نعم انتصر الرئيس الأمريكى دونالد ترامب على فنزويلا عسكرياً وسياسياً ومخابراتياً، وأعد خطة محكمة للاستيلاء على نفطها، وأعلن ذلك صراحة أمام العالم، مستكثراً على الشعب الفنزويلى التمتع بثروته الطبيعية.
بحساب الورقة والقلم، وظاهرياً، لا يمكن لفنزويلا مواجهة الولايات المتحدة لا عسكرياً ولا سياسياً، بعد أن تم الاتفاق بين الرئيسة الجديدة وترامب، وبعد أن أعلنت الإدارة الأمريكية تسلم 30 مليون برميل بترول للتصرف فيها كما تشاء.
لكن الجيولوجيا والواقع على الأرض كان لهما رأى آخر، ويبدو أنهما فعلا ما لم يقدر عليه أحد، ولم يستسلما لغطرسة وتباهى ترامب بقوته، وانتصرا عليه.
ظهرت هزيمة ترامب فى الاجتماع الذى عقده فى البيت الأبيض مع رؤساء أكبر شركات بترول فى الولايات المتحدة للاتفاق على بدء العمل فى حقول النفط بفنزويلا والاستيلاء على نصف احتياطى بترول العالم الموجود بين طبقات الأرض هناك.. فقد اعترضت كل الشركات على هذا العرض، ومنهم من رفض رفضاً تاماً، ومنهم من وضع شروطاً تعجيزية للاستثمار فى فنزويلا، وخرج ترامب من الاجتماع ولم يتحقق غرضه.
ودون الدخول فى تفاصيل فنية معقدة ذكرها رؤساء الشركات، يمكن تلخيص الاعتراضات فى عدة نقاط:
- نوع النفط الفنزويلى ثقيل واستخراجه ونقله وتكريره فى المصافى البترولية يحتاج إجراءات وعمليات تقنية تستهلك نفقات عالية، مما يستوجب تسعيره برقم يفوق سعر السوق لتغطية تكاليف استخراجه وتكريره.
- مناخ الاستثمار فى فنزويلا غير آمن، ولا يمكن أن تغامر الشركات الأمريكية بإعادة تجربة ما حدث من قبل والتى انتهت بمصادرة المعدات وطرد مهندسى وعمال الشركات.
- البنية الأساسية المتعلقة بالاستثمار فى مجال البترول متهالكة ولم يتم تجديدها وتحديثها منذ عقود، وإعادة تأهيلها تحتاج إلى عشرات المليارات من الدولارات.
- فى حالة موافقة أى شركة على ضخ استثمارات فى مجال التنقيب فإن عائد هذه الاستثمارات لن يتأتى إلا بعد 6 سنوات على الأقل وهذه فترة زمنية طويلة، وتكون مدة ترامب الرئاسية قد انتهت، وبالتالى لن يكون لدى الشركات أى ضمان لاستمرار عملها والحصول على عائد استثماراتها.
- الطريقة الوحيدة لحصول الشركات الأمريكية على أرباح من فنزويلا هى الاستثمار فى مجال إعادة تأهيل البنية الأساسية هناك، لكن حكومة كاراكاس لا تمتلك أموالاً لتمويل هذه المشروعات.
انتهى الاجتماع وكانت المحصلة «صفر».
وظنى أن هذا هو السبب الرئيسى فى التحول السريع لبوصلة سرقة البلاد والعباد لدى ترامب من فنزويلا إلى «جرين لاند» تلك الجزيرة التى تُعد الأكبر فى العالم والتى تحتل موقعاً استراتيجياً للأمن القومى الأمريكى، باعتبارها جغرافياً تابعة لأمريكا الشمالية ولكن سياسياً فهى تتبع أوروبا، ولم تكن فكرة ضم جرين لاند للولايات المتحدة جديدة، بل سبق وأن عرض الرئيس الأمريكى هارى ترومان شراءها من الدنمارك بمائة مليون دولار عام 1946، ولكن كوبنهاجن رفضت، وأعاد ترامب طلب الشراء مرة أخرى أثناء ولايته الأولى فى 2019، وقوبل الطلب بالرفض من الدنمارك، أما الجديد فى الأمر أن ترامب هذه المرة لا يطلب الشراء بل يعلن ضمها دون مقابل باعتبارها جزءاً من الولايات المتحدة، وأن الدنمارك لن تستطيع حمايتها من أى محاولة روسية للسيطرة عليها والنفاذ إلى أوروبا، ولكن هل تستسلم كوبنهاجن للأمر الواقع كما فعلت فنزويلا، وهل يقف الاتحاد الأوروبى مكتوف الأيدى أمام استيلاء أمريكا على جزيرة مملوكة لدولة عضو الاتحاد الأوروبى وعضو فى الناتو؟ الإجابة: نعم.
فلن يستطيع أى بلد أو تحالف الوقوف فى وجه الغطرسة الترامبية التى يحاول من خلالها ليس فقط تغيير خريطة السياسة، بل تغيير خريطة الجغرافيا، وخريطة الثروات الطبيعية، وبعدما فشل فى أن يحفر اسمه فى التاريخ ويحصل على جائزة نوبل للسلام، فيحاول أن يحفره من خلال الحرب وسرقة الدول.. ولا يستطيع أحد أن يتنبأ بالدولة القادمة التى ينوى ترامب الاستيلاء عليها.
لكن تظل الطبيعة لها رأى آخر.