الشاعر محمد الكفراوي: الشخصية المصرية تستطيع مواجهة أعتى المحن بـ«صبر وابتسامة» وتهز العالم إذا غضبت (حوار)

كتب: محرر

  الشاعر محمد الكفراوي: الشخصية المصرية تستطيع مواجهة أعتى المحن بـ«صبر وابتسامة» وتهز العالم إذا غضبت (حوار)

الشاعر محمد الكفراوي: الشخصية المصرية تستطيع مواجهة أعتى المحن بـ«صبر وابتسامة» وتهز العالم إذا غضبت (حوار)

أجرى الحوار: السيد العديسى

تصوير - محمد مدين

قبل تخرجه في كلية دار العلوم صدق نداء الصحافة وسعى إليها، ومنذ ذلك الحين تنقل محمد الكفراوي في منابر صحفية مختلفة مع الإشراف على صفحات الرأى والصفحات الثقافية، دون أن يغفل لحظة هوايته الأصلية كشاعر، فنشر عدة دواوين، منها ديوان بعنوان «حلم وردى يرفع الرأس» عن دار شرقيات عام 2006 وديوان «بعد الموتى بقليل» عن دار بدائل 2018 وديوان «مكان مشبوه» عن دار خطوط وظلال بالأردن 2020 وله كتاب للأطفال بعنوان «سأكون أختها» عن دار شجرة عام 2017.

التقينا بمحمد الكفراوى ليتحدث معنا عن أعماله الشعرية ومشروعه الأدبى وعن تجربة مزجه بين الشعر والعمل الصحفي ، خاصة في ظل مناخ عام لم يعد يُرحب بالشعر ولا بالصحافة وتسيطر عليه فوضى مواقع التواصل الاجتماعى.

■ ما تقديرك لدور القوى الناعمة في المجتمع المصرى وسبل توظيفها بالشكل الأمثل؟

- أرى أن دور القوى الناعمة، ممثلة في الكتاب والفنانين والنجوم عموماً، في كل المجالات مهم جداً في تشكيل وعى الجمهور وتوجيهه أحياناً وصقله ليصبح الناس أكثر وعياً بحقوقهم وواجباتهم وبالطبع بما يفيدهم ويضرهم، لكن هذه القوى الناعمة يجب التعامل معها أيضاً بحذر من خلال قنوات رسمية حتى لا تكون أداة للاستقطاب، وهنا يأتى دور مؤسسات الدولة في تحديد طبيعة القوى الناعمة والأدوار الاجتماعية والثقافية والتنويرية التى يمكن أن تقوم بها لخدمة البلد بحرص شديد ونية مخلصة.

■ ما رؤيتك للشخصية المصرية وأصعب التحديات التى تواجهها بعد ما مرت به مصر من تغيرات كبرى في السنوات الأخيرة؟

- أحب أن أرى الشخصية المصرية متجسدة في قصائد وأعمال سينمائية وروائية، فهى مثلاً موجودة بعمق وخفة ومرح في قصيدة «عم بطاطا» لجمال بخيت، وهى موجودة في ثلاثية نجيب محفوظ وفي الحرافيش، وفي أعمال يوسف شاهين وعاطف الطيب ورضوان الكاشف وشادى عبدالسلام وصلاح أبوسيف وحسن الإمام، موجودة في «المواطن مصرى» وفي «ابن النيل» وفي رباعيات صلاح جاهين ومسحراتى فؤاد حداد وقصائد أمل دنقل وصلاح عبدالصبور، شخصية رائقة، صبورة، حمولة، مستبشرة، متفائلة، مرحة، مهمومة، حالمة، طيبة لدرجة السذاجة، حويطة لدرجة الخبث.. كل هذه المتناقضات مجتمعة وأكثر، وهى نتيجة تراكمات آلاف السنين ترسبت في عمق الروح المصرية، ومن خلالها تستطيع مواجهة أعتى المحن بصبر وابتسامة، كما تستطيع أن تعلن عن نفسها في لحظة ضيق وحزن وتعاسة فتهز العالم.

