يسرا زهران تكتب: أوروبا تتنبأ بالضربة الروسية القادمة.. إستونيا ٢٠٢٨ (الحلقة الثانية)

كتب: محرر

يسرا زهران تكتب: أوروبا تتنبأ بالضربة الروسية القادمة.. إستونيا ٢٠٢٨ (الحلقة الثانية)

يسرا زهران تكتب: أوروبا تتنبأ بالضربة الروسية القادمة.. إستونيا ٢٠٢٨ (الحلقة الثانية)

خبير ألماني يرسم سيناريو الحرب الروسية الثانية ضد حلف «الناتو» بعد أقل من عامين على انتهاء حرب أوكرانيا

على الرغم من أن ملف الحرب الأوكرانية - الروسية ما زال مفتوحاً ومطروحاً على طاولة المفاوضات وفي ساحات المعركة، فإن أوروبا تحاول تجهيز نفسها للحرب التالية، إذ بات هذا الهاجس يسيطر على الدوائر الدفاعية والأمنية في دول حلف «الناتو»، انطلاقاً من قناعة بأن «موسكو» لن تكتفي بمكاسبها في الحرب الأوكرانية، وأن روسيا، حتى لو تخلى رئيسها الحالي «فلاديمير بوتين» بإرادته عن الحكم، لن تتخلى عن طموحها في استعادة نفوذها القديم عبر ضم أراضٍ أوروبية جديدة إليها، حتى وإن كانت ضمن أعضاء الحلف، ويُعد «كارلو ماسالا» خبيراً أمنياً ألمانياً وأستاذاً يدرّس السياسات الدولية في جامعة «ميونيخ» التابعة للقوات المسلحة الألمانية «البوندسفير»، وقد شغل سابقاً منصب مدير مركز الدراسات الأمنية والاستخباراتية في الجامعة الفيدرالية للقوات المسلحة في «ميونيخ» الألمانية، كما تولى من قبل منصب نائب مدير قسم الأبحاث في كلية الدفاع التابعة لحلف شمال الأطلسي في العاصمة الإيطالية «روما»، وصدر له مؤخراً كتاب بعنوان «لو انتصرت روسيا»، تخيل فيه سيناريو قريباً مما يحدث حالياً على أرض الواقع، تميل فيه كفة الحرب الأوكرانية لصالح روسيا، ويعيد فيه العالم حساباته بناءً على هذا الأساس.

يسرا زهران

روسيا تربك أوروبا بتهريب آلاف المهاجرين الأفارقة إلى سواحل المتوسط لإبعادها عن بحر البلطيق

وفى الكتاب الذى حقق مبيعات هائلة منذ صدوره فى أوروبا، تخيل الخبير الألمانى أن الرئيس الروسى «فلاديمير بوتين» سيقوم بخطوة مفاجئة بعد انتهاء الحرب، يعلن فيها استقالته وانسحابه من دائرة الضوء، ويختار بنفسه خليفته: رئيس شاب لا يتجاوز الأربعينات من العمر، وخبير اقتصادى دولى درس فى بريطانيا وعمل فى «دبى»، يبدو كصورة مناقضة له وللصورة المعتادة للدوائر الأمنية والعسكرية الروسية، منفتح على العالم، يشع بالتفاؤل والذكاء والكاريزما، ويعلن استعداده للحوار وللتوصل لسلام مع دول حلف «الناتو» فى توجه يبدو مختلفاً تماماً عن توجه من سبقه.

الهدف الروسى من حرب إستونيا هو كشف انقسام «الناتو» على نفسه وإثبات عجزه عن التحرك والرد

وتلتقط أوروبا أنفاسها قليلاً ولو بأمل خادع يحمله لها الرئيس الروسى الجديد، قبل أن تكتشف أن الرئيس الجديد والقديم وجهان لعملة واحدة!

