محمود الجارحي يكتب: شهادة وطن على لسان الشهيد العقيد ساطع النعماني

كتب: editor

محمود الجارحي يكتب: شهادة وطن على لسان الشهيد العقيد ساطع النعماني

محمود الجارحي يكتب: شهادة وطن على لسان الشهيد العقيد ساطع النعماني

أنا ساطع النعماني.. ضابط شرطة مصري.. واحد من جيل طويل ما دخلش الميري عشان وظيفة، لكن عشان يكمل حكاية بدأت قبلنا بسنين.. في كل مرة ييجي 25 يناير.. ما بفتكرش يوم عيد أو احتفال، بفتكر دم وعرق وأسماء اتكتبت في الذاكرة قبل ما تتكتب على النصب التذكارية.. عيد الشرطة بالنسبة لي مش تاريخ في الرزنامة.. هو يوم بدأ في الإسماعيلية سنة 1952.. لما وقف رجال الشرطة بأسلحة محدودة قدام قوات الاحتلال البريطاني، ورفضوا يسلموا سلاحهم.. وقتها قال اليوزباشي مصطفى رفعت كلمته الخالدة: «لن تتسلموا منا السلاح إلا على جثثنا».. كلمة ما كانتش شعار، لكنها كانت قسم، ومن يومها اتحط في رقبة كل واحد لبس الميري بعدهم.

أنا اتخرجت من كلية الشرطة سنة 1992.. وأنا شايل القسم ده جوايا.. أول خدمتي كانت في الإدارة العامة للعمليات الخاصة، أربع سنين شفت فيهم الموت بعيني، وعرفت يعني إيه تبقى في مواجهة مباشرة مع الخطر.. فاكر مأمورية في محافظة المنيا للقبض على عناصر مسجلة خطر، وبعد اشتباك مسلح سيطرنا على المكان، لكن فوجئنا بأحد المتهمين محتضن قنبلة كبيرة الحجم وكان جاهز يفجر نفسه.. ثانية واحدة كانت كفيلة تنهي حياتنا كلنا، لكن ربنا ستر، وكانت من أخطر المأموريات في مشواري.. التجربة دي علّمتني إن ضابط الشرطة دايمًا ماشي في طريق خطر، لكنه ماشي وراه وطن كامل.

بعدها اشتغلت في مواقع كتير داخل مديرية أمن الجيزة.. بدأت معاون نظام، ثم ضابطًا بالإدارة العامة للمباحث، ثم معاون مباحث قسم الدقي، ورئيس مباحث المرور لمدة عام، ثم رئيس مباحث ترحيلات الجيزة، ورئيس حرس محكمة جنوب الجيزة، إلى أن توليت منصب نائب مأمور قسم بولاق الدكرور.. كنت فاكر إن دي محطة طبيعية في مشوار الخدمة، وما كنتش أعرف إنها هتبقى بداية شهادة مختلفة.

في يوليو 2013.. وبعد ثورة 30 يونيو، البلد كانت على صفيح ساخن.. اعتصام تنظيم الإخوان الإرهابي في ميداني رابعة العدوية والنهضة، وتهديدات متصاعدة.. شاهدت خطاب الرئيس المعزول محمد مرسي، وهو يكرر كلمة «الشرعية»، وعندما قال نصًا «دمي يسيل فداء الشرعية»، شعرت أن الجملة دي مش مجرد كلام، لكنها إشارة للي جاي.

يوم 3 يوليو 2013.. كنت في مكتبي بقسم شرطة بولاق الدكرور، والضباط جميعًا في حالة تأهب.. بعد دقائق سمعنا إطلاق نار كثيف من ناحية كوبري ثروت.. تجمع أهالي بين السرايات أمام القسم، مرعوبين، يطلبون التدخل لحمايتهم من عناصر إرهابية اعتلت أسطح جامعة القاهرة وبدأت إطلاق الرصاص بشكل عشوائي على المواطنين.. لم أتردد، انتقلت فورًا إلى موقع الأحداث ومعي القوات، المشهد كان فوضويًا: رصاص عشوائي، أسلحة قنص موجهة بالليزر، استهداف مباشر للأهالي ورجال الشرطة. تواصلت مع مدير مباحث الجيزة آنذاك، اللواء محمود فاروق، وأبلغته بتفاصيل الموقف وخطورة ما يحدث.

