الإسراء والمعراج وفلسفة التجاوز
تتجلى ذكرى الإسراء والمعراج فى سماءِ الوجدان كأبهى صورِ الجلال والجمال، فهى ليلةٌ لم تكن مجرد رحلةٍ فى طياتِ المكان، بل كانت فيضاً من النورِ الإلهى غمر قلب المصطفى، صلى الله عليه وسلم، ليُريَه من آياتِ ربه الكبرى ما تطمئن به النفوس الحائرة، فهى المعجزة التى انفتح فيها الغيبُ على الشهود، وتلاقت فيها الأرضُ بالسماء، لتعلن للإنسان فى كل زمانٍ ومكان أنَّ عالم المادة ليس هو المنتهى، وأنَّ فى الروحِ طاقاتٍ لا تحدها الآفاق.
لقد رسمت هذه الرحلة فى محطة «الإسراء» خريطةً لوحدة الرسالات، حيث اجتمع الأنبياءُ الكرام فى بيت المقدس، فكانت إمامةُ النبى الكريم لهم إعلاناً عن ميثاقٍ عالمى يقوم على الرحمة والوئام، هذا المشهد يمنح واقعنا المعاصر درساً بليغاً فى تآلف الحضارات وتكامل القيم، مؤكداً أنَّ المشترك الإنسانى يجمع ولا يفرق، وأنَّ الهدى هو الحصن الذى يحمى المجتمعات من التفكك والضياع.
وفى «المعراج» يتجلى سموٌّ يتجاوز رتبة البشر وحدود الممكن الإنسانى، إذ عرج الحبيبُ الكريم فى ملكوت السماوات عروجاً ليس انتقالاً فى المكان فحسب، بل ارتقاء فى المعنى والغاية، حتى بلغ سدرة المنتهى؛ حيث تنكسر المقاييس، وتذوب المسافات، وتتلاشى الأبعاد، ولا يبقى إلا نور الحقيقة وحضور القرب الإلهى. هناك، عند التخوم القصوى للمعرفة البشرية، يتعلم الإنسان أن الوجود أوسع من إدراكه، وأن الروح قادرة على التحليق حين تتحرر من ثقل المادة وضيق الرؤية، إن هذا التسامى ليس سرداً تاريخياً معزولاً، بل رسالة حيّة للعقل البشرى المعاصر، دعوة لأن يفك قيوده التى نسجها اليأس والانهزام، وأن ينطلق فى آفاق العلم والمعرفة بشجاعة السؤال وصدق السعى، وقلب عامر بالأدب مع الخالق، يدرك أن كل كشفٍ علمى وكل تقدم معرفى إنما يزداد جمالاً حين يُتوَّج بالتواضع والشكر. فالمعراج يرسخ فى الوجدان «فلسفة التجاوز»؛ تجاوز الخوف، وتجاوز الإحباط، وتجاوز السكون، ليؤكد أن الإنسان، مهما أثقلته التحديات وتشابكت حوله الأزمات، يظل قادراً على النهوض ما دام الأمل فى المدد الإلهى حياً، نافذةً لا تُغلق، ونوراً لا ينطفئ، وأن الطموح نحو الرقى القيمى والمادى ليس ترفاً فكرياً، بل واجب مقدس ومسئولية حضارية.
وعادت الرحلة بأعظم جائزةٍ للقلب والروح؛ الصلاة، التى غدت معراجاً يومياً لكل مؤمن، لا يعرج فيها بالجسد، بل تسمو فيها الروح فى كل ركعة وسجود. فالصلاة ليست طقساً جامداً، بل لقاء متجدد، واستعادة يومية لمعنى القرب والاطمئنان، وفى ظل صخب الحياة المعاصرة واضطراب إيقاعها وتسارع مطالبها، تبرز الصلاة كواحة سكينة، تعيد للإنسان توازنه النفسى والروحى، وتمنحه لحظة صفاء يفصل فيها عن كبد الحياة وضجيجها، ليصل بفيض الرحمة، ويستعيد بوصلته الداخلية، فيخرج إلى العالم أكثر وعياً، وأثبت قلباً، وأصفى نية، قادراً على مواصلة السير بثبات وأمل.
إنَّ إنسان الإسراء والمعراج هو ذلك الذى يعمر الأرض بيده، وتعلق روحه بالعرش، فيعيش متزناً بين متطلبات الحياة، وأشواق اليقين، وإننا مدعوون اليوم لنحول أنوار هذه الذكرى إلى طاقةِ عملٍ وبناء، فنرتقى بأخلاقنا ومعاملاتنا، ونجعل من قيم النبوة معراجاً نصل به إلى نهضةٍ حضارية شاملة، تعيد للروح مكانتها وللإنسان كرامته، ليكون بحق خليفةً فى الأرض، موصولاً بالسماء.