«إرادة السلام 2026».. مناورات عسكرية لتجمع «بريكس» تطلق مرحلة جديدة من «الاستقطاب الجيوسياسي» بين القوى الكبرى

كتب: محمود العيسوي

«إرادة السلام 2026».. مناورات عسكرية لتجمع «بريكس» تطلق مرحلة جديدة من «الاستقطاب الجيوسياسي» بين القوى الكبرى

«إرادة السلام 2026».. مناورات عسكرية لتجمع «بريكس» تطلق مرحلة جديدة من «الاستقطاب الجيوسياسي» بين القوى الكبرى

فى خطوة تعكس تصاعد التحركات العسكرية ذات الأبعاد السياسية، رست سفن حربية تابعة لكل من الصين وروسيا وإيران فى أحد الموانئ الجنوب أفريقية، تمهيداً لانطلاق مناورات بحرية مشتركة تستمر أسبوعاً كاملاً، فى توقيت بالغ الحساسية، يشهد احتداماً فى التوترات الدولية على خلفية العمليات العسكرية الأمريكية فى فنزويلا وشمال المحيط الأطلسى، وتأتى هذه التدريبات، التى تحمل اسم «إرادة السلام 2026»، فى سياق يصفه مراقبون بأنه يؤشر إلى مرحلة جديدة من «الاستقطاب الجيوسياسى» بين القوى الكبرى، ويعيد طرح تساؤلات بشأن مآلات النظام الدولى وتوازناته.

«فاينانشيال تايمز»: عمليات مشتركة للبحرية الروسية والصينية والإيرانية في جنوب أفريقيا لضمان سلامة الملاحة والأنشطة الاقتصادية

ووفق تقرير لصحيفة «فاينانشيال تايمز»، أعلنت قوات الدفاع الوطنى فى جنوب أفريقيا، فى بيان رسمى، أن المناورات التى بدأت الجمعة، ستشهد مشاركة دول من إطار «بريكس بلس»، فى إشارة إلى الصيغة الموسعة لتجمع «بريكس»، الذى يضم، إلى جانب أعضائه المؤسسين، دولاً جديدة، انضمت خلال الفترة الأخيرة، وأكدت وزارة الدفاع الصينية، من جانبها، أن بكين وموسكو ستشاركان فى التدريبات، إلى جانب جنوب أفريقيا، دون الكشف عن تفاصيل دقيقة تتعلق بطبيعة القوات المشاركة، أو نطاق العمليات المخطط لها.

وفى تطور لافت، شوهدت هذا الأسبوع أكبر سفينة فى الأسطول الإيرانى، «مكران»، أثناء دخولها إلى خليج «فولس»، قرب ميناء «سيمونز تاون» البحرى، فى إقليم كيب الغربية، والسفينة، التى تُستخدم كمنصة دعم لوجيستى للبحرية الإيرانية، جرى تحويلها من ناقلة تجارية، كانت تُعرف سابقاً باسم «الخليج الفارسى»، ورغم أن الصين وجنوب أفريقيا لم تعلنا رسمياً مشاركة إيران فى المناورات، فإن تأكيد مسئولين وصول السفينة الإيرانية إلى المياه الجنوب أفريقية عزز التكهنات بشأن دور طهران فى التدريبات، وأضفى على المناورات أبعاداً سياسية إضافية.

وتعيد هذه التحركات إلى الذاكرة انتقادات حادة وجهتها واشنطن إلى بريتوريا فى فبراير 2023، حين أجرت جنوب أفريقيا مناورات بحرية مشتركة مع روسيا والصين، تزامناً مع الذكرى الأولى لاندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، ومنذ ذلك الحين، اتسع نطاق تجمع «بريكس» بانضمام دول من بينها إيران ومصر وإثيوبيا وإندونيسيا والإمارات العربية المتحدة، ما عزز من ثقله السياسى والاقتصادى على الساحة الدولية، لكنه فى المقابل أثار مخاوف غربية متزايدة من تحوله إلى منصة ذات طابع سياسى وأمنى مناوئ للغرب.