ما يبدو عليه المشهد فى السيناريو الذى وضعه الخبير الألمانى لمرحلة ما بعد الرئيس الروسى الحالى، هو أن العالم يراقب بمزيج من الترقب والأمل ما يمكن أن يقوم به خليفة «بوتين». الرئيس الروسى الجديد الذى تخيله السيناريو الألمانى وأطلق عليه اسم «أوليج أوبمانشيكوف»، لا يتوقف عن تقديم المقترحات التى تهدف إلى خفض التوتر بين روسيا والغرب. كل كلمة يقولها وكل مقابلة إعلامية يقوم بها يحللها الخبراء على الهواء مباشرة أو فى الدوائر الأوروبية المغلقة، وأغلبهم يتفق على أنها تعطى الانطباع بأنهم مقبلون على حقبة جديدة، تلملم فيها كل من أوروبا وروسيا جراحهما، بعد الإنهاك الشديد الذى أصاب الجانبين فى أعقاب الحرب الأوكرانية.

هذه هى الصورة المشرقة البراقة التى يقدمها الرئيس الروسى الجديد لأوروبا تلبية لأحلامها. لكنه على أرض الواقع، يتحرك فى صمت ودهاء لا يقل عن دهاء سلفه، نحو الجانب المظلم، والأكثر خطورة من القمر.

الحرب الروسية القادمة تبدأ بتحرك محدود لضم بلدة صغيرة فى إستونيا مع الاستعداد للانسحاب الفورى لو تحرك «الناتو» بشكل حاسم

فى روسيا، تنعقد اجتماعات لخبراء من طراز آخر، لا يحللون فيها الأحداث على الهواء مباشرة لكنهم يحركونها من الغرف المحصنة تحت الأرض. تخيل «ماسالا» أن دائرة المقربين الجديدة التى ستحيط بـ«أوبمانشيكوف» سوف تتكون من جنرال سابق، يحظى بثقة الرئيس الجديد يحتل منصب كبير الموظفين فى الإدارة الرئاسية الروسية، ومعه جنرال آخر اكتسب خبرة كبيرة فى الحرب الأوكرانية الأخيرة، يشغل منصب القائد العام الجديد للقوات المسلحة الروسية، بالإضافة طبعاً لقادة المخابرات العسكرية والأجهزة الأمنية الداخلية الروسية. إلا أن أهمهم سيكون أحد المقربين من الرئيس الروسى السابق «فلاديمير بوتين»، اختار السيناريو الألمانى أن يطلق عليه اسم «إيجور بالاشوف».

«إيجور بالاشوف» الذى تخيله هذا السيناريو، هو صاحب شركة خاصة للأمن، تتولى تنفيذ مهام عديدة حول العالم لصالح روسيا. وأمامه، يعلن الرئيس الروسى الجديد أن هدف هذه المجموعة هو إيجاد أفضل الأساليب والطرق للاستمرار فى المسار الذى وضعه «بوتين» من قبله.

تلك هى النقطة التى يدرك فيها الجميع فى روسيا أن الرئيس الروسى الجديد الذى اختاره «بوتين» بنفسه قبل استقالته الطوعية، هو امتداد طبيعى للرئيس السابق، لا يختلف عنه إلا ظاهرياً. يقدم لأوروبا الوجه المفعم بالأمل واللسان المعسول الغارق فى وعود السلام، فى الوقت الذى يفرد فيه خريطة العالم من جديد على طاولة الحرب، تمهيداً لكى تكتسب روسيا مزيداً من التوسع والنفوذ.

«أوبمانشيكوف» يدرك، كما أدرك «بوتين» من قبله، أن الاقتصاد الروسى قد لا يتحمل الدخول فى حرب جديدة تمتد لأكثر من ثلاثة أعوام كما حدث فى حرب أوكرانيا. لكن هذا لا يمنع أن الهدف الأهم بالنسبة لـ«موسكو» فى المرحلة التالية لـ«بوتين»، سيظل متركزاً على توسيع دائرة نفوذها فى محيطها المباشر، حتى ترسل للكل رسالة واضحة، مفادها أن روسيا تقف على قدم المساواة، ليس فقط مع الولايات المتحدة. وإنما أيضاً مع الصين.

