دير سانت كاترين.. هنا تتعانق الأديان وتتجلى القداسة

كتب: داليا منير

دير سانت كاترين.. هنا تتعانق الأديان وتتجلى القداسة

دير سانت كاترين.. هنا تتعانق الأديان وتتجلى القداسة

على سفح جبال سيناء، حيث تلقى موسى الوصايا العشر من الله، يقع دير سانت كاترين، وهو أحد أقدم الأديرة في العالم، ويُعرف باسم دير القديسة كاترين، دير سانت كاترين.. هنا تتعانق الأديان وتتجلى القداسة، تم بناؤه بأمر من الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول لإيواء الرهبان الذين كانوا يعيشون في شبه جزيرة سيناء منذ القرن الرابع الميلادي.

وحسب موقع وزارة السياحة والآثار، فيشتمل الدير على هياكل متعددة أهمها كنيسة التجلي، التي تضم في حد ذاتها تسع كنائس صغيرة، بالإضافة إلى احتوائه على 10 كنائس أخرى، أماكن لإقامة الرهبان، قاعة طعام، معصرة زيتون، كنيسة الموتى والتي تضم عظام الموتى من الرهبان والمطارنة، مسجد فاطمي يرجع إلى القرن الثاني عشر الميلادي، ومكتبة تضم كتباً نادرة وأكثر من 6000 مخطوطة، وقد تم تسجيل دير سانت كاترين على قائمة التراث العالمي عام 2002.

واستشهدت القديسة كاترين في أوائل القرن الرابع الميلادي، حيث يحمل الدير اسمها لاكتشاف رهبانها جسدها بالقرب من جبل سانت كاترين في القرن التاسع الميلادي، إذ جرى وضعه من قبل الملائكة بعد استشهادها. ويشتمل الدير على هياكل متعددة، أهمها كنيسة تجلي السيد المسيح المخلِّص.

«صبحى»: يحتوى على أقدم مكتبة بداخلها آلاف المخطوطات القديمة باللغات اليونانية والعربية والسريانية

من جانبه، قال حسام صبحي، مدير عام آثار سانت كاترين، إن دير سانت كاترين المنسوب للقديسة كاترين يتبع الطائفة الأرثوذكسية الشرقية، وبُنى على ارتفاع 1570 متراً عن سطح البحر على الطراز البيزنطي، لافتاً إلى أن الدير يتميز بموقع فريد بين ثلاثة جبال؛ الصفصافة وموسى وسيناء.

وأشار «صبحي» لـ«الوطن»، إلى أن الدير بُني بأمر من الإمبراطورة هيلين أم الإمبراطور جستنيان ليحوي رفات القديسة كاترين، حيث يحاط الدير بحصن كبير يتم الدخول إليه من خلال باب مرتفع بالجدران الخارجية.

وأضاف: «يفتح دير سانت كاترين أبوابه أمام الزيارات 3 أيام أسبوعياً من الساعة الثامنة صباحاً حتى الواحدة مساء، ويمكن للزوار التجول داخل دير سانت كاترين دخولاً من الباب الرئيسي للزيارة حيث نجد فندق الدير يسار المدخل والذي يحوي عدة غرف ما بين فردي وزوجي وثلاثي الإقامة، وهو مخصص لإقامة زوار الدير الطامحين في الاسترخاء والتأمل في روحانيات المكان، ويواجه الفندق كافتيريا لخدمة المقيمين وزوار الدير بالإضافة إلى مطعم يسع لـ100 فرد لتقديم الوجبات ويجاوره سلم يؤدي للطريق الرئيسي للبوابة الخارجية للدير».

وتابع: «نجد على اليسار معلماً مهماً وهي كنيسة الموتى الواقعة أسفل كنيسة التجلي والتي تضم 6 مدافن للرهبان والمطارنة حيث يتم إخلاء أقدم جثمان متوفى لتوضع داخل الكنيسة لتوفير مكان للدفن كما تحوي الغرفة عظام وجماجم الرهبان المتوفين وهي من الطقوس الدينية التي تخلد الراحلين منهم وجزء لا يتجزأ من تراث الدير كما نجد هيكل الراهب إسطفانوس الذي يوجد داخل صندوق زجاجي يجلس فيه الراهب بكامل هيئته ممسكاً بعصاه، كما نجد قبيل الباب الرئيسي سكناً لبعض الرهبان».

أوضح «صبحي» أن الدخول لباقي معالم الدير يأتي من خلال باب صغير يبلغ ارتفاعه 30 قدماً أسفل سور الدير، يشعر من يدخل منه برهبة المكان، والذي يقع وسط حصن منيع صُمم لصد أي اعتداء.

