الأديب عمرو البطا: الدراما التليفزيونية أكفأ القوى التقليدية لمواكبة التطور التكنولوجي (حوار)
الأديب عمرو البطا: الدراما التليفزيونية أكفأ القوى التقليدية لمواكبة التطور التكنولوجي (حوار)
أجرى الحوار: السيد العديسى
تصوير - محمد مدين
يُعد الشاعر والروائي عمرو البطا أحد الأصوات الأدبية الشابة اللافتة للانتباه، فقد حصل على عدد من الجوائز الأدبية، من أبرزها جائزة البابطين للإبداع الشعري عام 2024.. وصدر له ديوان «اتركوا شعراً يمارس موته» عن المجلس الأعلى للثقافة عام 2022، وديوان «أناشيد الليلة السادسة» عن الهيئة العامة لقصور الثقافة عام 2024، ومؤخراً صدرت له رواية «الحياة في الأبراج الرملية» عن دار الشروق عام 2025.. في هذا الحوار يكشف لنا عن رأيه في العديد من القضايا الفكرية والأدبية المثارة حالياً، وفي مقدمتها تراجع الشعر ورواج الرواية وأزمة النقد الأدبى وغيرها، وإلى نص الحوار:
■ معروف أنك تكتب الشعر، فما سبب اتجاهك لكتابة الرواية مؤخراً؟
- الكتابة الإبداعية لا تخضع للأسباب العقلية والقرارات الواعية بشكل كامل، فهى تفرض نفسها على الكاتب دون خيار منه. وقد بدأت كتابة القصة القصيرة مع الشعر في بداياتى الأولى وظللت حائراً بينهما، وكانت الرواية في ذهنى وأنا أجرب تقنيات السرد في القصص القصيرة. ورغم أن الشعر يمكن أن يُطعَّم بعناصر سردية، لكن تبقى له طبيعته المغايرة، فإذا سيطرت علىّ فكرة سردية لا أملك تحولها إلى نص شعرى، والعكس صحيح.
■ هل فعلاً نحن في عصر الرواية كما يتم الترويج لذلك على نطاق واسع؟
- إن كان ثمة شكل أدبى قادر على إثبات وجوده في هذا العصر فهو الرواية، وهذا ليس رأياً شخصياً، فالإقبال الجماهيرى وأرقام المبيعات تقول هذا. الرواية -بلا شك- تُشبع حاجة نفسية ماسة لدى الإنسان المعاصر الفرد الذى يكتنفه الاغتراب والوحدة، فهى تتحدث عن حياته اليومية وهمومه التى لا يبوح بها بشكل مباشر وصريح، وهى أيضاً -بمساحتها الضخمة- قادرة على الاشتباك مع قضاياه الكبرى بطريقة يمكن أن تصل إلى الجميع.
■ كيف ترى تأثير القوى الناعمة في المجتمع المصرى في ظل ثورة التكنولوجيا؟
- في عصر الثورة المعلوماتية أصبح الفرد متاحاً طوال الوقت لتأثير القوى المختلفة، وهذا وضع القوى الناعمة التقليدية في تحدٍّ كبير لاستغلال هذه الوسائط المستحدثة بشكل هادف وجاد في مواجهة سيل المحتويات المبتذلة التى تجذب ملايين المتابعين. ورغم انتشار المحتوى التافه لا يصيبنى ذلك باليأس، فهذا المحتوى لا يشغل إلا مكاناً فارغاً لم ينجح في استغلاله شىء ذو قيمة، أما إذا وُجدت القيمة فسرعان ما ستتوارى هذه الظواهر إلى الظل. أعتقد أن الدراما التليفزيونية أكفأ القوى التقليدية في محاولة مواكبة هذا التطور بما توفره شركات الإنتاج من دعم مادى وتقنى، كما أن الدولة منتبهة إلى هذا الأمر وتستثمر في الدراما التليفزيونية بشكل كبير. والسؤال الأساسى: على من تقع مسئولية توجيه القوى الناعمة في مواجهة طوفان التعفن الدماغى الإلكترونى؟ أرى أن المسئولية تقع في الأساس على المجتمع المدنى والمثقفين والمبدعين أنفسهم، وليس على الدولة إلا شيئان فقط؛ إصلاح التعليم لإنتاج المواطن الواعى، وتوفير المناخ الحر للمجتمع المدنى وأهل الفكر والإبداع ودعم المنصات اللائقة لتقديم المنتجات الثقافية الجادة دون أن تخضع لمتطلبات رأس المال، ودون أن تتدخل الدولة في عملية الإنتاج الإبداعى ذاته.
