشرع والقانون».

المشاهد المؤلمة فى رحلة «مى»، التى تعيش فى محافظة الجيزة، لطلب الطلاق كثيرة، ولكن هناك ما هو محفور فى ذاكرتها مثل مشهد الأثاث الذى حطمه زوجها للانتقام منها بعد رفعها دعوى طلاق للضرر، على الرغم أنها اشترته بأموالها، ومشهد آخر عندما اكتشفت سرقة كافة حاجياتها وأموالها، وأن كل ملابسها تم قصها بالمقص ليمنعها من ارتدائها، حسب قولها.

وأضافت «مى» وهى تبكى: «فضل معلّقنى 5 سنين، مش عايز يطلقنى، كل شوية تهديد، كنت بدخل المحكمة بعيط وأخرج منها معيطة أكتر، وأمشى فى الشارع أكلم نفسى، كل ده وأنا لوحدى ومعايا عيل شايلة مسئوليته، واللحظة الوحيدة إللى شعرت فيها بالإنسانية لما خدت قسيمة الطلاق، والحقيقة أنا بسأل نفسى ليه مفيش قانون يحمينى ويحمى بقية الستات من كل إللى بنتعرض له من أذى نفسى وجسدى؟!»، حسب قولها.

نسخة جديدة فى أبريل 2025

قصة «مى» ومثيلاتها كانت السبب فى تحرك جمعيات حقوق المرأة مُجدداً لمحاولة وقف النزيف الناجم عن العنف ضد المرأة، فلم يتم الاقتصار على نسخة قانون مكافحة العنف ضد المرأة، الذى يتضمن باباً لمكافحة العنف الأسرى والذى سبق وتقدمت به النائبة نادية هنرى عام 2018، أو النسخة التى تقدمت بها نشوى الديب عام 2022، بل بحسب «هبة عادل»، مؤسس مبادرة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، تمت إعادة قراءة كلا المقترحين وتطويرهما.

وهو ما تتحدث عنه «هبة»، قائلة: «انتبهنا أننا علينا العمل أكثر على تطوير القانون فبدأنا نتوجه للمحافظات، وندرس أكثر الأوضاع هناك، نتعرف على أشكال جديدة للعنف، ونخرج بتوصيات أكثر ارتباطاً بالواقع، خلال تلك السنوات عرفنا مثلاً أن العنف الرقمى والابتزاز الإلكترونى صار منتشراً بأشكال مختلفة، مثل التهديد والابتزاز المالى أو الابتزاز الجنسى وأخطرها ابتزاز الزوج لزوجته إلكترونياً بالصور الشخصية».

من خلال العمل المتواصل على القانون، خرجت «هبة» ومعها 4 جمعيات عاملة فى مجال حقوق المرأة هى «مؤسسة قضايا المرأة، ومؤسسة تدوين لدراسات النوع الاجتماعى، ومؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، ومركز النديم لتأهيل ضحايا العنف» بتوصيات كانت بمثابة الكشاف الذى تم الاعتماد عليه فى إصدار نسخة مستحدثة من قانون موحد لمكافحة العنف فى أبريل 2025.

وأهم ما يميز هذا المقترح، بحسب «هبة»، أنه يتضمن باباً للوقاية والحماية، وباباً للعنف الرقمى، وتدرج العقوبات، وباباً خاصاً بالعنف الأسرى، وهو ما تؤكده قائلة: «هذا العام كان مختلفاً ففى شهر يونيو 2025، عملنا على تطوير مسودة قانون مكافحة العنف ضد المرأة، وأصدرنا مسودة جديدة، تم إطلاقها فى مؤتمر خاص خلال الشهر نفسه».

وعبرت «هبة» عن استنكارها لتأخر إصدار القانون، قائلة: «الرد الوحيد الذى نحصل عليه كلما تقدمنا بمسودة قانون مكافحة العنف لطرحها فى البرلمان، أن القانون ليس حالة عاجلة تستلزم العمل عليها الآن، وأحب أن أسأل البرلمان ما هى الجريمة التى ينتظرون حدوثها لكى يقروا مشروع القانون المقترح؟ ألم تكفِ تلك الجرائم العنيفة التى وقعت فى نطاق الأسرة والتى وصلت إلى مستويات صعبة، وشوّهت المجتمع».