يكشف «ماسالا» هنا عما تأمل أوروبا أن تكون عليه العلاقات الروسية - الصينية فى واقع الأمر: أنه على الرغم من البيانات الرسمية الودية المتبادلة، التى لا تكف عن الحديث عن مدى عمق وصلابة الصداقة التى تربط بين البلدين، إلا أن ما يجرى على الأرض من وجهة نظر الآمال الأوروبية شىء آخر. هو أن روسيا منذ الحرب الأوكرانية قد تم تقليص مكانتها أمام الصين لتصبح هى «الشريك الأصغر» فى علاقتها مع القوة الآسيوية العظمى الجديدة. ويقول «ماسالا»: «إن العقوبات الغربية قد أصابت الاقتصاد الروسى بأضرار بالغة، جعلته شديد الاعتماد على الواردات الصينية، بينما تسارع الشركات الصينية لملء الفراغ الذى تركه انسحاب الشركات الغربية من روسيا. هناك أيضاً المفاوضات التى كانت دائرة لتوصيل الغاز الروسى إلى الصين عبر خط أنابيب «سيبيريا-٢»، وعلى الرغم من أن هذه المفاوضات قد انتهت بالتوصل إلى صفقة، فإن الجانب الصينى قد نجح فى أن توصل روسيا الغاز إليه بأسعار مخفضة نسبياً، بما يصب فى صالحه.

هذا «الإسفين» العابر الذى يحاول «ماسالا» أن يدقه فى كتابه بين روسيا والصين، لا يمنع الدائرة العسكرية المحيطة بالرئيس الروسى الجديد، من إدراك نقاط ضعف أكثر خطورة على طرف المواجهة المباشر المقابل لها، وهو حلف «الناتو».

إن الهدف الفعلى للاستراتيجية الروسية الجديدة فى مرحلة ما بعد «بوتين» وفقاً لـ«ماسالا» هو توسيع النفوذ الروسى من دون أن تتطور الأمور لمواجهة مفتوحة مع حلف «الناتو» أولاً. صحيح أن روسيا ستنجح فى إعادة بناء وهيكلة قواتها المسلحة بعد الحرب الأوكرانية بشكل سريع، إلا أنها ستظل أقل من حلف «الناتو» فى العديد من القطاعات، ولا يمكنها أن تجازف بالدخول فى مواجهة مفتوحة يتحرك فيها الحلف ضدها بشكل حاسم وسريع.

لكن حلف «الناتو» من ناحية أخرى، يواجه تحديات من طراز مختلف، ليس أقلها تلويح الحليف الأمريكى القوى بتقليل إنفاقه العسكرى عليه ومطالبته للدول الأوروبية بأن تزيد من إنفاقها الدفاعى وتعتمد أكثر على نفسها لحماية أراضيها من التوسع الروسى. ينقل «ماسالا» وجهة نظر أحد القادة الروس فى سيناريو كتابه المتخيل قائلاً: «إن الغرب يعانى من نقاط ضعف عديدة. أولها أن جهوده لبناء وتسليح جيوشه قد وصلت إلى نقطة ميتة أكثر من مرة (مع تردد قياداته والعراقيل التى يواجهونها داخلياً ضد زيادة الإنفاق الدفاعى بالقدر المطلوب للجيوش الأوروبية). وثانيها أنه لا الدوائر السياسية المؤثرة فى صنع القرار ولا الرأى العام للشعوب الغربية، لديهم استعداد لأن يدفعوا مجدداً ذلك الثمن الفادح الذى تكبدوه من جرَّاء مساندتهم لأوكرانيا. وأخيراً، فإن الخوف من لجوء روسيا إلى التصعيد النووى يظل مرتفعاً للغاية، خاصة فى دول «أوروبا القديمة» والولايات المتحدة، أكثر من دول شرق أوروبا. إلا أن الأخيرة لن تقدر وحدها على الدفاع عن قطعة صغيرة من أراضى دولة من دول الحلف لفترة طويلة لو تعرضت لهجوم».

