قيمة عاطفية!

عصام زكريا

عصام زكريا

كاتب صحفي

مع نهاية 2025 وبدء موسم الجوائز الذى يُختم بالأوسكار فى مارس القادم، يعيش محكمو هذه الجوائز ومحبو السينما أزهى أوقاتهم بين مشاهدة حصيلة أفلام العام المنصرم، ويعوضون ما فاتهم من أعمال خلال العام.

اليوم أبدأ سلسلة مقالات عن أفضل أفلام 2025، التى أرشحها للقراء بقوة، وللتتويج بالجوائز خلال الأسابيع القادمة. أول عمل أرشحه هو فيلم شديد التميز من النرويج عنوانه Sentimental Value أو «قيمة عاطفية» من إخراج يواقيم ترير، صاحب فيلم The Worst Person In The World، أو «أسوأ شخص فى العالم»، الذى شارك فى مهرجان «كان» 2022، وحصلت بطلته، ريناته رينسف، على جائزة أفضل ممثلة، كما حصل الفيلم على العديد من الجوائز الأخرى ورُشح لأوسكار أفضل سيناريو وأفضل فيلم أجنبى.

«قيمة عاطفية» عُرض أيضاً فى مهرجان «كان» وحصل على جائزة لجنة التحكيم، وأتوقع أن يكون الحصان الأسود فى موسم الجوائز القادم. وذلك، حسب تصورى، يعود إلى سببين: الأول هو الإتقان الهائل الذى تتسم به عناصره الفنية (من تمثيل وتصوير ومونتاج وموسيقى.. إلخ) كل على حدة، والتأثير الذى تحدثه معاً، وهو إتقان لا يتبين إلا مع نهاية الفيلم ثم مع المشاهدة الثانية وربما الثالثة، حين نتأمل لماذا اختار صناع الفيلم هذه الطريقة تحديداً فى الحكى أو فى كشف أو إخفاء هذه التفصيلة أو تلك.

السبب الثانى هو أن هذا الإتقان غير الاستعراضى وغير الظاهر تقريباً، بتفاصيله الغريبة تلك، هو الذى يكشف المعنى الحقيقى للفيلم وليس القصة.

وهى بالمناسبة قصة بسيطة جداً، وتقليدية، عن الأبناء الذين يعانون من اضطراب العلاقة بين الوالدين وانفصالهما.

هذا الإتقان «المتخفى» يتجلى فى مشاهد كثيرة، وسوف أكتفى بالإشارة إلى مشهدين: الأول فى بداية الفيلم حين نرى توتر البطلة، ممثلة المسرح، «نورا»، قبل الخروج على الجمهور، وحالة الهلع التى تنتابها، وتكاد تتسبب فى إلغاء العرض، ثم تلاشى هذا الخوف بمجرد وقوفها على خشبة المسرح.

هذا التوازى بين الأداء الطبيعى والمحترف (حالتها العصبية كإنسانة مضطربة قبل دخول المسرح، ومهارتها الاحترافية كممثلة متمكنة) يتكرر قرب نهاية الفيلم.

والد البطلة، وهو مخرج سينمائى يعود من شبه الاعتزال بسيناريو يستلهم فيه حياة ابنته ويحاول إقناعها بلعب الدور، ولكنها ترفض بسبب علاقتها المعقدة معه منذ أن طلق أمها وهجر ابنتيه، ولذلك يعهد بالدور إلى نجمة أمريكية شهيرة.

فى أحد المشاهد تقوم الممثلة المحترفة التى يُسند إليها الدور بأداء مشهد مؤثر تقوم فيه بطلة الفيلم (داخل الفيلم) بالبكاء والانهيار.

بعد قليل وبالقرب من نهاية الفيلم تقوم «نورا» بقراءة المشهد بصوت عالٍ لأختها (مجرد قراءة لمشهد تطلع عليه لأول مرة).

وبالرغم من أن النجمة الأمريكية (التى تؤدى دورها إيل فاننج) تؤدى المشهد بحرفية وتقمص مذهلين، لكن عندما تقوم ريناته رينسف، التى تلعب دور «نورا»، بقراءة المشهد، دون تمثيل، يكون التأثير مذهلاً، لأننا نصدق أنها تعيش الموقف بالفعل ولا تمثله (رغم أننا نعلم، فى قرارة عقلنا، أنها تمثل)! وأعتقد أن «رينسف» تستحق الأوسكار بجدارة عن هذا الدور.

هذا هو الأسلوب الذى يبنى به «ترير» مشاهد فيلمه عن طريق الإيحاء بـ«هدم الصنعة»، وهو ما تبدّى فى مشهد الختام الذى يتفكك فيه الفيلم، داخل الفيلم، أمام أعيننا، كاشفاً عن لعبة الفن، وحدود الصدق والكذب فيه، وهو الموضوع الرئيسى لهذا الفيلم الجميل.

هذا فيلم لا يُحكى عنه، بل يُشاهد مرة تلو المرة، لكى تتكشف أمام المشاهد أسراره، ومستوياته المتعددة. وفى النهاية هو واحد من أفضل الأفلام التى تدور عن صناعة الأفلام، ومن أكثرها حرفية، لأنه يعرف كيف يخفى هذه الحرفية.