«منيرة» واجهت عنف الأخ والزوج

رغم هيئتها التى توحى بشخصية قوية مؤثرة فى أسرتها، وجلستها الواثقة، إلا أن «منيرة إسماعيل»، وهو اسم مستعار، كانت تحمل فى داخلها كماً هائلاً من الوجع والانكسار تحاول إخفاءه، بعد ما تعرضت له من «عنف لفظى، وبدنى، ومالى من الزوج والأخ دون أن يكون لديها القدرة على التصدى لهما»، حسب وصفها.

«بعد وفاة أبى، أخويا الكبير كان المسئول عنى أنا وإخواتى البنات، لكنه فى الحقيقة كأنه ماكانش موجود، بالعكس كان بياكل حقنا، ومرة أخد منحة معاش بابا إللى خصصتها الحكومة ليا علشان الجواز من غير ما أعرف».. كلمات وصفت بها «منيرة» الخذلان الذى تعرضت له من شقيقها ولا ينمحى من ذاكرتها رغم اقترابها من الـ50 عاماً.

تحكى «منيرة» أنها كانت تتعرض للإهانة اللفظية من شقيقها دون القدرة على الرد، لأنها قد تتعرض للضرب، خاصة أنها تعرف أن «هناك مادة فى قانون العقوبات تبيح الضرب بغرض التأديب»: «ماكانش فى حد يدافع عنى ولا حتى أمى، كنت بلا سند أمام العنف المالى واللفظى، وماكانش فى إمكانية لإبلاغ الشرطة، لأنه عيب، أو لأنه هيخرج ويؤذينى».

تصورت «منيرة»، من محافظة القليوبية، أنها ستتخلص من عنف شقيقها بعد الزواج، ولكن حياتها مع زوجها كانت رحلة من الألم المستمر، حسب وصفها، فكانت تتعرّض للضرب الدائم فى حال اختلفا، بجانب إجبارها على دفع مرتبها كاملاً فى المنزل: «هو شخص متحكم، لو قُلت له أنت اللى المفروض تصرف يحتد الكلام بينا ويضربنى، ويقول لى انتى بتشتغلى، يبقى لازم تصرفى زيك زيى فى البيت، ومرة ضربنى لغاية ما نزفت من وشى أمام أولادى، فى الوقت اللى بيخصّص جزء من مرتبه للسجاير وخروجات أصحابه، وممكن يسيب البيت من غير فلوس».

لا تملك «منيرة» رفاهية طلب الطلاق، فهى تعمل مُدرسة ومرتبها بالكاد يكفى احتياجاتها واحتياجات أبنائها، ولن تتمكن من تأجير أو شراء شقة بعد الطلاق، كما أنها تخشى نظرة العائلة والمجتمع: «أنا عندى بنت على وش جواز، وابن فى ثانوى، والناس مش هيفهموا السبب الحقيقى للطلاق وهيتكلموا، وبعدين أنا لو اتطلقت لا أملك إنى أعيش فى بيت أهلى، لأن أخويا أخد شقتنا وقعد فيها، وللأسف القوانين هنا مش بتساعد الست خالص، ياريت يغيروها مش علشانى، علشان بقية الستات اللى مالهمش ضهر»، حسب وصفها.

مديرة «تدوين لدراسات النوع»: القانون يُطبق بحذافيره على جرائم النساء بينما يتم استخدام الرأفة مع الرجل.. والمشروع الجديد مُحدد الجرائم ويقدم عقوبات بديلة ومختلفة لأن السجن ليس وسيلة فعالة دوماً

«عدم مساواة» فى العقوبات

احتياج الدولة إلى قانون موحّد لمكافحة العنف ضد المرأة والعنف الأسرى، وصفته «أمل فهمى»، المديرة التنفيذية لمركز تدوين لدراسات النوع الاجتماعى بـ«الضخم». وقالت: «هناك غياب للعدالة فى تطبيق بعض الأحكام، فالمرأة لو ارتكبت جريمة فى نطاق الأسرة على سبيل المثال كالضرب، يتم تطبيق القانون عليها بحذافيره، بينما لو كان الرجل هو الجانى فى الجريمة نفسها من الممكن أن يتم خفض العقوبة، حسب المادتين 7، أو 60 من قانون العقوبات، اللتين تُستخدمان للرأفة مع الرجل فقط، فما هذا التمييز العنصرى مع أن المرأة هى الأضعف؟!».