وهنا يعلن «بالاشوف»، المقرب من «بوتين» فى سيناريو «ماسالا» التخيلى، عن الهدف الذى ستتركز عليه الاستراتيجية الروسية القادمة فى مرحلة ما بعد الحرب الأوكرانية: التركيز على قطعة صغيرة من أرض دولة من دول أوروبا «الصغيرة»، يكون الهدف السياسى الأهم فيها هو أن ينكشف الغرب أمام نفسه، مدركاً عجزه عن الرد أو التحرك ضد روسيا. هذا وحده يمكن أن يسبب انقسامات داخلية وأضراراً بالغة داخل حلف «الناتو» نفسه. ولو انقسم الحلف على نفسه، فستكون روسيا قد حققت النجاح الذى تنشده. ثم يطرح «بالاشوف» السؤال الأهم: كيف يمكن تحقيق هذا التحرك من دون تكرار نفس أخطاء أوكرانيا، ولا تكرار نفس استراتيجيات الحشد العسكرى التى قامت بها «موسكو» قبل انطلاق «العملية العسكرية المحدودة» ضد «كييف» فى ٢٠٢٢، والتى سينتبه الغرب إليها هذه المرة مبكراً؟ كيف يمكن تحقيق ذلك التحرك من دون أن ينتهى الأمر بهزيمة روسية ساحقة أو حتى باندلاع الحرب العالمية الثالثة؟

هنا يقدم أحد القادة الروس فى سيناريو «ماسالا» اقتراحاً استلهمه من تحرك مشابه لقوات ألمانيا النازية فى عهد «أدولف هتلر» (لا يفوت «ماسالا» فرصة للتلميح بتشابه الطموح الروسى مع الطموح النازى) تبدأ فيه روسيا تحركاً محدوداً لا يهدف إلا إلى اختبار مدى استعداد وجدية دول حلف «الناتو» للتحرك والرد. يكون هذا التحرك مصحوباً منذ البداية برسائل معلنة، تؤكد بوضوح ومنذ البداية، أن القوات الروسية لن تتقدم بأكثر من مساحة صغيرة ومحدودة داخل أرض دولة من الدول «الصغرى» فى حلف «الناتو»، وأنه ليس لديها طموح فيما وراء هذه القطعة المحدودة. وأغلب الظن، من وجهة النظر الروسية، أن «الناتو» لن يتحرك لاستنزاف أمواله وأعصابه وموارده للدفاع عن هذه القطعة التى لا تعنى الكثير، لكن، لو حدث العكس وكانت هناك استجابة سريعة وتحرك مباشر من حلف «الناتو» ضد التحرك الروسى، «فما علينا إلا إلغاء العملية والانسحاب سريعاً من الأراضى التى تم الاستيلاء عليها لحفظ ماء الوجه» كما يقول اقتراح القائد الروسى فى سيناريو «ماسالا».

ويلقى الاقتراح قبولاً من القادة المجتمعين الذين يدركون أنهم لا يمكنهم الانتظار كثيراً حتى تنتهى مرحلة إعادة بناء القوات الروسية بعد إنهاك الحرب الأوكرانية، لأن هذا يمنح دول حلف «الناتو» فرصة مماثلة لإعادة بناء نفسها من أجل تحرك موحد ضد روسيا.