■ هل ترى أننا نعيش عصر الرواية؟

- عصر الرواية، أو «زمن الرواية»، كما أطلق عليه الناقد الراحل جابر عصفور، خدعة اتبعها النقاد وراجت في الأوساط الأدبية، وصدّقها الروائيون وبعض الشعراء الذين تحولوا لكتابة الرواية كنوع من التغيير أو التجريب وركوب الموجة أيضاً لدى البعض، مع إغراءات تتمثل في جوائز كبرى، في حين لا تكاد توجد جوائز للشعر أو القصة أو المسرح أو غيرها من الأجناس الأدبية الأخرى توازى جوائز الرواية، وإن كان شعراء كبار وأدباء مهمون كتبوا الرواية مع الشعر، ولكن في النهاية لا يمكن اعتباره زمن الرواية على إطلاقه، وإن كانت الروايات تصدّرت المشهد الأدبى والإبداعى لفترة، لأسباب وعوامل شتى ليست كلها مرتبطة بالإبداع بالضرورة. واهتمام الناشرين أكثر بالرواية منح للشعر مساحة من البراح.. جوهر الشعر والكتابة الشعرية أنه يحتاج مساحة صافية رائقة دون ضغوط النشر والقراء والمكاسب المادية، لتتمكن الأصوات الشعرية من تقديم منجزها ومنح متعة استثنائية للقارئ لن يجدها في مكان آخر.

■ كيف ترى الاختلاف بين مدارس الشعر حالياً، وهل هناك بالفعل صراع بينها؟

- خلاف شكلى وليس موضوعياً، فلا شك لدىّ أن من يكتبون الشعر العمودى أو الحر (التفعيلة) أو قصيدة النثر، أو من يكتبون بالفصحى أو العامية يتفقون على جوهر الشعر وهو التعامل بحساسية شديدة مع اللغة للخروج بصور خلابة تعبر عن الحالة الشخصية للشاعر وتؤثر في القارئ بمنحه المتعة أو الدهشة أو حتى الحزن والغضب، جوهر الشعر واحد وأشكاله متعددة، والحكم والفيصل هو الجماليات التى يقدمها كل شاعر في الإطار الذى اختاره، ومدى تماسها مع النفس البشرية على إطلاقها.

■ هل نستطيع القول إن قصيدة النثر هى المهيمنة على المشهد الآن؟

- قصيدة النثر حاضرة بقوة في المشهد الأدبى، وتعبير الهيمنة يبدو عنيفاً، المسألة أبسط من ذلك، فقد تعرضت قصيدة النثر لفترات طويلة من التهميش والإبعاد والإقصاء، وفي الأخير يتم التعامل معها حالياً كجنس أدبى مستقل ومعتبر، لكنها لم تُقصِ الأنماط الشعرية الأخرى.

■ كيف تتابع الجوائز الخاصة بالشعر؟

- حقيقة لا أتابعها ولا أتذكر جهة أو مؤسسة تمنح جوائز للشعر عدا جوائز الدولة وجائزة أحمد فؤاد نجم لشعر العامية، بخلاف ذلك لا أعتقد أن هناك جوائز أخرى كبرى للشعر، وأخيراً تابعت جائزة مكتبة الإسكندرية للشعراء الشباب، وأرى أن الجوائز التى تُمنح للشعر قليلة ولا تناسب حجم الإنتاج، والأمر نفسه ينطبق على نشر الشعر، فنادراً ما تتحمس له دور النشر الخاصة، ويبقى العبء الأكبر في هذا المضمار على سلاسل وزارة الثقافة المعنية بالشعر.

■ ما الجديد لديك في مشروعك الأدبى؟

- في الحقيقة لدىّ مشروع ديوان أعمل عليه منذ شهور لكنه لم يكتمل، نتيجة ما تتطلبه كتابة الشعر من تفرغ وبال رائق ورؤية حادة ثاقبة للأمور من حولنا، كل هذا لا يتوافر وهناك ضغط يومى عليك في عمل أو التزامات أخرى، كما أننى لدىّ خطة في القراءة أعمل على تحقيقها بمهل، بدأتها بكتاب شيق شهير ربما يغفل عنه الكثيرون لكنه ممتع بشكل لا يوصف «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» لرفاعة الطهطاوى، كما أقرأ مقدمة ابن خلدون ومجموعة أخرى من الكتب الكلاسيكية.

