وليد خيري يكتب: فيلم «جوازة ولا جنازة».. جنازة قيم أم جوازة مال؟!
وليد خيري يكتب: فيلم «جوازة ولا جنازة».. جنازة قيم أم جوازة مال؟!
يتلاعب عنوان الفيلم «جوازة ولا جنازة» بمفهوم المراسم؛ ففي كلا الحالتين، هناك طقوس صارمة، وهناك تجمع اجتماعي حاشد، وهناك لحظة فاصلة تمثل نهاية لمرحلة وبداية لأخرى. لكن الفيلم، برؤية مخرجته أميرة دياب، يذهب إلى ما هو أبعد من مجرد التلاعب بالكلمات؛ فهل نحن بصدد احتفال بحياة جديدة (جوازة)، أم نحن بصدد تشييع رسمي لقيم ومبادئ كانت حاكمة للمجتمع يوما ما (جنازة)؟ هذا التساؤل الجوهري هو المحرك الدرامي والنفسي لفيلم لا يكتفي برصد الزواج كحدث وطقس اجتماعي، بل كمنصة لتفكيك الصراع الطبقي في مصر.
في الوقت الذي تلهث فيه السينما السائدة وراء المظاهر وجماليات الصورة المفرغة من المعنى، يأتي فيلم «جوازة ولا جنازة» ليقدم سينما مغايرة تماما. متجانسا بذلك مع مفهوم الفيلم الذي ينتقد بشدة التشبث بمظاهر الزواج الخداعة على حساب الجوهر الإنساني، وجاء هذا النقد أيضا متسقا تماما مع اللغة البصرية التي استخدمتها المخرجة. لم تقدم أميرة دياب كادرا سينمائيا زائفا يهتم فقط بالألوان والبهارج، بل قدمت سينما تهتم بالمضمون الاجتماعي. الكاميرا هنا لا تلمع لتبهر المشاهد، بل تتحرك بذكاء لترصد التشققات في الوجوه وفي النفوس، لتكشف زيف الاحتفالات التي تقام فوق أنقاض القيم.
هذه العين المحبة لمصر التي امتلكتها المخرجة الفلسطينية أميرة دياب، استطاعت أن تلتقط التفاصيل التي قد تسقط من مخرج ألف بلده فلم تعد تدهشه؛ فهي ترى المشهد من زاوية تجمع بين الاندماج والحياد، ما جعل الفيلم شهادة حية على التغيرات الاجتماعية التي قلبت موازين الطبقات، حيث لم يعد المبدأ أو القيمة هما الحاكمين، بل صار الرأسمال هو السيد المطاع.
تتجسد ذروة الدراما في الفيلم من خلال الصراع بين عائلتين تمثلان قطبين متنافرين في المجتمع المصري. نيللي كريم في دور «تمارا»، تمثل بقايا الطبقة الأرستقراطية بجمالها الهادئ، ثقافتها، وماضيها الذي بدأ يتلاشى خلف ضباب الأزمات المادية. في المقابل، نجد حسن الدبّاح (شريف سلامة)، الذي يمثل الأثرياء الجدد، الرأسمالية المتوحشة النابعة من مهنة الجزارة؛ وهي دلالة رمزية قوية اختارها الفيلم ليعبر عن طبيعة المال الجديد الذي يذبح التقاليد ليرتقي اجتماعيا.
هذا التناقض بين ماضي تمارا الضائع وحاضر حسن الرأسمالي خلق صراعا منذ اللحظة الأولى. نحن أمام عائلة تمتلك الإتيكيت والتاريخ لكنها تفتقر للمال، وعائلة تمتلك المال الوفير لكنها تفتقر للجذور الثقافية وتحاول شراءها بالجوازة. هذا التصادم لم يكن مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل كان حربا وجودية حول من يفرض شروطه على الآخر.
اختار الفيلم الصحراء مكانا رئيسيا للأحداث، ورغم اتساع الصحراء اللامتناهي، إلا أن المخرجة ببراعة جعلت منها مكانا خانقا وحتميا للمواجهة. في الصحراء، لا توجد جدران تختبئ خلفها الأسرار، ولا يوجد زحام مدن يواري العيوب. تحت شمس الحقيقة وفي هذا الفضاء المفتوح، وجدت الشخصيات نفسها مجبرة على التجابه والمواجهة وتعرية الأفكار.