يقول «ماسالا» إن هناك انقساماً فى أوروبا، ما بين السياسيين والعسكريين الغربيين حول الضربة الروسية القادمة. يخشى الخبراء العسكريون فى مختلف العواصم الأوروبية أنه فى حالة اندلاع صراع جديد مع روسيا، فإن الفوارق والفجوات الكبيرة فى القدرات العسكرية ما بين الجيوش الأوروبية والجيش الروسى ستجعل من الصعب الدفاع عن أراضى دول حلف «الناتو» دون دفع ثمن فادح لذلك، وأن هذا الضعف الواضح فى الحلف يمكن أن يشجع «موسكو» على القيام بعملية عسكرية محدودة جديدة ضده.

إلا أن هذه التحذيرات التى تصدر غالباً من الأوساط العسكرية الأوروبية، تتعرض للرفض والتسفيه الحاد أحياناً من جانب القيادات السياسية الأوروبية. هؤلاء القادة السياسيون فى أوروبا يراهنون على صمود قدرات الردع العسكرية الحالية لحلف «الناتو»، وأن الركود الاقتصادى السائد حالياً فى عديد من دول الحلف يجعل من شبه المستحيل إقناع الشعوب الأوروبية بأهمية زيادة الإنفاق العسكرى الدفاعى للحلف أو بالتقليل من الإنفاق الحكومى على الخدمات العامة والمعاشات والإعانات لصد الطموح الروسى، على الرغم من أن دول البلطيق ودول وسط أوروبا تظل صاحبة النصيب الأكبر من الخوف من التهديد الروسى المرتقب، إلا أن نفس تلك الأصوات السياسية تظل تردد أن القوات المسلحة الروسية بعد حرب أوكرانيا ما زالت تحتاج ما بين أربع إلى ست سنوات على الأقل لإعادة بناء نفسها، إن لم يكن أكثر.

لكن القوات الروسية فى سيناريو «ماسالا» لا تحتاج لأكثر من عامين أو ثلاثة بعد أن تضع الحرب الأوكرانية أوزارها لكى تطلق ضربتها الجديدة «المحدودة» ضد حلف «الناتو». وتصبح النقطة التى وقع عليها الاختيار للضربة الروسية القادمة، واختبار القوة الجديد بين «موسكو» ودول حلف «الناتو»، هو إحدى دول البلطيق، وتحديداً «إستونيا»، فى فبراير ٢٠٢٨.

وعلى الرغم من أن الهدف هو «إستونيا»، فإن التحرك الروسى الأول فى هذه الحرب الجديدة يبدأ من بعيد. من «مالى» فى قلب قارة أفريقيا. والجيش الأول الذى يربك حسابات أوروبا لا ينتمى للقوات الروسية، لكنه يتكون من آلاف المهاجرين.

هذه هى الحركة الاستراتيجية الأولى التى يتوقع «ماسالا» أن تطلق بها روسيا ضربتها الثانية ضد حلف «الناتو». ففى فبراير من عام ٢٠٢٨ كما يتوقع السيناريو الألمانى، تتحرك قوات من المرتزقة أو من القوات الروسية الموجودة فى مناطق الاضطرابات فى أفريقيا مثل مالى، لحشد آلاف المواطنين الأفارقة ونقلهم عبر طرق الهجرة غير الشرعية ليتدفقوا بالآلاف على دول جنوب البحر المتوسط فى أوروبا. قد تصل هذه الأعداد إلى ٥٠٠ مهاجر أفريقى فى اليوم الواحد إلى مالطة وحتى إلى جزر الكنارى، كطريق بديل للهجرة غير الشرعية لأوروبا، بعد أن صارت السواحل الإيطالية تحت سيطرة محكمة. فى الوقت نفسه، تبدأ أوروبا تلاحظ أن السفارات الروسية والبيلاروسية فى دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط قد عادت لإصدار تأشيرات جماعية لمواطنين من سوريا والعراق والسودان ومعهم تذاكر طيران إلى «موسكو» و«مينسك» بأسعار مخفضة، ويعيد هذا إلى الأذهان ما فعلته بيلاروسيا حليفة «موسكو» فى ٢٠٢١ عندما حاولت تهريب آلاف اللاجئين إلى بولندا قبل اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام ٢٠٢٢.