■ إذا توقفنا عند تجربتك فما هى أكثر المؤثرات التى شكلتها وساهمت في صقلها؟

- يمكننى البدء من القرية بوصفها الملهم الأول لقصائدى الشعرية منذ كنت أكتب القصيدة العمودية في مطلع الشباب، وحتى دخولى كلية دار العلوم بجامعة القاهرة وانتقالى تدريجياً لكتابة شعر التفعيلة مولعاً برموز مثل السياب ونازك الملائكة وصلاح عبدالصبور وأمل دنقل وغيرهم، لكن تظل مفردات القرية وذكرياتى بها هى الأساس في تشكيل صورى الشعرية، حتى عندما انتقلت إلى كتابة قصيدة النثر في نهاية التسعينات، وكنت ما زلت في كلية دار العلوم، وكانت هناك معارك ضارية حول مشروعية هذه القصيدة الجديدة.

■ في هذا السياق ذكرت شعراء تأثرت بهم، فهل ثمة آخرون أثروا فيك مع بداية توجهك لكتابة قصيدة النثر؟

- شعراء كثيرون أحببت أعمالهم وتأثرت بهم، في مقدمتهم فريد أبوسعدة أحد رموز جيل السبعينات، والشاعر الراحل حلمى سالم النموذج في التجريب والتغيير والكتابة الشعرية العميقة والمربكة في آن، والشاعر جمال القصاص أحببت دواوينه الأولى وما زال إنتاجه الأدبى يبهرنى، وأصوات أخرى كثيرة، أهمها أحمد الشهاوى وعلى منصور وعماد أبوصالح وميلاد زكريا وأحمد يمانى ومحمد متولى وإيمان مرسال، وكذلك عماد فؤاد الذى أنار الطريق أمامى للقراءة والكتابة بشكل مختلف.

■ هل ترى فجوة بين القصيدة الجديدة والجمهور، وما سببها وكيف يتم علاجها؟

- نعم توجد فجوة، ويكاد يكون الشعر الآن منحصراً في دائرة ضيقة، فمع اختلاف نمط وشكل القصيدة والاتجاه لقصيدة النثر، كان يجب البحث عن وسيلة جديدة مناسبة لتقديم هذا اللون الشعرى بعيداً عن الوسائل التقليدية المعروفة مثل الإلقاء من على منصة للشعر أو الحديث في البرامج الإذاعية أو التليفزيونية، القصيدة الجديدة لها منطقها الخاص وجمهورها الخاص، لا أزعم أنها قصيدة نخبوية فهناك الكثير من الشعراء الرائعين والمتحققين بشكل كبير مثل محمود خيرالله وعماد أبوصالح وكريم عبدالسلام يكتبون عن اليومى والمعاش وتفاصيل الحياة البسيطة ومعاناة الناس، ولكن تظل الفجوة قائمة طالما لا توجد حركة نقدية تبرز خصوصية التجارب الجديدة وتقرب هذا الشعر من جمهور التلقى العام.

■ البعض يتهم الشعر بالابتعاد عن القضايا الكبرى والإغراق في الذاتية والعزلة عن المجتمع، كيف ترى ذلك؟

- القضايا الكبرى موجودة في كل أنماط الإبداع، وفي قصيدة النثر بالتحديد موجودة بوضوح وغزارة وبطريقة لا يمكن إنكارها عند شعراء كبار ومن أجيال مختلفة، ولا شك أن أحداثاً كبرى مثل ثورة 25 يناير أو غيرها، وحتى أحداث غزة الأخيرة، جعلت القضايا الكبرى جزءاً من الشعر، ولكن الادعاء بأن اختفاء القضايا الكبرى من الشعر الجديد أو من قصيدة النثر وراء تراجعها وعزلتها ومجافاة الجمهور لها ليس صحيحاً، وقد ينطبق على تيار أو أشخاص أو كتابات محدودة في قصيدة النثر، لكنه لا ينسحب على إجمالى الحركة الشعرية. مع العلم أن قصيدة النثر، بوصفها قصيدة ترفض القيود والأطر التقليدية، فهى بالأساس يجب عدم وضعها داخل إطار، فلكل تجربة وكل شاعر وكل صوت بصمته المميزة في إطار هذا اللون الشعرى الثرى بالتجارب والجماليات.

■ ما القصيدة التى تتمنى كتابتها أو المشروع الشعرى الذى تطمح لإنجازه؟

- هذا هاجس مقيم لدىّ، فالكتابة دائماً تحرضنى للبحث عما هو جديد، وفي مخيلتى مشروع لقصيدة لا تنتهى، أو لنقل لشكل جديد من الشعر يتجاوز المألوف، وفي الحقيقية رغبتى الدائمة في تقديم شىء مختلف ومغاير للأنماط السائدة أحياناً ما تعوقنى عن الكتابة، انتظاراً للتفرغ.