محمود الجارحي يكتب: هذا كان حلمه.. وهذا ما تبقى منه.. «قصة السباح يوسف»
محمود الجارحي يكتب: هذا كان حلمه.. وهذا ما تبقى منه.. «قصة السباح يوسف»
تقف والدة الطفل يوسف أمام جدران المحكمة في صمتٍ ثقيل.. ترتدي السواد كاملًا.. كأن الحزن صار زيَّها الدائم. لا تبكي.. لكن عينيها تحكيان ما لا تُطيقه الكلمات.. نظرة أمٍ فقدت ابنها وتركها وحدها تواجه الحقيقة القاسية.
أمامها.. استندت صور يوسف إلى الجدار البارد.. صورة بطلٍ صغير يحمل ميداليته بابتسامة بريئة.. وأخرى لطفل لم يعرف أن آخر سباق في حياته سيكون بلا عودة.
تقف الأم قبالة الصور.. كأنها تحرس ذكرياته، أو تنتظر أن يخرج من الإطار ويقول: «أنا هنا يا أمي».
يدها معقودة على صدرها.. وجسدها منكمش.. كأنها تحاول أن تضم ابنها الغائب للمرة الأخيرة.. لا صراخ.. لا احتجاج.. فقط وجع صامت.. يعلو أكثر من أي صوت داخل أروقة العدالة.
هنا.. عند جدران المحكمة.. لم تأتِ أم يوسف تطالب بشيء لنفسها.. بل جاءت تحمل صور طفلٍ قُتل بالإهمال.. لتقول دون أن تنطق: هذا كان حلمه.. وهذا ما تبقى منه.
وبين هذا الصمت الثقيل، بدأت التحقيقات تروي القصة كاملة.. فقد كشفت تحقيقات النيابة العامة في واقعة وفاة الطفل يوسف محمد أحمد عبد الملك، الذي لقي مصرعه خلال مشاركته في بطولة الجمهورية للسباحة المقامة باستاد القاهرة الدولي، عن تفاصيل صادمة حول اللحظات الأخيرة في حياة الطفل.
وأوضحت الطبيبة الشرعية التي ناظرت جثمان الطفل يوسف وأجرت تشريحًا له في تحقيقات النيابة العامة وأوراق القضية، أن سبب الوفاة يعود إلى إسفكسيا الغرق، مؤكدة أن جسد الطفل كان خاليًا من أي أمراض أو مواد منشطة أو مخدرة.
وأشارت إلى أن الطفل فقد وعيه وسقط في قاع المسبح، وبقي لفترة زمنية كانت كافية لامتلاء رئتيه والمجاري التنفسية بالماء، ما أدى إلى توقف عضلة القلب وفشل كامل بوظائف التنفس وحدوث الوفاة.
وأكدت الطبيبة الشرعية أن محاولات إسعاف الطفل في موقع الواقعة كانت محاولات اجتهادية وصحيحة طبيًا، لكنها لم تُفلح بسبب طول فترة بقائه غارقًا دون إنقاذ، وهو ما توافق مع أقوال الأطباء والمسعفين الذين شاركوا في محاولات إسعافه عقب انتشاله، ومن بينهم أحد أولياء أمور السباحين، وهو طبيب استشاري في تخصص قلب الأطفال.
وكشفت التحقيقات أن المسؤولين عن إدارة البطولة لم يمتلكوا الخبرة الفنية والتنظيمية الكافية للإشراف على المسابقة، حيث تبين وجود عشوائية واضحة في التنظيم، وعدم تناسب أعداد السباحين المشاركين مع مدة البطولة والمسابح المخصصة لها، سواء خلال فترات الإحماء أو أثناء المنافسات، وهو ما أكده عدد من أولياء الأمور والقائمين على إدارة المسابح.
واستنادًا إلى الأدلة القولية والفنية والرقمية، بالإضافة إلى المحاكاة التصويرية التي أُجريت لتصور كيفية حدوث الواقعة، انتهت النيابة العامة إلى ثبوت مسؤولية المتهمين جميعًا عن وفاة الطفل يوسف، وتعريض حياة باقي الأطفال المشاركين في البطولة للخطر.
وعليه، قررت محكمة الجنح تأجيل محاكمة المتهمين، وهم رئيس وأعضاء مجلس إدارة الاتحاد المصري للسباحة، والمدير التنفيذي، ورئيس لجنة المسابقات، ومدير البطولة، والحكم العام، وثلاثة من طاقم الإنقاذ، إلى جلسة لاحقة، مع استمرار حبسهم على ذمة القضية، لاتهامهم بالتسبب خطأ في وفاة المجني عليه نتيجة الإهمال الجسيم والتقصير في أداء مهامهم الوظيفية.
كما أرسلت النيابة العامة نسخة من التحقيقات إلى وزارة الشباب والرياضة لاتخاذ الإجراءات الإدارية والتنظيمية اللازمة تجاه اتحاد السباحة ونادي الزهور الرياضي، بعد ما كشفته الواقعة من قصور شديد في إدارة رياضة السباحة، وسوء تنظيم مسابقاتها، وعدم الالتزام بالإجراءات الطبية الواجب اتباعها لضمان سلامة الرياضيين.