امل

وأضافت: «للأسف هناك عقوبات فيها عدم مساواة، وأخرى لا تتعاطى مع أشكال العنف الجديدة فى المجتمع، مثل الابتزاز الإلكترونى، كما تحتاج بعض المواد القانونية إلى عقوبات بديلة متنوعة على حسب صفة المجنى عليه والجانى، كما أن بعض الجرائم بحاجة إلى إعادة تعريف بشكل يناسب تطور المجتمع»، مشيرة إلى أنهم يكافحون منذ 15 عاماً لإصدار قانون موحّد لمكافحة العنف ضد المرأة.

وأهمية هذا القانون الموحّد، حسب «أمل»، أنه «مُحدّد الجرائم ومحدّد العقوبات ويقدّم عقوبات بديلة ومختلفة، فالسجن ليس وسيلة ثابتة وفعّالة دوماً فى إنهاء العنف، بل هناك نوع آخر من العقوبات مثل العقوبات المجتمعية»، مضيفة: «هدفنا قانون برؤية مختلفة».

وعبّرت «أمل» عن اندهاشها من عدم إصدار مثل هذا القانون حتى الآن، لاسيما أن الحكومة تتباهى باستمرار بأنها مُنصفة للنساء من خلال استراتيجية 2030، إلى جانب تخصيص «المجلس القومى للمرأة» الكثير من البرامج المالية والاقتصادية لدعم وتمكين المرأة، بل إنه تم تخصيص عام كامل للمرأة للاهتمام بكل القضايا الخاصة بها: «ولا أفهم سر هذا التأخير إطلاقاً!».

النائبة السابقة نادية هنرى: قدمت مقترحاً لقانون مكافحة العنف ضد النساء إلى البرلمان عام 2018.. والمفاجأة أن النائبات كن يمتنعن عن التوقيع مقارنة بالنواب الذكور

القانون على مائدة البرلمان

النائبة السابقة فى البرلمان «نادية هنرى» حكت عن تجربتها فى تقديم مقترح قانون موحّد لمكافحة العنف، إلى البرلمان عام 2018، موضحة أن المفارقة هى أن النائبات كن يمتنعن عن التوقيع، مقارنة بالنواب الذكور: «للأسف رغم أنهن إناث، وأكثر من يشعر بآلام المرأة، ولكن الثقافة الذكورية والمفاهيم التقليدية غلبت تفكيرهن، وهناك نساء فى مناصب قضائية وتشريعية وتنفيذية مؤثرة رفضن الموافقة على تقديم القانون للبرلمان، بسبب خلفيتهن الفكرية»، واستطردت: «إحداهن قالت بالحرف لا أستطيع الموافقة على هذا القانون، فهو يخالف قناعاتى وأفكارى».

«الموروث الثقافى والاجتماعى والسياسى» هو السبب الأول من وجهة نظر «نادية» فى تأخر ظهور قانون موحّد لمكافحة العنف ضد المرأة حتى الآن رغم مرور 7 سنوات على تقديم مقترح به، أما السبب الثانى فهو اجتهادات الخطاب الدينى التى لا تتحدّث بطريقة صريحة عن تجريم العنف ضد الأسرة بشكل عام والمرأة بشكل خاص.

نادية

وشرحت «هنرى»: «ما زالت هناك مفاهيم يتم الدفاع عنها من قِبل الخطابات الدينية، مثل الطاعة المطلقة والصمت حفاظاً على الأسرة، وللأسف صرنا نشهد مؤخراً الكثير من جرائم القتل بين الأزواج، ورغم أن رئيس الدولة نفسه ظهر وتحدّث عن تلك الظاهرة ورفضه لها، لكن هناك مقاومة من تحالف غير معلن من القوى المحافظة، خصوصاً داخل البرلمان والمؤسسات الدينية، سواء كانت تنتمى إلى الدين الإسلامى أو المسيحى، فكلتاهما تحاول منع ظهور القانون للنور».

