الإعلام بين المسئولية الاجتماعية وحرية التعبير!

د. دينا خليل

د. دينا خليل

كاتب صحفي

لم تعد حرية التعبير فى الإعلام مسألة قانونية بحتة تُحسم بنصوص الدساتير والمواثيق الدولية، بل أصبحت إشكالية أخلاقية ومعرفية تتجدد يومياً مع كل خبر يُنشر، وكل منصة تُفتح، وكل منبر يُمنح لمن لا يستحقه. فالإعلام اليوم لا يكتفى بنقل الواقع، بل يشارك فى صناعته، ويعيد ترتيب أولويات الجمهور، ويؤثر فى وعيه الجمعى بقدر قد يفوق أحياناً تأثير السياسة نفسها.

فى جوهر الفكرة، تُعد حرية التعبير شرطاً أساسياً لأى مجتمع حى؛ فبدونها يتحول الإعلام إلى بوق للسلطة أو أداة رقابة لا تختلف كثيراً عن المنع الصريح. لكن هذه الحرية، حين تُفصل عن المسئولية الاجتماعية، تفقد معناها النبيل وتتحول إلى فوضى معرفية، حيث تتساوى الحقيقة مع الشائعة، والخبرة مع الجهل، والخبر العام مع الفضول الرخيص.

يتجلى هذا الخلل بوضوح فى تعامل الإعلام مع السلطة السياسية فى الغرب، وتحديداً فى الحالة الأمريكية مع دونالد ترامب. فرغم الكم الهائل من الوقائع الموثّقة، من قضايا قانونية وتحريض سياسى وتصريحات تمس أسس النظام الديمقراطى، اختار جزء من الإعلام أن يتعامل مع هذه الوقائع بمنطق الاستعراض أو الاستقطاب بدل المساءلة. لم يكن ذلك دفاعاً عن حرية التعبير، بل كان هروباً من المسئولية؛ إذ تحولت التغطية إلى سباق نسب مشاهدة، واختُزلت القضايا الخطيرة فى عناوين مثيرة تُفرغها من بُعدها الأخلاقى. هنا لم يُقمع الرأى، لكنه سُوِّى بالخطأ، وتحوّل الإعلام من سلطة رقابية إلى منصة ترفيه سياسى.

وفى السياق العربى، تبدو الأزمة مختلفة فى شكلها، لكنها متشابهة فى جوهرها. ففى مصر مثلاً، لا يعانى الإعلام فقط من الفجوة بين الرؤية والتطبيق، بل من أزمة أولويات حادة. فبدل أن تُكرّس المساحة للنقاش الجاد حول قضايا التعليم والصحة والاقتصاد والثقافة، تُهدر ساعات البث فى تتبع الحياة الشخصية للفنانين، أو تضخيم خلافات وأحداث لا تمس أى مصلحة عامة. هذا النوع من المحتوى لا يندرج تحت حرية التعبير بقدر ما يعكس غياب الرؤية التحريرية، وتحول الإعلام إلى مرآة لفضول السوق لا لاحتياجات المجتمع، ومن صانع رأى عام ووعى الجمهور إلى مستقبل للترهات وإعادة تصديرها للجمهور مرة أخرى. فى حقيقة الأمر بدأ الإعلام فى التخلى عن مسئوليته الاجتماعية التنويرية البناءة التى تصنع عقل المجتمع وتشكله فى المقام الأول.

الأخطر من ذلك هو إصرار بعض المنصات على استضافة مدّعى العلم، تحت شعار «عرض كل الآراء». هذه ليست تعددية، بل خلط متعمد بين المعرفة والخرافة. فالرأى يُحترم حين ينبع من فهم أو تجربة أو تخصص، أما الجهل فلا يصبح رأياً لمجرد منحه ميكروفوناً. الإعلام الذى يساوى بين الطبيب والدجال، أو بين الباحث والمشعوذ، لا يمارس حرية التعبير، بل يتخلى عن دوره الكشفى، ويسهم فى تآكل العقل الجمعى.

