وليد خيري يكتب: العملاق.. فيلم من الوزن الثقيل

كتب: editor

وليد خيري يكتب: العملاق.. فيلم من الوزن الثقيل

وليد خيري يكتب: العملاق.. فيلم من الوزن الثقيل

العملاق.. فيلم من الوزن الثقيل

وليد خيري

في عالم السير الذاتية السينمائية، تقع المعركة الكبرى عادة خارج إطار الشاشة، هي معركة بين ما حدث بالفعل وبين ما يقتضيه الفن، إن قراءة متأنية لهذا العمل تكشف لنا عن جوهرة سينمائية لامعة، فنحن أمام عمل لا يكتفي بسرد قصة صعود الملاكم الأسطوري نسيم حميد، بل يعيد تشكيلها ليطرح أسئلة وجودية حول الأبوة، والغرور، وثمن العظمة، مقدما سيناريو شديد الذكاء والتكثيف، راهن على "الحلبة" كمجاز للحياة بأسرها، وتجاوز فخاخ الملل التي تقع فيها أفلام السيرة الذاتية عادة عبر التركيز على الجوهر النفسي للصراع بدلا من التشتت في التفاصيل الحياتية الهامشية، ليمنحنا في النهاية تحفة بصرية وأدائية تعلن وبقوة عن ميلاد نجم عالمي من طراز رفيع هو أمير المصري، الذي لم يتقمص شخصية "البرنس" فحسب، بل ابتلعها وأعاد تصديرها للعالم بنضج فني مذهل.

إن أول ما يثير الإعجاب في هذا الشريط السينمائي هو قراره الجريء والاقتصادي في ذات الوقت، والمتمثل في اختزال حياة نسيم حميد الصاخبة وحصرها بين الحبال الأربعة للحلبة، فباستثناء ومضات عابرة، تكاد تكون خطفا، لحياته الشخصية وقصة زواجه وإنجابه التي مرت كطيف سريع في الخلفية، قرر السيناريو بوعي حاد أن "نسيم" الحقيقي لا يوجد في المنزل، ولا في الشوارع، بل يوجد فقط حينما يكون تحت الأضواء أو يستعد للوقوف تحتها، وهذا التناول الذكي من المؤلف المخرج أزاح عن كاهل الفيلم عبء الدراما الاجتماعية المترهلة التي غالبا ما تقتل إيقاع أفلام الرياضة، ليصب تركيزنا كله على "المباراة" الحقيقية، والتي لم تكن تلك التي تدور بالقفازات ضد خصوم مثل "كيفن كيلي" أو "باريرا"، بل تلك المباراة النفسية الشرسة والدموية التي دارت رحاها بين الملاكم ومدربه، بين الابن الروحي والأب البديل، بين "نسيم حميد" و"بريندان إنجل"؛ ففي هذا المضمار الضيق والمعقد، استطاع الفيلم أن ينسج خيوطه ببراعة، مقدما تشريحا لعلاقة ملتبسة بدأت بالحب والحماية وانتهت بقطيعة مدوية، ورغم أن السرد السينمائي قد يبدو للوهلة الأولى منحازا لوجهة نظر المدرب، ومصورا إياه كقديس إيرلندي يحاول تهذيب جموح مراهق يمني مغرور، إلا أن النظرة الفاحصة تكشف أن السيناريو قدم مبررات درامية كافية لكل طرف، مانحا نسيم حق الدفاع عن تضخم أناه باعتبارها درعا ضروريا للبقاء في مجتمع بريطاني يغلي بالعنصرية في حقبة الثمانينات والتسعينات، حيث لم يكن الغرور هنا ترفا، بل كان آلية دفاعية فتاكة لشاب ملون يرفض أن يكون هامشيا.

