فنزويلا وأوكرانيا وحرب المعادن غير الباردة

خالد منتصر

خالد منتصر

كاتب صحفي

قديماً كنا نقول إن هناك في منطقة الشرق الأوسط حرباً باردة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي السابق، وكان الهدف هو النفط، والصراع على النفط، لكن هل الحرب الآن ما زالت هي النفط؟، وهل ما زالت باردة؟ وهل الشرق الأوسط والخليج والعراق ما زالوا حلبة الصراع؟ الواقع يقول لا، المعادن صارت أهم من النفط، نوع معين من المعادن صار هو الهدف وشرارة المعركة، والشرق الأوسط هبط إلى ترتيب متأخر بعد صعود مناطق أخرى، مثل أوكرانيا وفنزويلا، كل منهما ظاهرياً تترجم إلى صراع حدود، كل منهما حديقة خلفية لروسيا وأمريكا، لكن واقعياً كل منهما فرخة تبيض ذهباً ومعادن نفيسة.

لم تعد دبلوماسية الحرب الباردة مجدية في هذه الأيام، ولن تحل الأمور بمباراة تنس طاولة بين الروس والأمريكان والصينيين، كما كان الطموح قديماً، بل صارت الحرب ساخنة، تقتحم فيها الدبابات مدناً لتسحقها، ويختطف رئيس دولة من قصره بالشبشب والبيجاما هو وزوجته، لم يعد هناك وقت، فالمناجم تنادينا، المعادن هنا ليست ثروة صامتة خرساء، بل هي ثروة تجيد كل اللغات، ومدخل للسيطرة على الرقائق الإلكترونية، والطاقة، والصناعات العسكرية، والاقتصاد الرقمي.

ولنأخذ فنزويلا أولاً التي نستطيع تسميتها خزان الموارد المؤجَّل، فنزويلا معروفة عالمياً بالنفط، لكنها تخفي تحت سطحها ثروة معدنية لا تقل أهمية على المدى الطويل، خصوصاً في جنوب البلاد (قوس أورينوكو)، هناك معدن الكولتان (تنتالوم + نيوبيوم)، يُستخدم التنتالوم في: المكثفات الدقيقة، والهواتف الذكية، والرقائق الإلكترونية عالية الاعتمادية، هو باختصار معدن لا غنى عنه في الإلكترونيات الحديثة، الذهب الذي إلى جانب قيمته النقدية يدخل في: التوصيلات الدقيقة في الرقائق والصناعات الفضائية والعسكرية، البوكسيت (ألومنيوم) وهو معدن أساسي في: هياكل الأجهزة الإلكترونية، وتبريد الشرائح، والصناعات الكهربائية، الحديد والمنجنيز ضروريان في: الصناعات الثقيلة المرتبطة بالتكنولوجيا، البنية التحتية للصناعات المتقدمة، فنزويلا ليست لاعباً معدنياً حاسماً الآن، لكنها مخزون استراتيجي نائم، وأي تغيّر سياسي أو استثماري قد يحولها إلى مصدر بديل خطير في حرب المعادن.

تعالَ إلى أوكرانيا، هي كنز أوروبا المعدني المباشر، الآن وحالاً، أوكرانيا ليست فقط ساحة صراع عسكري، بل واحدة من أغنى دول أوروبا بالمعادن الحيوية، وهي معادن تحتاجها أوروبا وأمريكا فوراً لتقليل الاعتماد على الصين وروسيا، عندها الليثيوم وهو معدن أساسي في: بطاريات السيارات الكهربائية وتخزين الطاقة والإلكترونيات المحمولة، واستيلاء القوات الروسية على منجم ضخم الإنتاج هناك يثبت أهميته، التيتانيوم معدن استراتيجي في صناعة الطائرات، الصواريخ، الصناعات الفضائية، النيكل والكوبالت الضروريان للبطاريات المتقدمة، تقنيات الطاقة النظيفة، الجرافيت، عنصر محوري في: البطاريات، الرقائق، الصناعات النووية، وأوكرانيا تمتلك احتياطيات ضخمة عالية الجودة منه، الحديد والمنجنيز يدخلان في الصناعات العسكرية، البنية الصناعية الثقيلة، أوكرانيا ليست احتياطياً مستقبلياً فقط مثل فنزويلا، بل هي حل فوري وعاجل نسبياً لأزمة المعادن الأوروبية، المنجم صار أهم من بئر النفط في الصراع القادم.