كرة القدم في الشمس والظل
فى الأسابيع الماضية عِشنا مع كرة القدم والساحرة المستديرة من خلال منتخب مصر فى كأس أبطال أفريقيا، الحماس الذى رأيته، والانصهار الذى لمسته فى الشعب المصرى، كان كالبركان الذى كنت تظنه قد خمد، فعاد ليقذف بالحمم.
وبعيداً عن مدى الإحباط الذى حدث بعد خروجنا من نصف النهائى، فهذا كتبت فيه وستكتب آلاف المقالات والتحليلات، حاولت فك شفرة هذا العشق الجنونى لتلك اللعبة، لم أجد أفضل من أديب أوروجواى الشهير إدواردو غاليانو فى كتابه الرائع، كرة القدم فى الشمس والظل، لكى أنفض عنه تراب رفوف مكتبتى، وأعيد قراءته، لكى أحل اللغز، ليست كرة القدم، فى نظر إدواردو غاليانو، مجرد لعبة تُلعَب بالأقدام، ولا بطولة تُحصَد فيها الكؤوس، بل هى فن إنسانى كامل، له لغته، وجمهوره، وذاكرته، وانكساراته.
فى كتابه «كرة القدم فى الشمس والظل» يكتب غاليانو عن المستطيل الأخضر كما لو كان مسرحاً كبيراً تُعرَض عليه أعظم مشاعر البشر: «الفرح، الخوف، الخيانة، الأمل، والانتماء»، كرة القدم عنده جمال قبل أن تكون نتيجة.
يرى غاليانو أن كرة القدم وُلدت كاحتفال بالجسد والخيال، لا كحساب رياضى للأهداف، اللاعب المبدع، فى نظره، ليس من يركض أكثر، بل من يرى ما لا يراه الآخرون، من يخلق لحظة جمال عابرة تُدهش الآلاف فى المدرجات والملايين خلف الشاشات.
لكن المأساة، كما يصفها، أن اللعبة كلما اقتربت من عالم المال، ابتعدت عن روحها الأولى، وتحولت من فن حر إلى صناعة صارمة تُعاقِب الخيال وتكافئ الانضباط الأعمى، اللاعب عنده فنان لا موظف، فى عالم غاليانو، اللاعب الحقيقى هو فنان شارع دخل الملعب، لا يتبع كتيب تعليمات، بل يستجيب للحدس، ولإيقاع اللحظة.
المراوغة ليست خدعة تقنية، بل فعل تمرد، والتمريرة الذكية ليست مهارة فقط، بل فهم عميق للجماعة، لهذا يأسف غاليانو على زمن صار فيه اللاعب «موظفاً» يخشى الخطأ أكثر مما يحلم بالدهشة، الجمهور عنده هو الشريك الخفى فى العمل الفنى، كرة القدم، كأى فن، لا تكتمل دون جمهور، لكن جمهور غاليانو ليس متفرّجاً سلبياً، بل شريك فى المعاناة والفرح.
الجمهور يلعب من المدرجات، يتألم مع كل فرصة ضائعة، ويحتفل وكأنه هو من سجل الهدف، هنا تتحول المباراة إلى طقس جماعى، أشبه بطقس مسرحى أو دينى، يُعيد للإنسان شعوره بالانتماء وسط عالم فردى قاسٍ، بين الشمس والظل عنوان عبقرى.
اختار غاليانو عنوان كتابه بدقة: «الشمس والظل»، الشمس هى لحظات الإبداع الخالص، الهدف الجميل، المباراة التى تُحكى بعدها كقصة أسطورية، أما الظل، فهو الفساد، والاتجار بالأحلام، وتحويل اللاعبين إلى سلع، والجماهير إلى مستهلكين.
الكتاب لا يُمجِّد كرة القدم بلا نقد، ولا يجلدها بلا حب، بل يراها كما هى مرآة للعالم، بكل تناقضاته، يتحدّث فى كتابه عن كرة القدم كذاكرة إنسانية، فيه تصبح كرة القدم ذاكرة جماعية، مباراة قديمة قد تعنى أكثر من حدث سياسى، وهدف منسى قد يكون أكثر صدقاً من خطاب رسمى.
لأن الإنسان، فى النهاية، لا يتذكر الأرقام بقدر ما يتذكر المشاعر، كرة القدم عند إدواردو غاليانو ليست لعبة تُفهم بالعقل وحده، بل تُعاش بالقلب، هى آخر الفنون الشعبية الكبرى فى زمنٍ يضيق فيه الخيال، ومساحة نادرة لا يزال الإنسان فيها قادراً على الحلم الجماعى، وربما لهذا السبب تحديداً، تستحق كرة القدم أن يُدافَع عنها، لا كرياضة فقط، بل كفن إنسانى مهدَّد بالانقراض والتحول إلى سلعة، رقم فى بورصة، صراع مافيات، سيطرة فساد.