وتأتى مناورات «إرادة السلام 2026» فى سياق دولى شديد التعقيد، بعد خطوات أمريكية مثيرة للجدل، شملت إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو، الحليف الوثيق لكل من موسكو وبكين فى أمريكا الجنوبية، إضافة إلى مصادرة ناقلة نفط روسية فى شمال المحيط الأطلسى، كما ساهمت تصريحات الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، التى لوّح فيها بإمكانية التدخل العسكرى ضد إيران إذا استخدمت القوة لقمع الاحتجاجات المناهضة للنظام، فى رفع منسوب التوتر، وإضفاء طابع تصعيدى على المشهد.

وتحمل مشاركة السفينة الإيرانية «مكران» دلالات خاصة، إذ كانت قد أُدرجت على قائمة العقوبات الأمريكية من قبل وزارة الخزانة، للاشتباه فى محاولتها نقل زوارق هجومية سريعة إلى فنزويلا، وهى مهمة لم تُستكمل، وفق الرواية الأمريكية، ويرى مراقبون أن وجود السفينة فى المياه الجنوب أفريقية لا يمكن فصله عن الرسائل السياسية المتبادلة بين طهران وواشنطن، وأنه يتجاوز كونه تحركاً عسكرياً تقنياً إلى كونه مؤشراً على اصطفافات إقليمية ودولية آخذة فى التشكل.

فى المقابل، شددت قوات الدفاع الوطنى فى جنوب أفريقيا على أن المناورات ذات طابع دفاعى، وتهدف إلى تنفيذ «عمليات مشتركة لضمان سلامة الملاحة والأنشطة الاقتصادية البحرية»، مؤكدة أن التدريبات ستركز على الأمن البحرى، والتنسيق العملياتى، ورفع مستوى الجاهزية والتشغيل البينى بين القوات المشاركة، غير أن هذه التوضيحات لم تنجح فى تهدئة الجدل السياسى، الذى أثارته المناورات داخل البلاد، فقد أعرب حزب «التحالف الديمقراطى»، أكبر شركاء الائتلاف الحاكم بقيادة «المؤتمر الوطنى الأفريقى»، عن قلقه البالغ إزاء التدريبات، معتبراً أن أى مشاركة إيرانية محتملة تمثل مصدر قلق خاص.

فى المقابل، رأى المحلل السياسى فرانس كرونيى أن إشراك إيران فى المناورات، إن تأكد، لا يُعد مفاجئاً، مشيراً إلى أن سياسة جنوب أفريقيا تجاه طهران تتسم بالوضوح منذ سنوات، وأن العلاقات بين البلدين تقوم على شراكة استراتيجية، وُصفت بأنها «أخوية»، وأضاف أن هذه العلاقات تنعكس فى مواقف بريتوريا الإقليمية والدولية، وفى سعيها إلى تنويع شراكاتها خارج الإطار الغربى التقليدى.

أما الأكاديمى الجنوب أفريقى، آدم حبيب، نائب رئيس جامعة «سواس» فى لندن، فقد أقر بأن الصورة الرمزية للمناورات مع إيران تثير مخاوف مشروعة، لكنه أشار فى الوقت ذاته إلى أن السياسات الأمريكية خلال السنوات الأخيرة دفعت دولاً غير منحازة، مثل جنوب أفريقيا، إلى البحث عن بدائل وشراكات توازن الضغوط الغربية.

واختتمت «فاينانشيال تايمز» تقريرها بالقول إنه فى ظل غياب تعليق رسمى فورى من رئاسة جنوب أفريقيا، يبقى الجدل مفتوحاً حول دلالات مناورات «إرادة السلام 2026»، وما إذا كانت تمثل مجرد تدريبات بحرية دورية، أم مؤشراً على انتقال تجمع «بريكس» إلى مرحلة جديدة، تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية مع الحسابات العسكرية، فى عالم يتجه بخطى متسارعة نحو مزيد من الاستقطاب والتنافس بين القوى الكبرى.


مواضيع متعلقة