وسط هذه الأجواء المشحونة، رصدت صحيفة «الجارديان»، عبر شهادات حية لمواطنين إيرانيين من خلفيات اجتماعية ومهنية متنوعة، ملامح المزاج العام داخل العاصمة، وكيف ينظر الإيرانيون إلى الاحتجاجات، وإلى مستقبل الجمهورية الإسلامية، والسيناريوهات المحتملة فى حال تراجع أو سقوط النظام القائم. اللافت أن هذه الشهادات لا تعكس موقفاً واحداً أو رؤية موحدة، بل تكشف عن طيف واسع من المشاعر والمواقف، يتراوح بين اليأس الكامل، والأمل الحذر، والتطلع إلى تغيير تدريجى، أو حتى الرهان على تدخل خارجى، يعيد رسم المشهد السياسى من جذوره.
الأحلام تتلاشى.. كيف ينظر الإيرانيون إلى ما بعد «المرشد»؟
الأحلام تتلاشى.. كيف ينظر الإيرانيون إلى ما بعد «المرشد»؟
فى قلب طهران، حيث تختلط أصوات الهتافات بوقع الأبواب المغلقة، وتتصادم أحلام الشباب مع واقع اقتصادى خانق، تتشكل صورة معقدة لمجتمع يعيش واحدة من أكثر لحظاته قسوة واضطراباً منذ «الثورة الإسلامية». الاحتجاجات المتصاعدة، التى اتخذت طابعاً أكثر حدة ودموية فى الأسابيع الأخيرة، لم تعد مجرد تعبير عن غضب عابر، بل تحولت إلى مرآة تعكس حجم الانهيار المعيشى، وعمق الإحباط السياسى، واتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، فى وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية والتهديدات الغربية بفرض عقوبات إضافية إذا ما استمر القمع.
«الجارديان» ترصد شهادات حية من الاحتجاجات الدامية في «طهران».. واسم «رضا بهلوي» يعود للمشهد السياسي من جديد
«مهسا»: الجميع يعيشون فى انتظار «مجهول»
«مهسا» اسم مستعار أطلقته «الجارديان» على مصممة أزياء شابة، تبلغ 36 عاماً، لتقدم صورة مكثفة لمعاناة الطبقة المتوسطة، التى كانت تعتمد على الاقتصاد الرقمى والمشروعات الصغيرة. تعيش مع أسرتها، وتدير نشاطها التجارى عبر الإنترنت، حيث تبيع تصميماتها من الملابس، معتمدة على الترويج عبر المؤثرين ومنصات التواصل الاجتماعى، غير أن الاضطرابات الأخيرة قلبت حياتها رأساً على عقب، لتتوقف المبيعات تماماً ويتجمد نشاط صفحتها. لم تخسر «مهسا» سوقها فقط، بل وجدت نفسها محاصرة بأموال فقدت معظم قيمتها نتيجة انهيار العملة، وبأقمشة شتوية اشترتها بأسعار مرتفعة ولم تعد قادرة على تحويلها إلى منتجات قابلة للبيع.
تمكث الفتاة فى المنزل أغلب الوقت، تشعر بالإرهاق والعجز، وكأن سنوات من الجهد والعمل تبخرت فى لحظة، تتساءل بمرارة عن جدوى الاستمرار فى ظل تقلبات أسعار الدولار، وكيف يمكن لأى مشروع صغير أن يصمد فى سوق لا يعرف الاستقرار. ورغم تعلقها بفكرة الحرية، وحلمها بإيران منفتحة على العالم، فإنها لا تُخفى شكوكها العميقة فى قدرة الاحتجاجات الحالية على إحداث تغيير جذرى، مشيرةً إلى أن احتجاجات 2022، التى اندلعت بعد وفاة «174 مهسا أمينى»، كانت أوسع نطاقاً، لكنها لم تُفضِ إلى نتائج ملموسة. بالنسبة لها، الخوف الأكبر ليس فقط من الفقر، بل من حالة «التعليق» و«عدم اليقين»، حيث يعيش الجميع فى انتظار مجهول لا ملامح له.
