«منجم السكري».. منشأة متطورة تعتمد على البيانات والتحليل الرقمي وأسطول من المعدات يعمل عن بُعد لتقليل المخاطر
«منجم السكري».. منشأة متطورة تعتمد على البيانات والتحليل الرقمي وأسطول من المعدات يعمل عن بُعد لتقليل المخاطر
في عمق الصحراء الغربية، حيث تمتد الرمال الصفراء إلى ما لا نهاية، في مشهد تلتقي فيه السماء مع خط طويل ممتد، تختبئ كنوز مصر في صمت تحت رمال الصحراء وصخور الجبال. تقطع السيارة آلاف الكيلومترات قبل أن تطفئ محركاتها في أحد المواقع جنوب مرسى علم في محافظة البحر الأحمر، حيث تلفح درجة الحرارة الوجوه وتعيق الرمال الحركة كثيراً، لكن ما إن تطأ قدماك أرض منجم السكري ينتابك شعور مختلف، فهنا يخرج الذهب من قلب الصحراء القاحلة. وبين الحفر والكسارات، تتشكل أصوات لا تهدأ، طرق معدني متتابع، طحن الصخور، انفجارات صغيرة تحت الأرض، وصوت محركات المعدات لا يتوقف ليلاً أو نهاراً والهواء مليء بالغبار، وفي كل زاوية تكتشف طبقة جديدة من الخام، أو تمر شاحنة محملة بالذهب إلى مركز المعالجة.
منجم السكري ليس مجرد حفرة في الأرض، بل هو منشأة متطورة، مليئة بالتكنولوجيا، يعتمد على البيانات والتحليل الرقمي ، ويستخدم أسطولاً من المعدات الثقيلة تعمل عن بعد لتقليل المخاطر على العاملين، هنا كل شيء محسوب، كل حركة لها غاية، وكل عملية يراقبها فريق من المهندسين والفنيين على مدار الساعة.
وفي زحمة الرجال الذين يديرون العمليات اليومية، يبرز العنصر النسائي بقوة، متحدياً الصورة النمطية للعمل في المناجم، ومنهن أميرة حسن، مدربة السلامة والمسئولة عن كل شخص في المنجم، ابتداء من العاملين وصولاً إلى الزوار، حيث تبدأ مسئوليتها من الملابس الواقية وتعليمات التعامل مع الآلات العملاقة، وتحرص على أن يكون كل شيء مضبوطاً لتقليل المخاطر المحتملة، فهي تحرس حياة المئات من البشر الذين يعملون في بيئة قد تتحول إلى خطر في لحظة واحدة. وعلى بعد خطوات، يقف مجموعة من العمال بجانب الحفارات الهيدروليكية، عيونهم مركزة على شاشات البيانات الرقمية التي ترشدهم إلى مواقع الذهب بدقة مذهلة، وكل حركة محسوبة، وكل خطوة مدروسة، وفي قلب هذا الصخب تظهر النساء بلباس العمل الواقعي، يد واحدة تحرك آلة، وأخرى تثبت الخرائط، حضورهن لم يعد مجرد مشاركة بل أصبح ركيزة أساسية في عملية استخراج الذهب، وأصبح العنصر النسائي يضيف بعداً إنسانياً لبيئة العمل القاسية، حيث تبرز المهندسات والفنيات في متابعة سير العمل وضمان التزام الجميع بالإجراءات الوقائية، لتصبح بيئة المنجم أكثر أماناً وأكثر احترافية.
وشرح المهندس محمود رسلان، رئيس قسم التعدين، تفاصيل دقيقة، مؤكداً أن كل آلة وكل عملية تخضع لمعايير سلامة صارمة، والكثير من المعدات يتم تشغيلها عن بعد لتقليل المخاطر على العاملين. وأضاف «رسلان»: «التكنولوجيا الحديثة منحتنا القدرة على استخراج الذهب بدقة أكبر وأمان أعلى، وتقليل الفاقد إلى الحد الأدنى». وأكد أنه منذ بدء الإنتاج التجاري عام 2010 حتى نهاية 2025، بلغ ما تم استخراجه من الذهب حوالي 2.67 مليون أوقية، من معالجة 13.46 مليون طن من الصخور، في مساحة تبلغ 114.92 كيلومتر، وخلال عام 2025 وحده تم استخراج 134.279 أوقية من الذهب الخام، ومن المتوقع أن يصل الإنتاج في 2026 إلى 133.432 أوقية، قابلة للزيادة حسب ظروف التنقيب.
وقال المهندس محمود دياب، رئيس قسم التنقيب: «تبدأ عمليات الإنتاج بأبحاث دقيقة لكل منطقة داخل المنجم، لتحديد مدى توافر الذهب، ثم اختيار طريقة استخراج مناسبة، سواء التنقيب في الأنفاق تحت الأرض أو الاستخراج المكشوف على السطح، وبعد ذلك تأتي مرحلة التفجير، التي تُستخدم فيها متفجرات دقيقة لتحطيم الصخور، قبل أن تُنقل الشحنات العملاقة إلى الكسارات الرئيسية لتقليص حجم الصخور من أمتار إلى سنتيمترات، وبعدها تمر الصخور بمراحل متعددة من التكسير والطحن حتي تتحول إلى حبيبات دقيقة يصل حجمها إلى 150 ميكرون، قبل دخولها مرحلة التعويم لفصل الذهب عن المعادن الأخرى باستخدام تقنيات كيميائية وفيزيائية دقيقة».
وتابع: «يتسم العمل تحت الأرض بأنه محفوف بالمخاطر، فالتنقيب في الأنفاق يتطلب دقة كبيرة، وكل خطوة محسوبة لتجنب أي انهيار أو حادث واستخدام التكنولوجيا الحديثة، مثل المعدات التي تعمل عن بعد، خفف من المخاطر بشكل كبير». وأكد «دياب» أنه يتم سد كل نفق بعد انتهاء التنقيب عن طريق مواد خرسانية تدعم الجدران، ما يسمح بحفر عدة أنفاق متجاورة دون أي خوف من انهيار أحدها، وتتوافر داخل المنجم غرف طوارئ مجهزة بكل المعدات اللازمة لإنقاذ العاملين في أي حالة طارئة، إلى جانب نظام إنذار صناعي يعتمد على غاز ذي رائحة كريهة ينبه العاملين عند حدوث أي مشكلة.
وأوضح المهندس أحمد مصطفى، مسئول الصيانة في المنجم، أن صيانة المعدات تعد أحد أهم الجوانب في التنقيب عن الذهب، وقسم المعدات الثقيلة هو عصب الإنتاج، ونهتم بالصيانة الدورية لجميع المعدات، من أصغر سيارة إلى أكبر معدة لضمان استمرارية العمل دون توقف. وأضاف: «يشمل العمل صيانة الحفارات والناقلات والكسارات، بالإضافة إلى أعمال اللحام واستبدال القطع التالفة، لضمان أن كل جزء في المنجم يعمل بسلاسة وكفاءة، ورغم هذه البيئة الصعبة يظهر العاملون بروح التفاني والاحترافية، فالمهندسون والفنيون والعمال يتحركون بتناغم، كل منهم يعرف دوره بدقة، وكل عملية تُنجز بعناية، حيث يبدو تعاونهم وكأنهم جزء من آلة متكاملة، وما يميز منجم السكري ليس فقط الإنتاجية العالية، بل الانضباط والوعي بالسلامة اللذان جعلاه نموذجاً عالمياً في قطاع التعدين».