وأكمل: «يرتفع هذا الحصن بين 40 و200 قدم لجعله آمناً وغير قابل للاختراق والذي تنفذ منه لداخل الدير لتجد على يمينك سلماً يؤدي إلى أقدم مكتبة تحوي آلاف المخطوطات القديمة والوثائق النادرة باللغات اليونانية والعربية والسريانية، والتي تعد مركزاً معرفياً فريداً تمثل المرتبة الثانية بعد مكتبة الفاتيكان».

في سياق متصل، قال أنطونيوس التمير، المسئول عن كنيسة التجلي داخل دير سانت كاترين، إن من أهم الأماكن التاريخية والأثرية داخل الدير، كنيسة التجلي التي تحوي مجموعة من الكنائس الصغيرة بينها الكنيسة المحترقة التي تلقى فيها نبي الله موسى كلمات الله عند الشجرة العليقة التي لم تحترق.

وأضاف «التمير»، لـ«الوطن»، أن كنيسة التجلي تحوي الهدايا القديمة الموهوبة للدير من قبل الملوك والأمراء والتابوت الخشبي الذي يضم جثمان القديسة كاترين يجاورها باب صغير يؤدي إلى الوادي المقدس، منوهاً إلى نموذج يعكس التسامح الديني داخل الدير وهو المسجد الفاطمي الذي جرى تشييده في القرن الـ11 في عهد الخلافة الفاطمية ليتعانق الدينان الإسلامي والمسيحي في كنف واحد.

وأضاف: «عند خروجك من مدخل الكنيسة نجد على اليمين الشجرة العليقة التي تعد الوحيدة من نوعها على مستوى العالم، حيث إنها لا تنمو إلا داخل الدير فهي الشجرة المقدسة التي رأى عندها نبي الله موسى ناراً ولكنها لم تحترق فلها أسرار خاصة، حيث تظل خضراء طول العام ولا تحوي ثمراً وباءت محاولات زراعتها بأماكن أخرى بالفشل، كما يتبع السياح من مختلف الجنسيات طقوساً خاصة أثناء زيارة الشجرة العليقة حيث يكتبون أمنياتهم على ورق ويضعونه بداخلها بهدف تحقيقها».

وتابع: «في نفس الممر الذي يوجد به الشجرة العليقة نجد سلماً خشبياً يصل بنا لمتحف الدير (الخزانة المقدسة) الذي يضم مقتنيات القديسه كاترين والصندوق الذي يحوي رفاتها والملابس الكهنوتية، وجزءاً خاصاً بالمجوهرات الخاصة بها والهدايا، كما تضم مجموعة كبيرة من الأيقونات الدينية والفنية والرمزية، التي تمثل مدارس التصوير البيزنطي، فضلاً عن الكنوز التي ترجع إلى العصور القديمة مثل اللوحات التي تعود للقرن الـ12 الميلادي».

وأشار إلى أن المتحف يضم مجموعة كبيرة من المخطوطات والرقائق التي تعود إلى أقدم الكتب المقدسة في العالم، فضلاً عن المخطوطات التي تجمع ما بين اللغات «اليونانية واللاتينية والسوريانية والقبطية والإثيوبية والسلافية والأمهرية والأرمينية»، كما تحوي تحفاً فنية وأزياء مطرانية مثل «عصا المطران» و«بطرشيل الكاهن» و«قلنسوة» من الحرير المطرز تعود إلى القرنين الـ16 والـ18 الميلادى.

ولفت إلى أن الناظر من فوق سلم قاعة العرض المتحفى بالدير يواجه برجاً أثرياً يضم الأجراس التي يقوم عليها أحد أبناء قبيلة الجبالية بسانت كاترين لقرعها قبيل الصلوات، وتقع أسفلها «بئر موسى» التي تعد من أقدم الآبار التي توجد بالدير، الذي شرب منه نبي الله موسى، وسقى منه أغنام ابنتَي نبي الله شعيب، بعدما قام الرعاة بوضع حجر على فوهة البئر، لكن موسى تمكن من رفع الحجر، وقام بسقي الأغنام ثم أعاد الصخرة إلى مكانها مرة أخرى.

وحسب حديث أحمد عادل، مدير آثار جنوب سيناء، فالطابق العلوي مخصص لاستراحة مطران الدير والرهبان وغرفة الاستضافة المخصصة لمقابلة ضيوف الدير، ويقابلها غرف صغيرة مزودة بمطبخ لعمل المشروبات للزوار، وعند الصعود إلى الساحة العلوية للدير يمكن مشاهدة معالم مشروع التجلي الأعظم على مرمى البصر، حيث الجبال الثلاثة «التجلى وموسى وسانت كاترين»، وقدسية المكان الذي وطئه الأنبياء وتجلى فيه نبي الله موسى.


مواضيع متعلقة