■ ما رؤيتك لما تعرضت له مصر والشخصية المصرية خلال العقود الماضية؟
- مصر لها شخصية متميزة ممتدة عبر التاريخ، ولديها ثوابت لا تتزحزح مهما كان الظرف الاقتصادى أو السياسى، وتجلى هذا في الحرب الأخيرة على غزة، فموقف مصر كان الأكثر تميزاً بين مواقف الدول العربية الأخرى، وتمسكت بثوابتها الوطنية برغم صعوبة الظرف الاقتصادى والإقليمى. أما الشخصية المصرية فطبيعتها متسامحة متقبلة للآخر، ولا أرى الفتن والحوادث التى تقع بين الحين والآخر إلا محاولات لتفريغ شحنة الإحباط مدعومة بأفكار مستوردة من بلدان أخرى وليست سمة أصيلة في الشعب المصرى. لكن هذه الشخصية لها جوانبها السلبية التى عليها أن تنتبه إليها، فمصر باعتبارها أقدم دولة مركزية في التاريخ اعتادت هذه المركزية وتغلغلت في شخصيتها حتى أكسبتها شيئاً من السلبية وافتقاد المبادرة في انتظار أن تتولى السلطة كل الأمور، ولا شك أن ممارسات السلطة عبر التاريخ عززت هذه الخاصية. لكن هذا بالطبع يُفقدنا كثيراً من المكاسب التى لا يمكن تحقيقها إلا بالمبادرات الفردية. أما المخاطر الخارجية فلا أرى خشية منها، فالشخصية المصرية أرسخ من أى مؤثرات خارجية، وقد أثبت التاريخ كيف امتصت مصر جميع الثقافات داخلها وحافظت على هويتها.
■ كيف ترى الاختلاف بين مدارس الشعر حالياً، وهل هناك بالفعل صراع بينها؟
- كان القرن العشرون قرن المعارك الأدبية والتحزبات المدرسية، ثم تم تجاوز هذا تماماً، ليس على مستوى العرب فقط، بل في كل العالم. الآن لا توجد مدارس، بل ألوان طيف متلاحمة، وكل شاعر في هذا الجيل يختار المكان الذى يعبر عنه في هذا الطيف دون معاداة من اختار الألوان الأخرى، بل أصبح بعض الشعراء -وأنا منهم- يجمعون في إنتاجهم بين قصيدة النثر وشعر التفعيلة والعمودى، بل أحياناً تتجاور في الديوان نفسه. أما بعض الأصوات التى ما تزال تخرج متحزبة لشكل معين أو تيار بعينه فأراها أصواتاً من خارج العصر، تعيش على ذكرى الماضى، لا سيما أن كثيراً منهم يريد لفت الانتباه ليس إلا.
■ ما رأيك فيمن يقول إن قصيدة النثر هى المهيمنة على المشهد الآن؟
- كانت قصيدة النثر مهيمنة حتى بداية القرن الحادى والعشرين، ثم شهدنا عودة قوية للقصيدة العمودية مدفوعة ليس فقط بالجوائز المستحدثة المخصصة لها، وإنما أيضاً بتعطش حقيقى لدى قطاع من قراء الشعر للإيقاع القديم الموزون. الآن لا يمكننى الاعتراف بالهيمنة لأى شكل في الكتابة الشعرية، فالأشكال الثلاثة جميعها موجودة دون فوارق تُذكر.
■ كيف ترى الجوائز الخاصة بالشعر؟
- الجوائز بصفة عامة جيدة، لكن المشكلة تكون عندما تدعم جائزة نموذجاً معيناً للقصيدة، عندئذ تجد الشعراء الشباب يكررون النصوص الفائزة في السنوات السابقة أملاً في الفوز مثلما يطالع التلاميذ نماذج امتحانات السنوات السابقة استعداداً للامتحان، والمشكلة الأكبر عندما تفوز هذه النصوص الرديئة المكررة مرة أخرى! هذه الممارسات بالطبع جردت الشعر من روحه وجوهره الإبداعى، وتسببت في ضياع كثير من المواهب الشابة وراء سراب الجوائز.
■ هل نعيش فعلاً أزمة نقد أدبى وكيف يمكن تجاوزها؟
- الأزمة ليست في النقاد بالأساس، فما يزال هناك عدد لا بأس به من النقاد الجادين المبدعين في قراءاتهم، المشكلة الأساسية في انصراف القراء والمنصات عنهم. النقد الأدبى الجاد على مستوى العالم لم يعد سلعة مطلوبة في السوق الرأسمالى الجديد، فالمطلوب فقط مراجعات مقتضبة للكتب لأغراض تسويقية لا أكثر. قلنا من قبل إن الأدب يعانى من أزمة القراءة، فما بالك بنصوص تتحدث عن الأدب؟ ولا شك أن كثيراً من ممارسات النقاد التى تنحو إلى الغموض والتعقيد والإغراق في المصطلح النقدى الموجَّه للمتخصصين صرف القارئ العادى عن النقد الأدبى، لذلك تجدر الإشارة إلى التجربة النقدية الهامة التى بدأ ينحو إليها الدكتور محمد عبدالباسط عيد في إنتاج خطاب نقدى قادر على مخاطبة القارئ العادى إلى جانب القارئ المتخصص.