«البرنس نجيب» آخر المماليك في مصر.. أمير يعيش بيننا ويصنع قصرًا يتحدى الزمن

كتب: عبدالله مجدي

«البرنس نجيب» آخر المماليك في مصر.. أمير يعيش بيننا ويصنع قصرًا يتحدى الزمن

«البرنس نجيب» آخر المماليك في مصر.. أمير يعيش بيننا ويصنع قصرًا يتحدى الزمن

قبل نصف قرن، ظن الجميع أن المماليك انتهوا، وأن آخر أمرائهم أصبحوا مجرد حكايات تروى على جدران القلاع والمساجد القديمة، وأن أثرهم ذاب مع القرون في دفاتر التاريخ.. لكن الحقيقة كانت غير ذلك، فالتاريخ أحيانا يرفض أن يغلق بابه، بين ضفاف النيل، على جزيرة صغيرة تعرف باسم جزيرة الذهب، يعيش آخر الأمراء المماليك، رجل يحمل اسم البرنس نجيب حسن، يسير بهدوء بين حجر قصره المملوكي وكأن الزمن توقف عنده، ليذكرنا أن المماليك لم يغادروا مصر بعد.

الوصول إلى هذا العالم المختلف لا يتم بالطرق التقليدية، ولا تكفي السيارات، بل تبدأ الرحلة من خلال مركب صغير يقطع مياه النيل بهدوء، تاركا خلفه ضوضاء العاصمة، حتى يظهر القصر فجأة بين البيوت البسيطة والأراض الزراعية، قطعة فنية معمارية تبدو وكأنها خرجت من القرن السادس عشر، بلا استعجال من الزمن الحديث، هنا، على هذه الجزيرة، يلتقي الماضي بالحاضر، ويتجلى التاريخ في كل زاوية من زوايا القصر.

تحكي كتب التاريخ أن المماليك شكّلوا نخبة عسكرية حاكمة في مصر، تمكنت بمهارتها وتنظيمها من السيطرة على البلاد لأكثر من ستة قرون، من القرن الثالث عشر حتى القرن السادس عشر الميلادي، وتركوا بصمات واضحة في العمارة والفنون والحياة الاجتماعية والسياسية للمصريين، كما ذكر المؤرخ زين الدين الدمياطي في كتابه تاريخ المماليك. ومن هذا الإرث العريق، استلهم البرنس نجيب حسن رؤيته لقصره، فاختار أن يكون تحفة تجمع أجمل فنون العمارة المملوكية، شاهدة على التاريخ وروح أجداده.

قصر البرنس نجيب حسن ليس مجرد مبنى، بل حلم تحقق بعد رحلة طويلة من البحث عن الانتماء والجذور، الأحجار المنحوتة بعناية، الزخارف الإسلامية الدقيقة، المشربيات، والأقواس التي تنساب بسلاسة على الجدران، كل ذلك يحمل بصمة الحرفي المصري، ويعكس روح الفن المملوكي الأصيل، لم يشارك مهندس أجنبي واحد في البناء، بل اعتمد البرنس على عمال مصريين سبق لهم العمل في ترميم الآثار، ليصنعوا معا تحفة تتحدى الزمن.

بني القصر على مراحل، مع مراعاة كل التفاصيل الدقيقة، من اختيار الأحجار مرورا بنقلها عبر النيل، وصولا إلى تأثيث كل غرفة بأصالة مصرية، من خيوط الأقمشة وحتى الأثاث، في قلب هذا القصر، يعيش البرنس نجيب حسن حياة بسيطة، رغم فخامته، حياة لا تعرف التكلف، حيث تبدأ الأيام بإفطار هادئ، جولات بين الناس، متابعة الأعمال الصغيرة، والاهتمام بكل شجرة وكل حجر كما لو أن كل تفصيل يروي حكاية.

البرنس نجيب حسن عبد الله ليس مجرد صاحب قصر، بل سليل سلالة مملوكية شركسية، تمتد جذورها إلى الأمير حسن شركس عبد الله، قائد الجيش المصري في مواجهة الحملة الفرنسية، وإلى نسل علي بك الكبير، أحد أبرز رموز الحكم المملوكي في مصر، «جدى حسن بك عبدالله الكبير وكان يعمل ناظر الشئون الخديوية في عهد الخديوي إسماعيل»، ويعتز دائما بتاريخ أجداده ويحتفظ بذكريات أجداده في غرفة خاصة، ويحرص على الحفاظ عليها والاستمتاع بمشاهداتها.

في سن الطفولة غادر البرنس نجيب مصر طفلا، متنقلا بين فرنسا وسويسرا، وعاش سنوات طويلة في أوروبا، حيث الاستقرار والرحلات، لكنه لم يستطع مقاومة الحنين إلى جذوره في مصر، ليقرر العودة إليها بعد سنوات طويلة في أوروبا، يروي لـ«الوطن» : «مصر بالنسبالي هي الوطن الحقيقي مهما طال الغياب».،

بعد العودة، عاش فترة في منطقة الزمالك، ثم رواده حلم بناء قصر على الطراز المملوكي، وفي الوقت نفسه رفض قلبه الانفصال عن ضفاف النيل. جزيرة الذهب ظهرت له كملاذ، حيث البساطة، الناس الحقيقيون، والمكان الذي يسمح للزمن بالتمدد بلا استعجال، هنا نضج حلم القصر، ليس كمجرد بناء، بل كمشروع حياة يعكس أصالة التاريخ وروح العائلة.

رغم العزلة التي يوفرها الموقع، قرر البرنس فتح أبواب القصر للزوار، لم يكن هدفه الشهرة أو الربح، بل إيمانا بأن الجمال والتاريخ حق للجميع، القصر أصبح مقصدا لمن يريد لمس التاريخ، لا لالتقاط الصور فقط، بل لتجربة الزمن الذي عاش هنا يوما، زمن المماليك الذي يرفض أن ينسى.

داخل هذا القصر، يجد الزائر نفسه أمام عالم مختلف، حيث الأصالة تلتقي بالإنسانية، والحياة اليومية تمزج بين الماضي والحاضر، حيث رجل اختار أن يعيش مع جذوره، وأن يترك إرثًا نابضًا بالفن والتاريخ للأجيال القادمة، شامخًا على مياه النيل، متحديًا الزمن، مذكّرًا الجميع أن المماليك… لم يغادروا بعد.

قصر البرنس نجيبقصر البرنس نجيبقصر البرنس نجيبقصر البرنس نجيبقصر البرنس نجيبقصر البرنس نجيبقصر البرنس نجيب