هدف هذا التحرك باختصار هو «شغل» القوات الأوروبية، خاصة دول فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، وهى دول المواجهة فيما يتعلق بالهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، بالإضافة إلى ألمانيا التى تلعب دوراً محورياً فى هذا الملف، فى محاولة صد هذا التدفق المفاجئ من اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين عبر البحر المتوسط. ولتنفيذ ذلك، تضطر ألمانيا لسحب قواتها البحرية الموجودة لحماية بحر البلطيق والدول الواقعة عليه، وعلى رأسها إستونيا التى لا يعرف أحد بعد أنها ستكون هدفاً للضربة الروسية القادمة.

كل ما يشغل أوروبا فى تلك اللحظات، خاصة ألمانيا هو ألا يعود عدد اللاجئين فيها إلى الازدياد، بعد أن نجحت فى تقليص أعدادهم بشكل عام، والسوريين بشكل خاص بعد سقوط نظام «بشار الأسد».

ثم تبدأ روسيا تحركها على الأرض نحو إستونيا. ذلك التحرك المحدود الأقرب إلى «جس النبض» لما يمكن أن يقوم به حلف شمال الأطلسى.

تصور «ماسالا» بشكل منطقى أن الأقمار الصناعية العسكرية الأمريكية ستكون أول ما يرصد هذا التحرك. التقارير الواردة للرئيس الأمريكى تؤكد أن هناك وحدات روسية فى طريقها إلى «نارفا»، وهى بلدة صغيرة فى إستونيا، وأن الأسطول الروسى فى بحر البلطيق يتحرك بشكل يوحى بأن هناك عملية على درجة متوسطة من القوة على وشك الانطلاق. ويكون التقدير الأمريكى بواسطة القيادات العسكرية وقيادات المخابرات المركزية، أنهم يواجهون على الأرجح هجوماً روسياً «محدوداً» على دولة من دول حلف «الناتو». حتى تلك اللحظة لا يوجد ما يشير إلى تحركات موسعة للقوات الروسية بشكل يوحى بغزو شامل أو بعملية عسكرية واسعة، لكن أحداً لا يعرف أبداً أى مفاجأة تحملها روسيا للعالم.

تلك اللحظة التى ترى فيها الولايات المتحدة تحركاً جديداً من روسيا ضد واحدة من دول حلف «الناتو»، وقرارها بالتحرك أو عدم التحرك، هو ما يجعل أوروبا تجلس على أعصابها طوال الوقت. بدون الحليف الأمريكى يفقد حلف «الناتو» الجزء الأكبر من قدراته العسكرية فى مواجهة روسيا. والرئيس الأمريكى فى سيناريو «ماسالا» يبحث خيارات المواجهة لما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة فى هذا الموقف.

هناك ما يقرب من ٧٠٠ جندى أمريكى متمركزين فى إستونيا، يمكن للولايات المتحدة نشرهم لاستعادة السيطرة على المنطقة «المحدودة» التى تتحرك القوات الروسية نحوها. يمكن أن ينضم لهؤلاء الجنود الأمريكان ما يقرب من ١٧٠٠ جندى من قوات حلف «الناتو» لمواجهة أى تهديد روسى فى تلك المنطقة. قد يكون النصر حليفهم، إلا لو قررت روسيا إرسال مزيد من التعزيزات العسكرية ولجأت لاستخدام سلاح الجو لديها وإطلاق صواريخها ضد تلك القوات الأمريكية والأوروبية.