ولعل ذروة هذا الصراع النفسي، وتجلي عبقرية السيناريو في استخدام الأماكن المغلقة، تكمن في ذلك المشهد المفصلي والرهيب داخل المصعد، فإذا كان الفيلم قد بدأ وانتهى في الحلبة، فإن مشهد الأسانسير يمثل الحلبة البديلة والأكثر قسوة؛ في تلك المساحة المعدنية الضيقة التي لا مفر منها، تحول الحوار المتوتر إلى اشتباك صامت، يحطم به نسيم تمثال الأب الذي هيمن عليه لسنوات، كانت لكمة "أوديبية" بامتياز، تعلن عن تمرد الابن ورغبته المتوحشة في الاستقلال حتى لو كان الثمن هو الخطيئة الكبرى، وقد صيغ هذا المشهد بحرفية عالية جعلت منه نقطة اللاعودة في الدراما، حيث سقطت الأقنعة، وتحولت العلاقة من التوجيه الأبوي إلى الندبة الأبدية، وهو ما مهد الطريق للنصف الثاني من الفيلم حيث نرى "سقوط إيكاروس" بعد أن احترقت أجنحته باقترابه الشديد من شمس الغرور، وحيداً بلا موجهه الروحي.

وهنا يجب أن نتوقف طويلا أمام الأداء التمثيلي الذي حمل هذا البناء الدرامي المتين، فما قدمه أمير المصري في دور نسيم حميد يتجاوز فكرة "التشخيص" أو المحاكاة الحركية -رغم إتقانه المذهل لها- إلى منطقة التجسيد الروحي، فقد أمسك المصري بتلك الشعرة الدقيقة الفاصلة بين الثقة والغطرسة، وبين القوة والهشاشة، مقدما أداء ينبض بالطاقة في كل إيماءة ونظرة، ورقصة، ليثبت أن موهبته أكبر من أن تُحصر في القوالب النمطية، وأن هذا الفيلم ليس مجرد محطة في مسيرته، بل هو بطاقة العبور الذهبية التي ستفتح له أبواب البطولات المطلقة في السينما العالمية على مصراعيها، إذ أثبت قدرته على حمل فيلم كامل على كتفيه ومقارعة غول تمثيل بحجم بيرس بروسنان؛ أما بروسنان، فقد قدم واحدا من أعذب وأرقى أدواره في سنواته الأخيرة، متخليا عن وسامة جيمس بوند لصالح حكمة وتجاعيد المدرب بريندان إنجل، حيث لعب دور القطب السالب الهادئ والرزين أمام القطب الموجب والمشتعل لأمير المصري، ليشكل الاثنان ثنائيا تمثيليا عزف سيمفونية من المشاعر المتناقضة، جعلت المشاهد يلهث خلف تقلبات علاقتهما أكثر مما يلهث خلف نتائج المباريات.

أرى في تلك النهاية المتخيلة بالصلح في ذهن بريندان قمة النضج الفني والذكاء العاطفي لصناع العمل؛ ففي الواقع، نعلم جميعاً أن القطيعة استمرت حتى وفاة بريندان، وأن نسيم لم يحظ بفرصة الوداع الأخير، وهي حقيقة مؤلمة وقاسية، لكن السينما هي فن الممكن وفن التطهير (Catharsis)؛ لذا، حين قرر الكاتب المخرج اختلاق مشهد المصالحة والعناق الدافئ في الكواليس قرب نهاية الفيلم، فإنه لم يزيف التاريخ بقدر ما صححه فنيا وعاطفيا، لقد منح الجمهور، ومنح شخصية نسيم الدرامية، تلك اللحظة التي كان يجب أن تحدث، تلك اللحظة من الغفران والتسامح التي تليق بعلاقة بهذا العمق وهذا التعقيد، لقد كان مشهدا للتطير من ذنب العقوق، ورسالة فلسفية مفادها أن الحب الذي جمع هذين الرجلين كان أكبر وأبقى من الخلافات المادية والغرور الزائل، وهذا الاختيار الدرامي الجريء هو ما يرفع الفيلم من مجرد وثيقة رياضية جافة إلى عمل إنساني مؤثر يلامس شغاف القلب، ويقدم عزاء فنيا عن قسوة الواقع.