واعتبرت «هنرى» أن الدولة المصرية تعيش «صراعاً حضارياً» من أجل إصدار قانون موحّد لمكافحة العنف ضد المرأة، وهو صراع بين رؤية تقليدية تُكرّس صورة للمرأة بأنها مجرد تابع وصامت، ورؤية حديثة ترى المرأة إنساناً كامل الحقوق.

ووضعت «هنرى» «روشتة» تتكون من 3 محاور لضمان صدور هذا القانون، تشمل: إرادة سياسية حقيقية، ووعياً شعبياً ناضجاً، وتحالفاً بين القانونيين وصانعى التشريعات والمجتمع المدنى.

وأكدت: «بدون هذا القانون سنفتقد العدالة المجتمعية والقانونية، ومستقبل مصر سيكون مظلماً، فالمرأة المصرية يجب أن تكون آمنة، قادرة على أن تُربى أبناء المستقبل دون خوف».

العنف يقتل الأسرة

وعن التأثيرات النفسية للعنف الأسرى، كشفت دراسة صادرة عن كلية الآداب جامعة عين شمس عام 2018، بعنوان «العنف الأسرى وعلاقته بالصحة النفسية لدى شباب الجامعة» أن الشباب، سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً، ممن نشأوا فى أسر تعانى من عنف أُسرى، يعانون من مستوى دراسى منخفض، واضطرابات نفسية وانفعالية.

هذا ما يؤكده أيضاً الدكتور جمال فرويز الذى وصف العنف الأسرى بأنه «مدمر للأسرة المصرية ويقتلها ببطء»، فالمرأة التى تتعرّض للعنف الأسرى يتنامى لديها شعور بالدونية والإحباط، ومع الوقت ستكره من يمارس العنف ضدها، مهما كانت درجة قرابته أو حبها له.

وشرح «فرويز» لـ«الوطن» تأثير العنف الأسرى بالتفصيل، قائلاً: «العنف يؤدى إلى زوال أى انتماء داخل المرأة تجاه أسرتها، فلو كانت غير متزوجة سيكون هدفها الأوحد هو الهروب من المنزل مع أول قادم للزواج منها، وهو أمر كارثى، لأنه يبنى بيوتاً بلا أُسس، ويتسبّب لاحقاً فى ارتفاع نسب الطلاق بهذا الشكل المخيف، أما إن كانت متزوجة فتعيش داخل منزلها، إما من أجل الأبناء فقط وتربيتهم، وإما من أجل الخوف من نظرة المجتمع إن انفصلت، وأحياناً عدم وجود مصدر مالى، وسيصبح دور الزوجة مجرد وظيفة، وليست سيدة محبّة لزوجها، بل إنها قد تتمنّى اختفاء زوجها، وإن كانت لن تصرح بذلك».

ونبّه «فرويز» إلى نقطة مهمة، وهى أن العنف الأسرى لا يقتصر تأثيره على المرأة، بل يمتد إلى الأبناء، فالزوجة عندما تشعر بالظلم أو القهر مما تتعرّض له من عنف، يتأثر أبناؤها، سواء كانوا إناثاً أو ذكوراً، فهم إما يعزفون عن الزواج، وإما يدخلون الزواج بنفس مريضة وتتحول حياتهم الأسرية إلى كتلة من الصراع والعنف الذى لا يتوقف: «أحياناً يتعلم الولد أن العنف هو علامة الرجولة، وأنه الطريقة التى يفرض بها سيطرته، فتستمر سلسلة العنف، أما الفتاة فتلجأ إلى حيلة تعويضية عما لاقته من عنف، وتحاول أن تأخذ بحق أمها من الزوج الجديد، فتتحول هى بشكل لاإرادى إلى ممارس للعنف».

وفى سياق بحثه عن الحل، أكد «فرويز» أن «الوعى والتعليم والتثقيف» يأتى قبل تغيير القانون، قائلاً: «نحن نعانى من انهيار ثقافى وأخلاقى وسلوكى، واجتماعى وقيمى، وقد يتسبّب فى انهيار العلاقات الاجتماعية، والقانون ليس حلاً جذرياً، الحل هو التربية والتثقيف والتوعية بخطر العنف الأسرى، ومعنى الأسرة وحقوق وواجبات الرجل والمرأة من خلال الإعلام والمؤسسات الاجتماعية».