لو أطلقت روسيا صواريخها أو جعلت سلاح الجو لديها ينخرط فى المعركة، فسيعنى ذلك الدخول فى مواجهة عسكرية مباشرة مع حلف «الناتو». ولن يكون أمام الولايات المتحدة، لو أنها شاركت فى هذا التحرك، إلا توجيه ضربات صاروخية بدورها لأهداف محددة فى روسيا، حتى تمنعها من إرسال مزيد من التعزيزات إلى قواتها فى إستونيا، أو إطلاق صواريخ باليستية على العواصم الأوروبية.

الرئيس الأمريكى يرفض المجازفة بحرب عالمية ثالثة بسبب بلدة صغيرة من دول حلف «الناتو» ويكتفى بتحريك الأسطول الثانى فى بحر البلطيق كإنذار

وهنا تصل النتيجة الحتمية المنطقية للرئيس الأمريكى: أن التحرك فى هذا الاتجاه يعنى اندلاع الحرب العالمية الثالثة!

هنا سيكون الموقف الأمريكى فى حالة هجوم روسيا على دولة من دول حلف «الناتو» وفقاً لما يراه «ماسالا»، أن تكتفى بتحريك الأسطول الأمريكى الثانى نحو منطقة بحر البلطيق، وأن تضع جزءاً من قواتها المسلحة فى حالة من التأهب القصوى، لإرسال رسالة للروس تؤكد أنهم مستعدون لكل الاحتمالات. فى الوقت الذى سيتواصل فيه الرئيس الأمريكى مع حلفائه الرئيسيين الكبار فى حلف «الناتو» قائلاً لهم بوضوح إنه لن يجازف بإشعال حرب عالمية ثالثة من أجل بلدة صغيرة فى إستونيا، لكنه مستعد للضغط على روسيا حتى تسحب قواتها.

وهكذا أصابت روسيا فى توقعاتها ورهانها بأن القوة العظمى الأولى فى حلف «الناتو» لن تحرك قواتها لإشعال حرب عالمية ثالثة رداً على تحرك روسى «محدود». وتبدأ بعدها الدائرة المفرغة التقليدية من اجتماعات لا تنتهى داخل أروقة حلف «الناتو»، ومطالبات لروسيا بتوضيح موقفها ودوافعها لتحركها نحو إستونيا، والردود الروسية المتوقعة التى يتم تجهيزها مسبقاً من أن هذا التحرك يستهدف حماية الأقليات الروسية فى إستونيا، التى لم تبذل الحكومة هناك ما يكفى لحمايتهم، وأنها لا تفعل أكثر من التدخل للحفاظ على هويتهم وحقوقهم. وكلها ردود روسية تبرر من وجهة النظر الأوروبية الطموح التوسعى لموسكو لاستعادة مناطق نفوذ الاتحاد السوفيتى السابق من حولها تدريجياً، بينما يغرق حلف «الناتو» أمامها فى حسابات الرد أو عدم الرد. وهذا هو ما سيدفع روسيا نحو الخطوة التالية الأكثر جرأة فى حربها الثانية ضد حلف الناتو، بعد أن تلمس ارتباكه فى الرد على تحركها «المحدود» ضد بلدة صغيرة فى إستونيا، فتبدأ فى توجيه ضربات حاسمة للدول الكبيرة فى حلف الناتو، وتحديداً الدول ذات الثقل العسكرى فيه: بريطانيا وألمانيا.

وهنا ستبدأ مرحلة «الحرب الهجينة» أو الحرب المختلطة التى ستتعدد فيها أشكال الضربات والهجمات التى ستطلقها روسيا ضد حلف «الناتو». وهو أسلوب جديد لم تنتهجه «موسكو» من قبل فى مواجهاتها مع أوروبا، يربك حساباتها، ويشتت جهودها، ويجعل الصين تدخل على خط المواجهة لشغل الحليف الأمريكى فى آسيا وتوجيه أنظاره بعيداً عن مناطق المواجهة المشتعلة فى أوروبا.

لكن هذه قصة أخرى.


مواضيع متعلقة