القتل بالصمت

كاتب صحفي

لا أكاد أنظر إلى «سارة» حتى أشعر بالفزع، ليس فقط لأنه تم تجويعها حتى الموت، ولا لأنه قد جرى «ربطها» بجنازير من حديد، وإبقائها فى غرفة رطبة مع ملابس خفيفة صيفاً وشتاءً لأكثر من عام، مع إجبارها على قضاء حاجتها فى موضعها، ولا لأنها ماتت بعدما تعفّنت أحشاؤها وهى على قيد الحياة -هل تتخيل مقدار الألم؟- غارت عيناها، وخفتت قدرتها على التفكير، وتوقفت أعضاؤها عن العمل، هذه كلها أمور مفزعة ومخيفة تعتصر القلب والروح معاً، لكن الأفظع بشأن ما جرى مع فتاة قنا لم يتحدّث عنه أحد تقريباً.. إليك ما هو أسوأ من كل ما ذكرته للتو!

لا بأس أن تكون مجرماً، فلكل جريمة عقاب، ولكل خطأ عاقبة، لكن الأفظع من الخطأ أن يوافقك الناس، أن يشهدوا جريمتك ثم يشيحوا بوجوههم كأنهم لم يروا شيئاً، الأكثر إجراماً من الأب القاتل، كل هؤلاء الشهود الصامتين، الزوجة التى عاشت بصحبة فتاة جميلة تم تجفيفها على مدار عام كامل عن عمد، أتساءل: كيف كانت تتناول طعامها بينما الصغيرة تأن فى محبسها؟ أتساءل عن تلك اللحظات تحديداً، حين ترتفع رائحة القدح والقلى والسلق والتسوية فى البيت، دجاج ربما، أو حتى طعمية مقلية.. تلك روائح لا يقاومها الشبعان فكيف لفتاة مقيّدة بالسلاسل أن تحتملها؟، وكيف لامرأة تعلم أن «إنساناً» مثلها ومثل أبنائها، يموت ببطء شديد فى الأسفل، بينما هى وأبناؤها يأكلون ويشربون، يتدثرون بأكثر من غطاء هرباً من برودة الجو، وينامون بطمأنينة ملء جفونهم، كأن شيئاً شاذاً لا يجرى على بعد أمتار لأسفل؟!


أتأمل ما جرى مرة بعد أخرى، فأجد مزيداً من الشهود الصامتين، أحاطوا جميعاً بفتاة فعلت كل ما بوسعها للنجاة، ولكن أحداً لم يمد يده للمساعدة، شابة جميلة جداً من الداخل والخارج، قوية وشجاعة، تلك هى الخسارة الحقيقية.. الموجع حقاً أن تخسر شخصاً بمثل تلك الصفات، شخصاً حاول بكل ما أوتى من قوة وضعف أن ينجو، أبلغت الشرطة من قبل بشأن ذلك الرجل الذى يمارس ضدها العنف، أثبتت ما لحق بها، وصدر بحقه حكم، لكن الشهود الصامتون فجأة تكلموا: «عيب يا بنتى»، «هتحبسى أبوكى؟»، «الصلح خير»، «إديله فرصة تانية»، وغير ذلك من الجمل التى تبدو مقنعة جداً كى تصل إلى تلك النقطة، «التنازل» و«التسليم» لشخص تم إثبات إجرامه بالفعل.

القلوب الشجاعة تملك مساحة للفرص الثانية، والمحبة والرغبة الصادقة فى التغيير، لكن القلوب المجرمة لا تحمل سوى الكراهية والغل والرغبة فى الانتقام، أدركت الشابة الشرك الذى وقعت فيه لاحقاً، وأن كل هؤلاء الشهود الصامتين الذين تحدّثوا عن «الأصول» و«الواجب» وما يجب أن يكون تركوها وحدها فى مواجهة «رجل مجرم»، لم يوفِّ أى منهم بالضمانات التى قطعوها على أنفسهم أمام فتاة بلا حول ولا قوة.


هربت، ونامت على الأرصفة، لكن «أهل الخير» أعادوها للرجل الذى أراد أن يتخلّص من ذلك كله إلى الأبد، أتساءل بصدق، إن كانت زوجة الأب قد ارتضت ما جرى بحق الفتاة، ألم يرق لها قلب إخوتها الصغار؟ حسناً، ألم يسمع أحد من الجيران على مدار عام كامل، استغاثاتها المريرة لأكل رغيف عيش؟ لقد كانت بالدور الأرضى، لا يفصلها عن مئات المارة بالشارع سوى نافذة خشبية بالية، ألم تشعر والدتها بقليل من القلق بشأن ابنتها الجميلة تلك التى لم تعرف عنها شيئاً طوال ذلك الوقت؟ كل هؤلاء شاهدوا موت الفتاة وصمتوا، أعطوها ظهورهم ولم يحاولوا فى كل مرة إلا أن يعيدوها من جديد إلى النقطة ذاتها..
لا أتوقف عن تأمل صورتها قبل وبعد، أتوقف فى كل مرة أمام تفصيلة جديدة، لا يستر جثتها سوى «فستان» صيفى خفيف، كانت ترتديه فى صورة سابقة لها، فستان واحد لا يصد برد القرى القارس، ولا يحمى من صقيع الأرض التى تفترشها من دون أغطية أو فرش، ولا يحجز عن أطرافها المتعبة برد الجنازير.. صنوف مريرة من العذاب رأتها تلك الشابة، أتساءل معها حقاً: كيف يمكن أن يواصل كل من أسهم فى موتها، بصمته وخذلانه، حياته مرة أخرى؟