«أفريقيا تتمزق».. 50 نزاعا مسلحا تعقد المشهد وتشعل الصراعات بـ«القارة السمراء»
«أفريقيا تتمزق».. 50 نزاعا مسلحا تعقد المشهد وتشعل الصراعات بـ«القارة السمراء»
تتصاعد النزاعات فى القارة الأفريقية بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، خاصة جنوب الصحراء الكبرى، حيث تواجه جهود بناء السلام تراجعاً كبيراً، بينما تستغل الجماعات المسلحة المتطرفة الفراغ الأمنى وتزيد من تعقيد المشهد الإقليمى.
وتشهد دول الساحل، مثل مالى والنيجر وبوركينا فاسو، نشاطاً مكثفاً للجماعات المسلحة، وفى شمال نيجيريا، لا تزال الجماعات المسلحة تشكل تهديداً كبيراً للأمن الإقليمى، مستهدفة المدنيين والزراعة والبنية التحتية الحيوية، وفى الصومال، تعد جماعة الشباب المجاهدين التهديد الأكبر للسلام والأمن فى القرن الأفريقى، إذ تواصل تنفيذ هجمات معقدة تستهدف المدنيين والمسئولين الحكوميين، كما تمتد هجماتها إلى دول مجاورة مثل كينيا.
ويستمر النزاع فى شرق الكونغو الديمقراطية بين قوات الحكومة وميليشيات مثل M23، المدعومة من جهات إقليمية، كما تستمر الحرب الأهلية فى إثيوبيا.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 45 مليون شخص فى أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى يعانون من النزوح بسبب النزاعات المسلحة، كما أن هناك نحو 50 نزاعاً مسلحاً نشطاً.
بدوره، قال الدكتور حسام الدين محمود، الخبير فى الشئون الأفريقية، إن المشهد الأمنى فى أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أصبح أكثر تعقيداً مقارنة بالسنوات الماضية، فى ظل تصاعد غير مسبوق لنشاط الجماعات الإرهابية وتفكك بعض الهياكل السياسية والأمنية، مشيراً إلى أن نهاية عام 2025 شهدت توسعاً لافتاً فى نفوذ التنظيمات المسلحة، خاصة فى منطقتى الساحل والصحراء، بالتزامن مع تدخلات دولية مباشرة، ما يعكس تصاعد التهديد للأمنين الإقليمى والدولى.
وحول أسباب تصاعد النزاعات وتراجع جهود بناء السلام، أوضح الخبير فى الشئون الأفريقية أن العوامل البيئية والمناخية تتصدر محركات الصراع، وعلى رأسها التصحر وندرة الموارد الناتجة عن التغيرات المناخية المتسارعة، لافتاً إلى أن تراجع الزراعة والرعى فاقم الأزمات الاقتصادية ودفع أعداداً كبيرة من الشباب إلى الاستقطاب من قبل الجماعات الإرهابية.
ولفت «حسام الدين» إلى أن النزاعات المحلية، مثل الصراعات بين الرعاة والمزارعين داخل بعض دول الساحل، والخلافات العابرة للحدود حول الموارد المشتركة، كنزاع النيجر وتشاد حول بحيرة تشاد، تمثل نماذج واضحة لكيفية تحول شح الموارد إلى صراعات مسلحة، تعمق من حالة عدم الاستقرار وتعرقل جهود بناء السلام.
«محمود»: المجتمع الدولى مُطالب بتبنى حلول لدعم مشروعات تنموية مستدامة
وشدد «محمود» على أن المجتمع الدولى مطالب بتبنى حلول عملية وليست سياسية فقط، تقوم على دعم مشروعات تنموية مستدامة، والمساهمة فى مواجهة التصحر، وتحسين سبل العيش فى الدول الأكثر تضرراً، وأكد أن الأمن المناخى بات عنصراً أساسياً فى معادلة الاستقرار، محذراً من أن استمرار فقدان الوظائف المرتبطة بالزراعة والرعى يؤدى إلى نزوح داخلى واسع، ويخلق بيئة خصبة لتجنيد العناصر المتطرفة.
وأوضح أن ندرة الموارد لا تؤدى فقط إلى النزوح، بل تفتح الباب أمام صراعات مباشرة بين المجتمعات المحلية، فى ظل التنافس على موارد محدودة، ما يجعل من الأمن المناخى أحد أبرز أسباب تصاعد النزاعات المسلحة فى أفريقيا.
«قرنى»: التوتر الأمنى المتزايد ناجم عن غياب العمليات السياسية الرشيدة
وقال الدكتور رمضان قرنى، الخبير فى الشئون الأفريقية، إن المشهد فى أفريقيا أصبح غاية التعقيد، كما تغير بصورة حادة فى نهاية 2025، مع استمرار عدد من الحروب الأهلية فى القارة، وعلى رأسها الحرب فى السودان التى وصفها بالنموذج الفج لهذه الصراعات، بعد أن تجاوزت عامها الثانى والنصف دون أفق واضح للحل.
كما أشار إلى استمرار التوتر فى منطقة البحيرات العظمى، لا سيما فى الكونغو الديمقراطية، حيث يتواصل الصراع رغم توقيع اتفاق سلام فى واشنطن، مؤكداً أن الظاهرة الإرهابية ما زالت تتمدد داخل القارة وتضرب فى بنية الدول الوطنية، مع نشاط حركة الشباب وتنظيم داعش فى شرق أفريقيا، وامتدادات القاعدة وداعش فى غرب القارة، فضلاً عن استمرار التهديدات الإرهابية فى الجنوب الأفريقى.
وأوضح الخبير فى الشأن الأفريقى أن العامين الأخيرين شهدا حالة واضحة من عدم الاستقرار السياسى، نتيجة عودة ظاهرة الانقلابات العسكرية، التى كانت قد تراجعت نسبياً منذ تسعينات القرن الماضى، قبل أن تعود بقوة منذ عام 2023، بدءاً من مالى وبوركينا فاسو وغينيا والنيجر، مروراً بالجابون، ووصولاً إلى حالات أخرى مؤخراً.
وأشار «قرنى» إلى أن المشهد مع بداية عام 2026 يتسم بتوتر أمنى متزايد، ناجم عن غياب العمليات السياسية الديمقراطية الرشيدة فى دول الانقلابات، واستمرار تمدد الجماعات الإرهابية، إلى جانب بقاء عدد من الصراعات والحروب دون حلول جذرية.
وأوضح أن استمرار الصراعات الداخلية، لا سيما فى تيجراى وأمهرة بإثيوبيا، يعكس تعثر تنفيذ اتفاق بريتوريا للسلام واستمرار الخلافات السياسية مع الحكومة الفيدرالية، إلى جانب التوترات المتكررة فى أمهرة، فضلاً عن التحديات التى تواجه الصومال فى إعادة بناء الدولة واستمرار المواجهات مع الجماعات المسلحة.
ويرى «قرنى» أن منطقة القرن الأفريقى حظيت خلال السنوات الأخيرة باهتمام دولى غير مسبوق، وقد تجلى هذا الاهتمام فى استحداث منصب المبعوث الخاص للقرن الأفريقى لدى عدد من القوى الدولية الكبرى، بداية من الولايات المتحدة، ثم الصين، والاتحاد الأوروبى، وفرنسا، وإيطاليا، وبريطانيا، وأستراليا، ما يعكس إدراكاً متزايداً للأهمية الاستراتيجية للمنطقة.