.. ويؤدى إلى تصحر المجتمع

وحذّرت دار الإفتاء المصرية فى يونيو الماضى، على موقعها الإلكترونى، من ظاهرة «العنف الأسرى» وتأثيراتها الاجتماعية الخطيرة، مؤكدة أنها تتنافى مع جوهر الشرائع السماوية. ودعا مفتى الجمهورية الدكتور نظير عياد إلى فتح نقاش مجتمعى حول الظاهرة لمعرفة أسبابها وآثارها الاجتماعية.

وعن آثار هذا النوع من العنف، تحدّثت الدكتورة سامية خضر، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، قائلة لـ«الوطن»: «العنف الأسرى هو البيئة الخصبة لانتشار الأمراض النفسية، والانفلات الأخلاقى، وزيادة معدلات الطلاق وتفسّخ الأسر، وفى النهاية يؤدى إلى تصحر المجتمع، وتفككه، فيصبح أرضاً جرداء بلا مستقبل أو هوية».

وأضافت «خضر»، موضحة: «هناك زيادة فى معدلات الجرائم فى المجتمع، خصوصاً تجاه المرأة، باعتبارها الطرف الأضعف، وسمعنا عن أناس حبسوا فتاة من أقربائهم لمدة 6 سنوات فى قبو، ورجل قتل زوجته بطفاية حريق، وهؤلاء المجرمون كانوا مجرد أطفال أبرياء، ولكنهم تعرّضوا للعنف فى صغرهم، أو رأوا والدتهم أو شقيقتهم تتعرّض للعنف، فتشوّهت نفسيتهم، وصار العنف وسيلتهم الوحيدة للتعبير عن أنفسهم، وهو ما يُنذر بتفشى الجريمة فى المجتمع، وللأسف الجميع سيعانى».

ويتطابق حديث «خضر» مع دراسة بعنوان «ضحايا العنف الأسرى» صادرة عن جامعة عين شمس للدكتورة «مروة زكى»، كشفت أن «أبرز آثار العنف الأسرى تشمل تفكّك النسيج الاجتماعى، والانحرافات الإجرامية، والتدمير المجتمعى، واستغلال من تعرّضوا للعنف الأسرى فى العمليات الإرهابية، بسبب وجود ميل بداخلهم إلى العنف».

وتتلخص روشتة «خضر» لمقاومة العنف الأسرى فى: التربية، وإطلاق نقاش مجتمعى حول طرق مقاومته، وطرح ميثاق توعوى حول العلاقة بين الزوج والزوجة، وفى النهاية تأتى القوانين والتشريعات التى تعتبر الدرع التى تحمى كل ما سبق، قائلة: «دون ذلك المجتمع سينهار».

رئيس «المرأة الجديدة»: استراتيجية الدولة 2030 فيها بنود عن تمكين المرأة وحمايتها وكل ما نأمله سيصبح واقعاً.. ويجب الاحتفاء بمشروع القانون باعتباره منجزاً رسمياً

مشروع القانون «إنجاز رسمى»

وتؤكد نيفين عبيد، رئيس جمعية المرأة الجديدة، وجود مشكلة فى منظومة مواجهة العنف الأسرى فى مصر، قائلة: «لو كانت القوانين كافية لما ارتفعت معدلات العنف الأسرى فى المجتمع بهذا الشكل الخطير».

واعتبرت «نيفين» أن من أسباب الهجوم على إصدار قانون لمكافحة العنف ضد المرأة، اعتقاد البعض أن المدافعين عنه مجرد جهات غير حكومية من جمعيات حقوق المرأة، رغم أن فكرة إصدار هذا القانون خرجت شرارتها الأولى من المجلس القومى للمرأة فى ظل رئاسة ميرفت التلاوى أواخر عام 2012، واستمر المجلس فى الاهتمام بفكرة القانون حتى وقتنا الحالى، حسب تأكيدها.

