عندما تتحول رؤية مصر إلى جزء من السياسة الأمريكية

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

شكّلت قضية جماعة الإخوان الإرهابية -منذ عام 2013- نقطة خلاف بين القاهرة وواشنطن، عندما صنفت مصر الجماعة كمنظمة إرهابية بعد قيام ثورة 30 يونيو، وإسقاط حكم المرشد.

وفيما تبنت الإدارات الأمريكية السابقة -خاصة إدارة باراك أوباما- موقفاً أكثر تحفظاً وحذراً فى تصنيف الجماعة، يأتى قرار إدارة الرئيس دونالد ترامب ليعكس تقارباً واضحاً مع الرؤية المصرية.


ويمثل الترحيب الرسمى المصرى، عبر وزارة الخارجية، بقرار الولايات المتحدة تصنيف فروع تنظيم الإخوان فى مصر والأردن ولبنان كـ«كيان إرهابى عالمى» لحظة فارقة فى العلاقات المصرية / الأمريكية، ويمكن أن يمتد الفارق إلى السياسة الإقليمية بشكل أوسع.


هذا القرار، الذى جاء بعد سنوات من العمل الدبلوماسى المصرى، ليس مجرد تطور شكلى، لكنه يعكس تحولات عميقة فى التصورات الاستراتيجية والتحالفات الإقليمية ستنتج آثارها فى المستقبل القريب جداً جداً.


ترحيب مصر بالقرار، كما ورد فى بيان وزارة الخارجية، يعكس أكثر من مجرد تأييد لخطوة دبلوماسية، إنه اعتراف بتوافق استراتيجى نادر مع واشنطن.
وما تضمنه البيان من تأكيد على «صواب ووجاهة الموقف المصرى» يشير إلى رغبة مصرية فى توثيق هذا التقارب وتحويله إلى أساس -أو فرصة- لتعاون أوسع فى مكافحة الإرهاب.


تصنيف فروع الإخوان فى الأردن ولبنان -إلى جانب الفرع المصرى- يشير إلى نية أمريكية لتبنى مقاربة إقليمية شاملة تجاه التنظيم.
هذا القرار بلا شك ستكون له تداعياته العميقة على دول عديدة فى المنطقة، وفى بقية دول العالم -خاصة فى أوروبا- التى تتعامل مع التنظيم (الإرهابى) بدرجات متفاوتة من القبول أو التسامح.


بيان الخارجية يؤكد مجدداً الرواية الرسمية المصرية حول الإخوان: «تنظيم إرهابى قائم على العنف والتطرف والتحريض، ويستغل الدين لتحقيق أهداف سياسية»، وجاء القرار الأمريكى ليعزز الموقف المصرى فى معركته الأيديولوجية ضد التنظيم.


القرار الأمريكى يمثل ضربة لمحاولات بعض التيارات داخل دوائر صنع القرار الغربية التى طالما روّجت لفكرة «الإسلام السياسى المعتدل» الذى تمثله جماعة الإخوان.


هذا التحول يعكس انتصاراً للرواية التى تقدمها دول مهمة فى الإقليم، مثل مصر والسعودية، والتى ترى فى جماعات الإسلام السياسى تهديداً وجودياً للدولة الوطنية واستقرارها.


إشارة بيان الخارجية المصرية إلى «ثورة 30 يونيو 2013» ليست عابرة، فهى تؤسس لرواية تاريخية تربط بين قرار الشعب المصرى بإنهاء حكم الإخوان، والشرعية الدولية الحالية لتصنيفهم كإرهابيين.


هذا الربط الموفق يعزز الموقف المصرى -شعبياً ورسمياً- ويوفر سنداً دولياً، لا يمكن الاستهانة به، لسرديتها حول خطر التنظيم الإرهابى، ليس على مصر فقط، أو المنطقة العربية، وإنما على العالم كله.


ترحيب مصر بالقرار يرتبط مباشرة بتطلعها لـ«تعزيز التعاون الدولى فى مجال مكافحة الإرهاب بجميع أشكاله وصوره، وتجفيف منابعه الفكرية والمالية». التصنيف الأمريكى جاء ليفتح الباب أمام آليات تعاون أوسع فى تتبع التمويل، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنسيق الإجراءات القانونية ضد أفراد التنظيم وأنصاره عبر الحدود.

على المستوى العملى، سيؤدى التصنيف إلى تجميد أصول تابعة للتنظيم، وفرض قيود على سفر أعضائه، ومزيد من العزلة الدولية للجماعة الإرهابية.
الترحيب المصرى بالتصنيف الأمريكى للإخوان، يمثل أكثر من مجرد تفاعل دبلوماسى مع حدث عابر، إنه تتويج لمسيرة دبلوماسية استمرت سنوات، وتحول فى الموقف الأمريكى الذى طال انتظاره.


قرار إدارة ترامب يعزز التحالف الاستراتيجى المصرى - الأمريكى فى مرحلة حرجة من تاريخ المنطقة، ويعطى شرعية دولية للرواية المصرية حول صراعها مع التنظيم الإرهابى المستمر حتى لحظة كتابة هذا المقال.

والمرحلة القادمة ستكشف إن كان هذا القرار سيشكل منعطفاً حقيقياً فى السياسة الأمريكية تجاه جماعات الإسلام السياسى، أم أنه سيظل محكوماً بالتقلبات السياسية الداخلية فى واشنطن.


ولكن المؤكد أن مصر نجحت، بعد صبر ومثابرة، فى تحويل رؤيتها للأمن القومى إلى جزء من السياسة الأمريكية فى المنطقة، وهذا فى حد ذاته إنجاز دبلوماسى له ثقله، يحسب ضمن إنجازات الدولة فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى.