في معرض الكتاب

عصام زكريا

عصام زكريا

كاتب صحفي

لمعرض الكتاب ذكريات أكثر من عزيزة على قلبى تمتد على مدار عقود ومنذ أن كان يعقد فى أرض المعارض بالجزيرة (ساحة ودار الأوبرا الآن)، ثم فى أرض المعارض بمدينة نصر، وأخيراً فى التجمع التى انتقل إليها منذ سنوات.

حضرت معرض الكتاب عندما كانت العشرون جنيهاً مبلغاً ضخماً أستطيع به شراء ما يملأ حقيبتين أو ثلاثاً من الكتب، حين كان سعر الكتاب يُكتب بالقروش أو برقم واحد من الجنيهات، وحضرته فى العامين الأخيرين عندما قفزت الأسعار فى بعض دور النشر إلى ما يتجاوز الألف جنيه ثمناً لرواية متوسطة الحجم!

يقال إن الكتاب هو أفضل صديق، وأعتقد أن مَن يتعرف على الكتب جيداً يدرك هذه الحقيقة بمرور الوقت. ذلك أن الكتب (الجيدة بالطبع) ليست فقط أفضل الأصدقاء، ولكنها الشىء الصادق الوحيد فى هذه الحياة.

وقد توصلت إلى قناعة نتاج المعايشة والخبرة (وليس الكلام النظرى) بأن الفارق الأساسى بين الشعوب المتحضرة وغير المتحضرة هو القدرة على القراءة وتذوق الفنون. وكلما مر بى العمر أكثر ازددت إدراكاً بمعنى أن يبدأ القرآن الكريم بكلمة «اقرأ» وأن يبدأ الكتاب المقدس بعبارة «فى البدء كان الكلمة»، وأن يقال فى البوذية إن «القراءة تفتح نافذة على الحقيقة».

للأسف فعل القراءة فى مجتمعاتنا نادر، وقد ازداد ندرة مع ظهور وانتشار الشاشات المحمولة، وحتى فى أوروبا التى كنت ترى فيها الناس يقرأون فى كل مكان وكل ساعة، حلت الهواتف المحمولة محل الكتب فى أيدى معظم المراهقين والشباب، وقلما تجد شخصاً يمسك بصحيفة أو كتاب فى المترو أو الحديقة العامة.

ولكن بغض النظر عن الكتب الورقية، هل قل فعل القراءة حقاً؟ لا أعتقد أن القراءة فى حد ذاتها انخفضت، وغالباً أنت تقرأ هذا المقال الآن على إحدى الشاشات، وهو ما يعنى أن «النصوص» نفسها لم تزل موجودة، ولكن الكتب (تلك الظاهرة التى انتشرت منذ القرن الخامس عشر مع اختراع المطبعة) هى التى تراجعت.

أتذكر جيداً أنه من بين الإيجابيات التى نتجت عن الحملة الفرنسية على مصر فى 1789 كما درسناها فى الإعدادية «دخول المطبعة إلى مصر». تخيل يا مؤمن، المطبعة التى اخترعت فى 1440، لم تصل إلى الشرق العربى إلا بعد ثلاثة قرون ونصف القرن، أعتقد أنها المسافة الزمنية التى لم تزل تفصلنا عن اللحاق بالعصر!

صحيح أن المطبعة لم تعد هى الفيصل، وأن القراءة الرقمية تتقدم وتحل محل الورق باستمرار، ولكن المدهش أن الكتب لم تزل فقط مطلوبة، ولكنى أعتقد، وليس لدى دليل علمى على ذلك، أن استهلاك الكتب يزيد فى عالمنا العربى!

هل هذه المفارقة صحيحة؟ لست متأكداً، ولكننى ألاحظ أن كثيراً من الشباب يقبلون على القراءة وأن الكتب المقرصنة، سواء الورقية، أو المصورة على الإنترنت، تزداد رواجاً، ولولا ضيق اليد وارتفاع الأسعار المجنون، لكان هناك أضعاف وأضعاف من الإقبال على شراء الكتب الورقية الجديدة.

صحيح أن معظم مَن يقرأون من الشباب يفضلون كتب التنمية البشرية الساذجة، على كتب الفلسفة أو علم النفس الأكثر عمقاً، وصحيح أنهم يفضلون قراءة قصص الرعب والحب السخيفة على قراءة الأدب العالمى والعربى الحقيقى، ولكن من ناحية أخرى ألاحظ، لدهشتى، انتشار أعمال أسماء كبيرة جداً مثل نيتشه، وتشيكوف، وديستوفسكى وجورج أورويل وحتى كافكا.

عندما كنت أدرس أعمال فرانتس كافكا فى كلية الألسن فى ثمانينات القرن الماضى لم يكن أحد يعرفه فى مصر سوى القلائل جداً، وكان الدكتور مصطفى ماهر، رئيس قسم اللغة الألمانية، الذى وضع دراسة رواية «القضية» ضمن المنهج، هو الذى قام بترجمتها إلى العربية مع بعض أعمال كافكا الأخرى.

وللحديث بقية!