نيفين

وأضافت رئيس جمعية المرأة الجديدة: «حسب معرفتى، هناك أكثر من 8 مسودات أصدرها المجلس القومى للمرأة بخصوص القانون، وكانت الدافع الأساسى الذى حرّك المجتمع المدنى للتفكير فى القانون الموحّد للعنف، لذا ليس من المفترض أن تتم مقاومة فكرة القانون، بل الاحتفاء به، باعتباره مُنجزاً رسمياً للحكومات».

وضربت «نيفين» مثالاً بـ«المغرب» التى تمثل أول دولة عربية تُطلق قانوناً موحّداً للعنف ضد المرأة، قائلة: «القانون ليس بدعة، واستراتيجية 2030 التى أصدرتها الدولة فيها بنود ومواد عن تمكين المرأة وحمايتها، وكل ما نأمله تنفيذ تلك البنود وجعلها واقعاً».

«ثورة المجلس القومى للمرأة»

حديث رئيس مؤسسة المرأة الجديدة عن دور «القومى للمرأة» فى الاهتمام بوجود قانون موحّد لمكافحة العنف ضد المرأة، أكده الدكتور حسن سند، عضو اللجنة التشريعية بالمجلس القومى للمرأة، وعميد كلية الحقوق جامعة المنيا، مشيراً إلى أن المجلس طرح الكثير من المواد الدستورية والقوانين التى تحمى المرأة من العنف وتحفظ لها حقوقها منذ عام 2011، ووصلت إلى ذروتها مع بداية عام 2014 مع تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى، حيث تم إقرار المادة 11 فى الدستور، بجانب أكثر من 20 مادة تخاطب المرأة بشكل مباشر لمحاولة مناهضة العنف ضدها.

وأضاف «سند»: «المجلس القومى للمرأة قام بثورة حقيقية ضخمة لإقرار التشريعات الموجودة الآن، حيث كانت هناك جرائم كثيرة خاصة بالمرأة بلا عقوبة، مثل التحرش، والتنمر، والختان، والمجلس هو الذى قدّم كل هذه النصوص وحده للحكومة وتحمّل الهجوم والتسويف، وصارت كلها قوانين تحمى المرأة».

سند

إلا أن عضو اللجنة التشريعية بـ«القومى للمرأة» اعترف فى الوقت نفسه بأن «القوانين الحالية لا تزال بالفعل غير كافية لإيقاف العنف الأسرى، والمجلس يعمل بكل قوة ممكنة لمواجهة هذا العنف، إلى جانب التوعية بأهمية وجود قانون موحّد لمكافحة هذا العنف».

واعتبر «سند» أن «الأرقام المعلنة عن حجم العنف الأسرى فى مصر، أقل كثيراً من الإحصائيات، وهى مجرد قشرة تُخفى كوارث، وخلف الأبواب كثير من النساء يعانين من الظلم ولا يعبرن عنه خوفاً من الفضيحة أو كلام الناس، أو عدم القدرة على تحمل تكاليف الانفصال، وأحياناً الخوف من عنف المعتدى بعد الإبلاغ عنه، وبالتالى يكون السكوت هو الحل».

وعبّر «سند» عن تعاطفه الشديد مع المرأة المصرية التى تتحمّل الكثير فى رحلة البحث عن حقوقها وحمايتها من العنف، قائلاً: «للأسف الحل ليس القانون والعقوبات فقط، فذلك لن يغير السلوك ولا الثقافة ولا الموروثات الثقافية السلبية، فهناك جزء متعلق بالتربية والتنشئة التى تجعل المجتمع يحترم الأنثى، ويتوقف عن عدم تقديرها أو استضعافها من ناحية البنيان الجسدى أو بسبب نوعها».

وأكد «سند» أن الدولة تحاول مقاومة العنف الأسرى لأنها الخاسر الأكبر من انتشاره، قائلاً: «الفتاة عندما تتزوج وتُنجب تُربى أبناءها على الأمراض التى أصابتها من العنف الأسرى، مثل الذل والمهانة والانحطاط، وتنقل إليهم ذلك بالتبعية، فهى تُربى أبناءها على صدمات نفسية طويلة الأجل، وذلك يمنع ظهور أجيال قوية مُفكرة مُبدعة تسهم فى تطور المجتمع».


مواضيع متعلقة