هنا، تتجلى عبقرية المكان؛ فالصحراء التي تبدو للوهلة الأولى رمزا للحرية، تتحول إلى ساحة محكمة اجتماعية ونفسية. لا مفر للشخصيات من مواجهة زيفها. في هذا الخلاء، تظهر حقيقة أن «تمارا» ليست مجرد عروس، بل هي «قربان» يقدمه الماضي المنهار ليرضى عنه الحاضر القوي ماديا.
تؤدي نيللي كريم دور «تمارا» بعمق نفسي هائل، فهي الأم التي تستعد للزواج ليس بحثا عن حب جديد، بل كفعل تضحية على مذبح حسن الدبّاح من أجل ابنها وعائلتها. هي تبيع استقرارها النفسي لتشتري مستقبلا لابنها في ظل مجتمع لا يعترف إلا بالقوة المالية.
وما يؤجج هذا الصراع الداخلي لتمارا هو ظهور قصة حب قديمة من ماضيها. هذا الحضور المفاجئ للماضي يضعها في مأزق أخلاقي ونفسي؛ هل تتبع قلبها وقيمها القديمة؟ أم تستمر في صفقة الجوازة التي تشبه الجنازة لروحها؟ هذا الخيط الدرامي جعل من شخصية تمارا نموذجا للمرأة المصرية التي تقع تحت مطرقة الواجب العائلي وسندان الرغبة الشخصية، في ظل تحول اجتماعي لا يرحم.
يطرح الفيلم سؤالا فلسفيا: هل هذا الزفاف هو جواز المال من الطبقة العليا لشرعية اجتماعية؟ أم هو في الحقيقة جنازة لقيم الطبقة المتوسطة العليا التي لم تعد قادرة على الصمود؟
الواقع أن الفيلم يميل للإجابة الثانية؛ فالمظاهر التي يصر عليها «حسن الدبّاح» وعائلته ليست إلا محاولة لفرض سطوة الذبح المادي على رقة الأصل الأرستقراطي. الرأسمال هنا هو الحاكم الفعلي الذي يشتري الذمم، ويغير العادات، ويحول الفرح إلى مجرد استعراض للقوة الشرائية.
لم يغفل الفيلم الجانب الإنساني المرح، لكنها لم تكن كوميديا «فارس» أو ضحكا من أجل الضحك. إنها الكوميديا السوداء النابعة من قلب المأساة؛ الضحك الذي يخرج من المفارقة بين ما تحاول الشخصيات إظهاره وبين واقعها المزري.
أداءات لبلبة، انتصار، ومحمود البزاوي كانت هي الحامل لهذا النوع من الكوميديا. لبلبة برقتها التاريخية التي تصطدم بخشونة الواقع، وانتصار والبزاوي اللذان قدما نماذج بشرية مذهلة في واقعيتها، يعكسان صراع البقاء في مجتمع انقلبت موازينه. هؤلاء الممثلون جعلوا من المأساة مادة قابلة للمشاهدة والاستمتاع دون أن تفقد ثقلها الفكري.
من أهم مميزات الفيلم أن كاتبته ومخرجته امرأة؛ وهذا انعكس في الاهتمام بسيكولوجية الشخصيات النسائية، وفي رصد التفاصيل الدقيقة التي قد يغفلها الرجل. ومع ذلك، لم يقع الفيلم في فخ النسوية الصارخة، بل قدم رؤية إنسانية شاملة.
الفيلم لا يغازل السينما السائدة بتنازلات فنية، لكنه في الوقت ذاته ليس بعيدا عن الجمهور. هو فيلم «وسيط» ناجح؛ يحترم عقل المشاهد ويقدم له وجبة بصرية وفكرية دسمة، تجعله يخرج من قاعة السينما متسائلا عن حاله وحال مجتمعه.
ينتهي «جوازة ولا جنازة» ليترك غصة في حلق المشاهد، لكنها غصة ضرورية للاستفاقة. لقد استطاعت أميرة دياب أن ترسم بريشتها السينمائية لوحة لمصر التي تتغير، مصر التي يصارع فيها الجمال (تمارا) ليبقى حيا في مواجهة القبح المادي (الدبّاح).
إن الفيلم هو محاولة لإنقاذ ما تبقى من قيم الطبقة المتوسطة وفيما فوقها، وتحذير من تحول كل روابطنا الإنسانية إلى صفقات تبرم في الصحراء وتدفن فيها. هو فيلم يحكي عن الجنازة التي نشيع فيها أخلاقنا، وعن الجوازة التي نبيع فيها أرواحنا، وكل ذلك تحت غطاء من الاحتفالات الزائفة.