وفى العصر الرقمى، ازدادت الصورة تعقيداً مع صعود المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعى. فالشعبية باتت فى كثير من الأحيان بديلاً عن الكفاءة، وأصبحت حياة بعض المؤثرين اليومية مادة إخبارية، بينما يُتعامل مع آرائهم فى السياسة أو الطب أو التربية بوصفها ذات وزن معرفى. المشكلة ليست فى وجودهم، فحرية التعبير تكفل لهم الكلام، بل فى قرار الإعلام التقليدى بتضخيمهم ومنحهم شرعية لا تستند إلى معرفة أو مسئولية بحجة مواكبة «التريند» وتحقيق مشاهدات أعلى. يرى الكاتب الفرنسى «جى ديبور» فى كتابه «مجتمع الاستعراض» أن: «الواقع يتحول إلى صور، والصور تتحول إلى واقع بديل» وهذا ما نراه اليوم حيث يُضخَّم الأشخاص لا بسبب إسهام مجتمعى، بل لأنهم «تريند». وعندما ينساق الإعلام خلف هذا الاستعراض، فإنه يكرس السطحية بإعادة إنتاج التفاهة على نطاق أوسع!

ولعل أبرز القرارات التى تستحق الذكر فى هذا السياق إعلان الصحف والمواقع التابعة للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية ومنها «الوطن» مؤخراً، قراراً مهماً يقضى بعدم متابعة أو تغطية أى أنشطة أو مناسبات تخص ما يُعرف بـ«مشاهير السوشيال ميديا» و«التيك توكرز» عبر منصاتها ومنافذها الإعلامية المختلفة، وذلك فى خطوة تعتبر تحوّلاً نوعياً فى المشهد الإعلامى المصرى نحو مزيد من الالتزام بالقيم المهنية والمسئولية الاجتماعية.

استند القرار إلى قناعة مفادها أن مهمة الصحافة الحقيقية تتجاوز سباق «التريند» وهوس الانتشار الإعلامى الذى لا يقدم قيمة حقيقية للمجتمع، وأن تغطية أخبار مشاهير «السوشيال ميديا» الذين يعتمدون فى أسلوب شهرتهم على الصخب وجذب الانتباه السريع قد تسهم فى إضعاف جودة المحتوى الإعلامى وتشويه الأولويات الصحفية وفى ذلك تعزيز القيمة المهنية للإعلام وحماية الذوق العام ووعى الجمهور.

وهذا ليس مجرد إجراء تنظيمى، بل احتفاظ بهوية المجتمع المصرى وقيمه الثقافية، فتغطية هذا النوع السخيف من الأخبار باستمرار يمكن أن يشكل نموذجاً ثقافياً غير متوازن داخل الفضاء العام ويسهم بشكل كبير فى تسطيح أفكار وشخصيات وسلوكيات شباب الأجيال الحالية والقادمة.

فى كل هذه الأمثلة، لا تكمن الأزمة فى الحرية ذاتها، بل فى إساءة فهمها. فحرية التعبير لا تعنى أن يُقال كل شىء، بل أن يُقال ما يخدم الحقيقة والمصلحة العامة دون خوف أو تزييف. والإعلام، بوصفه وسيطاً بين الحدث والجمهور، ليس مطالباً فقط بالنقل، بل بالاختيار، وهذا الاختيار فعل أخلاقى قبل أن يكون مهنياً.

فى النهاية، يظل الإعلام الحقيقى هو ذلك الذى يدرك أن الكلمة ليست محايدة، وأن الصمت أحياناً موقف، وأن التضخيم انحياز. فحين يتخلى الإعلام عن مسئوليته الاجتماعية فى سبيل الحرية، لا يُحرر المجتمع، بل يتركه عارياً أمام الجهل، والتفاهة، والتلاعب، والتضليل. أما الحرية المرتبطة بالوعى، فهى وحدها القادرة على أن تجعل الإعلام قوة بناء لا أداة تشويش، ومنبراً للمعرفة لا مسرحاً للضجيج.