صدمة فنزويلا
عاد الصراع القديم بين أمريكا وفنزويلا لصدارة الأحداث الدولية، وشهد العالم تصعيداً خطيراً لا يمكن فصله عن الصراع الأكبر على النفوذ والموارد، ولا عن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم الآن في موازين القوة، وقد واجه المحللون صعوبة واضحة في وصف ما حدث في فنزويلا مطلع هذا الأسبوع، فنحن لسنا أمام حرب مفتوحة أو عملية عسكرية أو عملية استخباراتية، ولكننا أمام نمط «إسرائيلي» من الهجوم، والذي يعتمد على المعلومات المخابراتية الدقيقة للغاية، بجانب ضربات قوية ومركزة لكسر منظومتي القيادة والتحكم، وذلك عبر هجمات سيبرانية والتشويش على كافة أجهزة الاتصالات، فضلاً عن استهداف محطات الكهرباء ومصادر الطاقة، ما مهّد الطريق نحو تدخل عسكري ناجح ومثمر.
تُعد فنزويلا واحدة من أغنى دول العالم من حيث الثروات الطبيعية، إذ تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد على مستوى العالم، وعلى الرغم من ذلك يعيش شعبها منذ سنوات في ظروف اقتصادية شديدة القسوة بسبب العقوبات الأمريكية، إضافة إلى سوء الإدارة والصراع السياسي الداخلي، وترى الولايات المتحدة في نظام نيكولاس مادورو خصماً سياسياً وأيديولوجياً، وتتهمه بتقويض الديمقراطية والتورط في شبكات فساد وتهريب مخدرات، بينما ترى فنزويلا أن واشنطن تقود حرباً اقتصادية وسياسية لإسقاط النظام والسيطرة على ثروات البلاد.
وتتعدد أهداف الولايات المتحدة مما حدث في فنزويلا، حيث ترغب أولاً في السيطرة على النفط، بغية السيطرة على أسواق النفط الدولية، وتأمين مصادر مستقرة ورخيصة للطاقة، ورغم أن الخطاب الأمريكي يركّز على الديمقراطية ومحاربة المخدرات، لكن يظل البعد الاقتصادي في ظل الأزمة الاقتصادية الكبرى التي تعاني منها هو أساس هذا الهجوم.
كما تهدف أمريكا أيضاً إلى كسب أوراق جديدة في الصراع الجيوسياسي مع روسيا والصين، فنزويلا تُعد حليفاً مهماً لكلتا القوتين، وقد حصلت منهما على استثمارات ودعم سياسي وعسكري خلال السنوات الماضية، وترى أمريكا في بقاء فنزويلا داخل هذا المعسكر تهديداً واضحاً لأمنها القومي، ومنح وجود جغرافي لخصومها في قلب أمريكا اللاتينية، وهي المنطقة التي تعتبرها أمريكا حديقتها الخلفية.
كما تستهدف أمريكا توجيه رسالة سياسية إلى باقي دول أمريكا اللاتينية مفادها أنه لن يتم السماح بوجود اليسار أو الاشتراكية في حديقتها الخلفية، وهي هنا لا تقصد فنزويلا وحدها، بل نماذج سياسية وأيديولوجية مستقرة في القارة اللاتينية، وتخشى واشنطن توسعهم بشكل أكبر هناك.
ولا يمكن لعاقل الاستهانة بتداعيات ما حدث في فنزويلا على العالم، حيث لا يمكن تجاهل تأثير ما حدث على أسواق النفط، فضلاً عن الترويج لنظرية غياب القانون والاعتماد على قانون القوة في حل المشكلات الدولية بدلاً من قوة القانون، إضافة إلى زيادة وتيرة الاستقطاب الدولي وحالات عدم الاستقرار، والاندماج أكثر في سباقات التسلح والبحث عن الطاقة النووية، والتي تعتبر طوق النجاة لكل دولة ترغب في حماية نفسها من هذا المصير.
الأخطر من ذلك أن ما حدث يعيد فتح باب الجدل حول مفهوم السيادة الوطنية واستقلال الدول، ويفتح الطريق على مصراعيه نحو الفوضى التي قد تنتج عن قيام قوى دولية أخرى باعتماد ذات الأسلوب في إسقاط الأنظمة المعادية أو السيطرة على موارد الدول، ويجعل من القانون الدولي ضيفاً ثقيلاً على الجميع، فنزويلا ليست سوى حلقة جديدة من مسلسل العالم الجديد، صراع معقد على مصادر الطاقة والموارد والنفوذ والممرات التجارية الدولية، فإن كنا لا نجد وصفاً مناسباً لما حدث، يكفي أن نصفه بالصدمة، والمؤكد أن صدمة فنزويلا لن تتوقف، ولن تكون قطعاً آخر الصدمات!