بعد عشر دقائق فقط.. أصبت برصاصة في الوجه أفقدتني الوعي.. نُقلت إلى مستشفى الشرطة بالعجوزة، ودخلت العناية المركزة، لكن حالتي كانت حرجة.. وفي الساعات الأولى من صباح اليوم التالي، تم نقلي بطائرة خاصة للعلاج في أحد المستشفيات بسويسرا، بقرار من الرئيس عبدالفتاح السيسي ووزير الداخلية آنذاك اللواء محمد إبراهيم، وهو جميل لن أنساه ما حييت.

قضيت أشهرًا طويلة بين الغيبوبة وغرف العمليات، بين خراطيم الأكسجين وأنامل الجراحين التي تسابق الزمن كي تعيدني من حافة النهاية.. كنت فاكر إني مت، والحقيقة إني كنت راضي.. كنت فرحان إني هموت شهيد.. ربنا كتب لي عمر جديد بدعاء أمي، ومراتي، وابني ياسين.. رجعت فاقد البصر، لكن ما فقدتش الإيمان ولا الانتماء.

في 18 سبتمبر 2014.. وصلت مطار القاهرة بعد قرابة تسعة أشهر من العلاج. أول ما سمعت صوت أمي، جريت عليها وبوست رجليها، وانحنيت أسجد على أرض المطار شكرًا لله إني رجعت لمصر.. بعدها بعام، ظهرت في أكاديمية الشرطة يوم 29 يوليو 2015 أثناء حفل تخريج دفعة جديدة، وصافحني الرئيس عبدالفتاح السيسي وقبّل رأسي.. المشهد ده ما كانش تكريم لساطع النعماني، كان رسالة لكل ضابط واقف في الشارع، ولكل أم صابرة، ولكل شهيد سبقنا.

ولم تكن هذه الكلمات محض سرد أو إعادة بناء للذاكرة، بل شهادة موثقة.. ففي يوم 19 من سبتمبر عام 2014، التقيت العقيد ساطع النعماني في منزله بمنطقة مساكن منتصر بشارع الهرم، في حوار لـ«الوطن»، بعد عودته من رحلة العلاج خارج البلاد.. جلس هادئًا، ثابتًا، كأن الرصاصة لم تنل من روحه شيئًا، وقال لي يومها: «أنا كنت ميت في الوقت ده.. بس كنت فرحان إني هموت شهيد.. ونحمد ربنا إنه كتب لي عمر جديد ونجاني من الموت.. بفضل دعاء أمي ومراتي وابني ياسين. دعاهم هو اللي نجاني من الموت.. فأمي أحسن أم في الدنيا كلها، عشان كده أول ما وصلت المطار وسمعت صوتها، جريت عليها وبوست رجليها».

استمر علاجي بعدها لسنوات، إلى أن أنهكني الجسد.. وفي يوم الأربعاء 14 نوفمبر 2018، رحلت عن الدنيا أثناء استكمال العلاج خارج البلاد.. لكن الحكاية ما خلصتش.. الحكاية اللي بدأت في الإسماعيلية سنة 1952، واتكملت في بين السرايات سنة 2013.. لسه مكملة في كل شارع واقف فيه ضابط بيحمي ناسه.

محمود الجارحي يكتب: شهادة وطن على لسان الشهيد العقيد ساطع النعمانيمحمود الجارحي يكتب: شهادة وطن على لسان الشهيد العقيد ساطع النعمانيمحمود الجارحي يكتب: شهادة وطن على لسان الشهيد العقيد ساطع النعمانيمحمود الجارحي يكتب: شهادة وطن على لسان الشهيد العقيد ساطع النعماني