فسيناريو اغتيال الولايات المتحدة للقانون الدولى لم يبدأ عند اختطاف رئيس فنزويلا «مادورو» هو وزوجته من غرفة نومهما بمقر إقامتهما بالعاصمة كاراكاس، وإنما هو فصل جديد متواصل من السيناريو الذى شاهدناه عام ٢٠٠٣ مع الرئيس العراقى صدام حسين، ومن قبله عام ١٩٨٩ مع رئيس بنما مانويل نورييجا، مع اختلافات طفيفة فى النص، لكن البناء الدرامى لانتهاك القانون الدولى واغتياله واحد، فقد تمت محاكمة «صدام» وإعدامه أمام محكمة داخل الأراضى العراقية، واستولت أمريكا على مقدرات العراق، بينما ستتم محاكمة «مادورو» وزوجته داخل الولايات المتحدة وسيكون الحكم بالإعدام أيضاً. استخدمت أمريكا فى عملية اختطاف «مادورو» ١٥٠ طائرة من مختلف الأنواع F16 وF35 وB2 وهليوكوبتر مقاتلة وحاملة جنود، واستعانت ببعض العناصر داخل فنزويلا جندتهم منذ فترة للتجسس على الرئيس، وكانت عملية مشتركة للقوات البحرية والجوية وفرقة دلتا المتخصصة فى مثل هذه العمليات، وبدأت بضربات جوية للمطار والميناء الرئيسيين فى كاراكاس، ومراكز الاتصالات، ثم تم التشويش على منصات الدفاع الجوى لتحييدها وقطع الكهرباء عن العاصمة بالكامل من خلال تقنيات عالية تستخدمها الولايات المتحدة لأول مرة، وقد أذاعت الولايات المتحدة تفاصيل هذه العملية بالكامل على لسان الرئيس ترامب ووزيرى الحرب والخارجية، ليس من منطلق تعريف الرأى العام الأمريكى بما حدث لكن من منطلق استعراض قوة أمريكا.
والسبب لم يكن كما أعلنت أمريكا تورط «مادورو» بجرائم اتجار فى المخدرات والسلاح وتهريب المخدرات للولايات المتحدة، ولكن لطمع ترامب فى بحر النفط الذى تعوم عليه فنزويلا، والتى تمتلك أكبر احتياطى بترولى فى العالم، وقد مهدت هذه العملية لأمريكا القرصنة على أكبر ثروة بترولية فى العالم، إضافة إلى السيطرة على مناجم النحاس والذهب فى فنزويلا.
وقالها ترامب صراحة: أمريكا ستدير البلد لحين انتخاب رئيس جديد -طبعاً يكون على هواها- وستأخذ الولايات المتحدة جزءاً من عائدات النفط تعويضاً عن مستحقاتها لدى فنزويلا، ودعا شركات البترول الأمريكية للعمل فى حقول البترول الفنزويلية.
ولم تكن تتم عملية الاختطاف هذه لولا وجود «بروتس» -الذى خان يوليوس قيصر وكان من المقربين له- فلم تكن تنجح طائرات أمريكا وقوات دلتا لولا وجود خائنين مقربين من «مادورو»!
وقد هدد ترامب السيدة ديلسى رودريجز نائبة مادورو بعد أن أدت القسم للقيام بمهام مادورو أمام المحكمة العليا بفنزويلا، أنها ستدفع ثمناً باهظاً يفوق ما دفعه مادورو إذا لم تفعل الصواب (الذى يعنى تنفيذ أوامره).. وكان البعض يظن أنه سيدعم زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو لتتولى الحكم، لكن لم يفعل لأنه يعلم أنها قوية ولن تكون مطيعة لأمريكا، بالإضافة إلى أنها -من وجهة نظره- قد خطفت منه جائزة نوبل!، ولكنه تحجج بأنها لا تحظى باحترام شعبها!
ويمكن تلخيص نتائج هذه العملية فى:
- سيطرة الولايات المتحدة على أسعار البترول عالمياً.
- التحكم فى المصدر الأساسى للبترول لكل من الصين وروسيا.
- رسالة ترهيب لكل معارضى ترامب فى كل العالم وبخاصة إيران وكوبا والمكسيك والدنمارك.
- ترسيخ مبدأ «البقاء للأقوى»، لتصبح الفرصة سانحة أمام الصين للاستيلاء على تايوان، ولروسيا للاستيلاء على ما تريده فى أوكرانيا، وبالتالى تحييدهما لعدم التدخل فى فنزويلا.
- لا توجد قوى خارجية تستطيع إنقاذ فنزويلا.
الوضع الآن يميل لمصلحة الولايات المتحدة، ولن «يعدل» كفة الميزان ويعيد الحق لأصحابه، ويعيد سيادة فنزويلا على أرضها إلا الشعب فى فنزويلا، وقيام الجيش بمهمته الرئيسية فى حماية مقدرات الوطن والدفاع عن أرضه.. فالولايات المتحدة تراهن على تفكك فنزويلا من الداخل، قبل أن تراهن على قوتها العسكرية، فإذا ما اتخذت فنزويلا إجراءات محددة ستحافظ على سيادتها، وتتمثل هذه الإجراءات فى عدة نقاط:
١- خروج مظاهرات شعبية حاشدة فى كل أنحاء البلاد تندد بعملية خطف الرئيس، وتطالب بإعادته.
٢- تعلن القائمة بأعمال مادورو تأييدها لمطالب الشعب، وتعلن طرد السفير الأمريكى من البلاد.
٣- يعلن قائد الجيش تحذيراً لأى من تسول له نفسه المساس بفنزويلا، وأن الجيش مستعد للتضحية بآخر جندى من أجل مصلحة الوطن، ويعلن فتح باب التطوع لكل من يستطيع حمل السلاح.
٤- إعلان زعيمة المعارضة تضامنها وتأييدها للإجراءات التى ستتخذها القائمة بأعمال الرئيس، وأنها مستعدة لتكون مساعدتها.
٥- عدم اتخاذ أى إجراءات لانتخاب رئيس جديد إلا بعد عودة مادورو، والشعب هو صاحب قرار معاقبته أو إصدار عفو عنه.
٦- عدم الارتكان إلى تلقى أى مساعدات خارجية، أو مساندة دولية أو من مجلس الأمن، فالفيتو الأمريكى يقف بالمرصاد.
٧- اتخاذ قرار بمنع دخول أى شركات أمريكية للتنقيب عن البترول أو فى شركات التكرير، وهذا حق أصيل لأى بلد أن ترفض أو توافق على من يعمل على أرضها.
أما إذا حدث غير ذلك فإن فنزويلا لا تستحق التعاطف معها، فكل شعب أولى بوطنه، وليعلموا أن الأوطان تسقط من الداخل ولا توجد أى قوة على وجه الأرض يمكنها أن تستولى على دولة أو تحتلها إذا كانت قوية ومتماسكة.. ضعوا تجربة فيتنام أمام أعينكم.