هل تعود إيران لأحضان إسرائيل؟
السياسة ليست لعبة خشنة في كل الأوقات، هي لعبة الذكاء مُطعمة بلعبة القمار، مختلطة بعلبة البلياردو، وهي في كل ذلك لعبة الخيال وتخطيط السيناريوهات وتحليل واستشراف القادم، لذلك بعد أن شاهد العالم فيديو ألعاب أمريكا في فنزويلا، طرحت العديد من السيناريوهات عن طرق تغيير الأنظمة كبديل لتدمير الدول والتأليب الشعوب وإذكاء نبرة المقاومة والوطنية.
سيناريو أمريكا في فنزويلا ربما يفتح شهية الصين لتطبقه في تايوان، وكذلك روسيا لتطبقه في أوكرانيا، في النهاية اللعبة أمريكية، وهي أكثر البارعين في مثل هذه الألعاب، وهي الطليعة في كل مجالات الابتكار والاختراع، سواء في التكنولوجيا أو في السياسة.
لذلك يتساءل العالم الآن خاصة في المنطقة العربية والشرق الأوسط: هل تطبق أمريكا سيناريو فنزويلا في إيران؟، الخيال الأمريكي يمكن أن يضع سيناريوهات عديدة لكل حالة، ونحن نشاهدها وكأننا نشاهد فيلما من إنتاج هوليوود، متفق على إخراجه بشكل معين وكل ممثل حافظ دوره.
الخيال في السياسة حيوي ومطلوب للغاية، لكن الدول الأخرى – غير أمريكا – لا تؤمن به كثيرا وبالتأكيد لا تطبقه، فهي تُحرم الخيال فيفقد مفكروها الاستراتيجيون مهارة ممارسة الخيال. والآن هناك طرح ليس خياليا بالكامل، لكن به مساحة كبيرة منه وإذا طبق سيكون له آثار عميقة على المنطقة.
هذا السيناريو، تغيير النظام في إيران بشكل أو بآخر، وفي النهاية تعود إيران إلى أحضان أمريكا وإسرائيل. وبالتالي يسير مخطط إسرائيل لتغيير الشرق الأوسط كما هو مرسوم له، وتفقد قوى الممانعة العربية ظهيرا مساندا في مواجهة دولة الاحتلال. في السياسة الدولية، الدول الكبرى لا تفكر بعاطفة، إنما تفكر بمنطق الامبراطورية والوظيفة الجيوسياسية للدولة المستهدفة، لا بمصير شعبها.
فنزويلا – كما إيران – ليست دولة هامشية، بل دولة مهمة جدا لكنها مزعجة لأمريكا، فهي غير موالية وتم تأميم بترولها وتعتنق الاشتراكية وبالتالي تثير حساسية أكبر دولة رأسمالية. لكن أمريكا لا تحتاج فنزويلا ضعيفة، بل مطيعة. لا تحتاجها مدمرة، بل قابلة للتوظيف، بترولها مهم، معادنها أهم، موقعها حساس، انهيارها الكامل يخلق فوضى لا تدار، لذلك يصبح تغيير الحاكم أكثر فائدة من تدمير الدولة.
هذا النمط مرَّ بالعالم من قبل مرارا، إسقاط رأس النظام، إعادة هندسة النخبة، ثم إعادة إدماج الدولة في النظام الدولي بشروط جديدة. إذا هذا المنطق على إيران، سنكتشف أنّ إيران الحالية ليست فقط خصما لأمريكا، بل عقدة استراتيجية مربكة، فخيوطها تتشابك على نطاق واسع للغاية، بين إسرائيل، والخليج، وروسيا، والصين، أي أنّ تأثيرها يتجاوز الشرق الأوسط، وللصين وروسيا مصالح مهمة معها. وهي في الوقت نفسه دولة عريقة ذات مؤسسات ليست قابلة للتفكيك بسهولة، لذلك تصبح فكرة تغيير النظام دون تدمير الدولة مغرية.
إذا تغير النظام في إيران، ليس بالضرورة أن يأتي نظام ديمقراطي مثالي أو حليف قوي لأمريكا وإسرائيل، يكفي أن يكون أقل عداء لكليهما، أكثر انفتاحا اقتصاديا، مستعدا للتخلي عن مشروع المواجهة. وإذا عدنا إلى عقود سابقة، نجد أنّ إيران الشاه لم تكن فقط حليفة لأمريكا، بل كانت ركيزة أمن إسرائيل غير المعلنة، وكانت ضد العرب على طول الخط. لذلك فاللحظة الأخطر حين تخسر إيران موقعها المقاوم، لو تحقق هذا السيناريو، فسنكون أمام زلزال استراتيجي، وسيكون العرب بين فكي الرحى، في مأزوق غير مسبوق، فسوف تسقط ورقة العدو الإيراني التي استخدمت لعقود، وتسقط معها ورقة الممانعة التي كانت توازن إسرائيل، ويبقى العرب فرادى بلا قوة إقليمية كبيرة في حالة اشتباك مع إسرائيل. وقتها سيطرح السؤال: هل إيران كانت الخطر؟ ومن سيملأ الفراغ بعد غيابها؟.
أما إسرائيل فسوف تتحرر من أهم قيد استراتيجي في المنطقة ومع غياب إيران كعدو مباشر، تتفرغ إسرائيل لمشاريعها الكبرى، وتوسع نفوذها الاقتصادي والأمني، وتعيد رسم الإقليم بهدوء لا بضجيج الحرب، وقتها الشرق الأوسط لن يدار بالقنابل، بل بالاتفاقيات والتحالفات وبالضغط الاقتصادي وبالتطبيع كأمر واقع.
وستكون الخسارة كبيرة لروسيا والصين، فإيران ليست مجرد حليف، بل بوابة لروسيا نحو المياه الدافئة، وعقدة في طريق الصين - الحزام والطريق - وخسارتها تعني تضييق الخناق الجيوسياسي على الدولتين وتعزيز الهيمنة الأمريكية وإضعاف التوجه نحو توازن عالمي بديل. إن أمريكا لا تبحث عن شرق أوسط سعيد، بل شرق أوسط طيع ، قابل للإدارة، لا يخرج عن النص. وسيتحول العرب من لاعبين أساسيين إلى ملفات. فهم لا يملكون مشروعا ذاتيا، سواء للمقاومة أو لترتيب الأوضاع في حالة اختفاء إيران في حضن إسرائيل.
عودة إيران لإسرائيل لن يكون حدثا جديدا، فقد اعترفت إيران بها في عام 1950، وإن كانت لم تقم معها علاقات دبلوماسية كاملة، لكنها تعاملت معها في مجالات عديدة. أي سمحت بوجود بعثة إسرائيلية في طهران وتعاونت معها مخابراتيا، وكانت الدولتان جزءا مما سمي وقتها بتحالف الأطراف الذي ضم بجانبهما كل من تركيا وإثيوبيا، والغرض كان محاصرة العرب .
كان الشاه محمد رضا بهلوي عدوا للعرب وخاصة لجمال عبد الناصر باعث القومية العربية، وكان يرغب في لعب دور شرطي المنطقة لصالح أمريكا، وهو لم يكن يرى إسرائيل عدوا، بل شريكا وظيفيا. لكن بعد الثورة الإسلامية سحبت إيران اعترافها بإسرائيل وسلمت سفارتها في طهران إلى البعثة الفلسطينية. وأُعلنت إيران أنّ إسرائيل كيان غير شرعي.