إن اتهام الفيلم بشيطنة نسيم في بعض المراحل ليس تهمة بقدر ما هو مديح لواقعية الرسم الشخصي، فالأبطال الخارقون منزهون عن الخطأ، أما البشر فهم مجبولون عليه، والفيلم لم يخش من إظهار الجانب المظلم في شخصية نسيم، ذلك الجانب الذي غذاه بريندان نفسه والنجاح السريع والمال الوفير، لكنه في المقابل -وبلغة سينمائية رصينة- قدم المبررات النفسية لهذا التحول؛ فنحن نرى كيف تحول الطفل الذي يحتمي بالصالة الرياضية من العنصريين إلى أمير يريد أن يركع العالم عند قدميه انتقاما لطفولته الخائفة، وكيف أن شيطنته لم تكن سوى وجه آخر لعملة العبقرية التي لا يمكن ترويضها، حتى انحياز السرد للمدرب في بعض الفترات كان ضروريا لخلق التوازن الدرامي، فلكي نشعر بفداحة خسارة نسيم لمدربه، كان لابد من تبيان حجم الجحود الذي مورس، وهو ما جعل لحظة الانهيار اللاحقة، ولحظة المصالحة المتخيلة، ذات وقع زلزالي على المشاهد.

بصريا، نجح المخرج روان أثال في تقديم معالجة بصرية تليق بالشو الذي كان يقدمه نسيم، فجاءت حركة الكاميرا داخل الحلبة رشيقة، ومحاكية لأسلوب نسيم الزئبقي، مبتعدة عن التقطيع المونتاجي السريع والمشتت الذي تعتمده أفلام الأكشن الرخيصة، ومفضلة اللقطات التي تبرز مهارة الممثلين (المصري وبروسنان) في التفاعل الصامت وسط الضجيج، كما أن توظيف الإضاءة والألوان، خاصة في الانتقال من رمادية مدينة شيفيلد وكآبتها الصناعية إلى صخب وأضواء لاس فيجاس ونيويورك، خدم التحول النفسي للشخصيات، وعزز من فكرة أن نسيم كان يغادر واقعه ليدخل في أسطورته الذاتية التي صنعها بنفسه وصدقها، حتى كادت تلتهمه، ولعل الموسيقى التصويرية وتصميم الصوت ساهما في تعزيز هذا الشعور، حيث تحولت أصوات اللكمات والأنفاس المتلاحقة إلى إيقاع موسيقي يضبط نبض الفيلم بأكمله.

يمكن القول إن فيلم "Giant" هو أكثر من مجرد سيرة ذاتية لملاكم، إنه دراسة في سيكولوجية النجاح والفشل، وفي ديناميكيات العلاقة المعقدة بين الصانع والمصنوع، كما في أسطورة بجماليون؛ إنه عمل سينمائي متكامل الأركان، تجاوز عثرات الواقع ليخلق حقيقته الفنية الخاصة، مستندا إلى سيناريو ذكي يعرف متى يتكلم ومتى يصمت، ومتى يلتزم بالحقائق ومتى يحلّق في فضاء الخيال الضروري، وإلى أداء تمثيلي استثنائي من أمير المصري الذي أعلن عن نفسه كموهبة عالمية فذة تستحق أن تتصدر المشهد، ومن بيرس بروسنان الذي أضاف لتاريخه جوهرة جديدة، وعلى عكس ما ذهب إليه بعض النقاد الذين بحثوا عن توثيق للأحداث، فإننا وجدنا في هذا الفيلم روحا للأحداث، وانتصارا للسينما التي تمتلك القدرة السحرية على إصلاح ما أفسده الزمن، ولو في خيالنا فقط، مانحة إيانا تلك النهاية المتخيلة السعيدة والمصالحة الدافئة التي حرمتنا منها الحياة، وهذا بحد ذاته هو جوهر الفن، وهو ما يجعل من "العملاق" فيلما هاما من الوزن الثقيل.


مواضيع متعلقة