«موين»: إعادة بناء دولة «طبيعية» قد تستغرق نصف قرن
«موين» اسم مستعار آخر لرائد أعمال فى مجال الملابس، يبلغ الأربعين من العمر، يعكس أزمة جيل كامل، يشعر بأنه استهلك طاقته فى السعى دون أن يصل إلى بر الأمان، يدير متجراً لبيع الملابس الرجالية، ويقوم بنفسه بالتصميم والخياطة، لكنه يصف وضعه بأنه «شديد الهشاشة»، الانهيار السريع فى قيمة الريال، وإضرابات السوق، وإغلاق المتاجر الإلكترونية، تركته أمام خسائر كبيرة، ومخزون من الملابس الشتوية تجاوز ذروة الطلب، متزوج منذ سنوات قليلة، ويعيش مع زوجته فى شقة بالإيجار، ويشعر بثقل أزمة منتصف العمر، وبأن سنوات العمل الشاق لم تحقق له الاستقرار المنشود.
يذهب «موين» إلى أبعد من الأزمة الاقتصادية، واصفاً إيران بأنها «دولة فاشلة»، ويرى أن سقوط «نظام المرشد»، إن حدث، سوف يكون بداية مسار طويل قد يستغرق نصف قرن لإعادة بناء دولة «طبيعية»، وفى هذا السياق ينظر بريبة إلى عودة اسم «رضا بهلوى» إلى الساحة السياسية، معتبراً إياه مجرد واجهة رمزية تفتقر إلى الفهم العميق لتعقيدات الداخل الإيرانى، يؤكد أن «بهلوى»، حتى لو اعتلى قمة السلطة، لن يكون صاحب القرار الحقيقى، بل سينفذ ما يُملى عليه من قوى خارجية.
«ساشا»، مدرب رياضى، 35 عاماً، يمثل شريحة من الشباب الذين نشأوا فى أسر متوسطة، لكنهم اضطروا للاعتماد على أنفسهم منذ وقت مبكر، لكنه لم يتمكن من امتلاك منزل، أو بناء حياة مستقرة، ولم يستطع الزواج حتى الآن، يرى أن جيله يعيش حالة «إقصاء تاريخى»، وأن الحديث عن تحسن قريب، أو حرية وشيكة، يبدو أقرب إلى الوهم.
أما «مجيد»، 36 عاماً، فيروى قصة «انهيار اقتصادى واجتماعى متكامل»، عمل منذ طفولته فى وظائف متعددة، قبل أن يدخل مجال تجارة الأحجار الزخرفية، لكن التضخم المتسارع أطاح بمشروعه، مشيراً إلى أنه بعد «جائحة كورونا» انهارت حياته الأسرية، وانتهى زواجه بسبب العجز عن سداد أقساط منزل الزوجية. وصل «مجيد» إلى قناعة قاتمة مفادها أن «عدم العمل» بات أقل خسارة من المحاولة فى اقتصاد لا يكافئ الجهد، يعيش حالة انتظار سلبية، يصف نفسه بأنه «عالق فى مكانه».
تختتم «الجارديان» تقريرها بالقول إن هذه الشهادات تكشف عن مجتمع إيرانى يعيش حالة تمزق عميقة، بين الغضب والخوف، وبين الرغبة فى التغيير والارتهان لواقع شديد التعقيد، ورغم اختلاف الرؤى حول الطريق إلى المستقبل، يتقاطع معظم المتحدثين عند نقطة واحدة، أن «العزلة الاقتصادية والسياسية تمثل الخطر الأكبر»، وأن استمرارها يعنى مزيداً من التآكل فى حياة الأفراد، ومزيداً من ضياع الأحلام، فى بلد يملك طاقات بشرية هائلة، لكنها مكبّلة بقيود الداخل، وصراعات الخارج.