حين نادى في المنام: محمد عبد الحليم عمر
- المفكر الإسلامي محمد عبد الحليم عمر
- المفكر الاقتصادي محمد عبد الحليم عمر
- د. محمد عبد الحليم عمر
- مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي
- جامعة الأزهر
- فاروق الدسوقي
- الكاتب الصحفي فاروق الدسوقي
هذا أول مقال أكتبه بأمر في الحلم.
لم أر وجها، ولم أسمع نداء جهوريا، فقط جملة سقطت في داخلي بهدوء: «اكتب عن الدكتور محمد عبد الحليم عمر».
لم أسأل: لماذا؟
أجبت كما يجيب المرء حين ينادى باسمه الحقيقي: حاضر.
وعند الفجر، أدركت أنني لم أدع لكتابة مقال، بل لاستعادة سيرة وأثر، فثمة بشر لا يرحلون حين يموتون، لكن حين نتوقف عن الإصغاء إلى ما تركوه، وبعض الأسماء لا تعود من الذاكرة، بل من الفراغ، من ذلك الإحساس الغامض بأن شيئا ما في هذا العالم كان أكثر اتزانا، ثم اختل.
لم يكن محمد عبد الحليم عمر أستاذ المحاسبة بجامعة الأزهر، وعضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي في جدة، رجل أضواء ولا نجم منابر.
كان من أولئك الذين يمرون في المؤسسات كما يمر المعنى في الجملة، لا يصرخ، لكنه يغير الاتجاه كله، كان قريبا على نحو يسبق الألفة، يطمئنك قبل أن يعلمك، تشعر وأنت أمامه أنك لست مطالبا بإثبات شيء، ولا حتى بادعاء فهم لا تملكه.
كان يصغي كما لو أن السؤال أهم من الإجابة، ويبتسم قبل أن يشرح، كأن المعرفة عنده لا تبدأ من العقل، بل من احترام الإنسان الذي يسأل.
في زمن يختزل فيه الاقتصاد إلى أرقام باردة، كان يراه مرآة أخلاق، يعرف أن السوق، حين ينفصل عن القيم، يتحول من مساحة تبادل إلى ساحة افتراس، وأن المال، حين يجرد من مسؤوليته، لا يعود أداة، بل سلاحا ناعما.
لم يتعامل مع الاقتصاد الإسلامي كراية، بل كسؤال ثقيل، لم يكتف بأن يقول: هذا حلال وهذا حرام، بل كان يسأل:
هل هذا عادل؟
هل يحفظ كرامة الإنسان؟
هل يمنع التوحش أم يجمله؟
حين ساهم في إنشاء مركز الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر، ثم تولى إدارته في سنواته الأولى، لم يدخله بعقل المدير، بل بعقل حارس الفكرة من الابتذال، وحارس العلم من التحول إلى خطابة.
كان المركز في حضوره كائنا حيا، نقاشات لا تخاف الاختلاف، وأبحاث تكتب ثم تعاد كتابتها بلا ملل، ومتدربون يخرجون وهم يشعرون أن ما تعلموه ليس وصفة جاهزة، بل طريقة نظر.
شارك المركز حينها في عشرات المؤتمرات والندوات التي ساهمت في تأصيل القواعد المالية الإسلامية في العصر الحديث، بل وفي محاولة تقديم حلول واقعية لأزمات اقتصادية تعانيها مجتمعاتنا.
ومع ذلك، لم يكن يحب العناوين الكبيرة ولا الشعارات اللامعة، حين يتحدث عن الزكاة، كان يفكر في الأيدي التي ستصل إليها، لا في الكلمات التي ستقال عنها.
وحين يناقش البنوك الإسلامية، كان صادقا إلى حد القسوة، كأنه يخشى على الفكرة من أن تستخدم قبل أن تفهم، كان يرى الأزمات المالية العالمية كمن يرى المرض قبل أن يظهر الطفح، ففي نظره، العالم لا يعاني من فقر الموارد، بل من فقر الضمير.
وحين طلب منه عام 2014 إعداد مشروع قانون بيت الزكاة المصري، لم يقدم مقترحا إداريا، بل خلاصة عمر، تصورا يجمع بين الفقه والتنظيم، بين الطواعية والشفافية، ويجعل الزكاة نظام عدالة لا صدقة عابرة، ودور الدولة إشرافا لا مصادرة.
لم يكن سجين مدرسة فكرية، ولا أسير يقين مكتمل، كان يعرف أن الفكر إذا توقف عن مراجعة نفسه تحول إلى صنم، وأن الدين، إذا خرج من سياقه الإنساني، لم يعد خلاصا، بل عبئا جديدا على الكتفين.
إنسانيا، كان رجلا يترك أثره دون أن يتعمد ذلك، أذكر أنني حين دخلت المركز لأول مرة في بداياتي المهنية، استقبلني كما يستقبل الابن العائد من غياب، لا المتدرب العابر.
جلس، سأل، أصغى، ثم قال كلمات بسيطة، بقيت معي أطول مما بقيت الشهادات، كان يفتح مكتبه في أي وقت، ويمنح من وقته دون أن يشعرك أنك تسرقه، ساعد، ووجه، وتنبأ بنجاحي ذات مرة، ثم لم يعد إلى النبوءة، كأن الثقة عنده تُقال مرة واحدة، وتترك لتنمو وحدها.
لهذا أحبه كل من عرفه، لأنك حين تقترب منه تشعر أنك لست وحدك، وأن الطريق، مهما بدا معقدا، يمكن فهمه.
ولد الدكتور محمد عبد الحليم عمر في الشرقية عام 1942، وحفظ القرآن صغيرا، وتدرج في التعليم الأزهري حتى نال الدكتوراه.
لم ير العلم سلما للصعود، بل أمانة للحراسة، كتب، وناقش، وشارك، وترك خلفه أكثر من ثمانين كتابا وبحثا، لكن الأهم أنه ترك طريقة تفكير، وأثرا لا يقاس بعدد الصفحات.
رحل في 24 فبراير 2020، بعد مسيرة من العطاء الفكري والعلمي، لكن رحيله لم يكن قطيعة، كان أشبه بانسحاب هادئ، يترك المكان مرتبا، والنور مشتعلا، ويمضي.
الآن أفهم لماذا جاءني النداء في المنام، فبعض الناس لا يعودون عبر السيرة، بل عبر الإحساس، ذلك الحنين الغامض إلى زمن كان فيه المعنى أوضح، والنية أقل التواء.
وهكذا كتبت، لا لأنني كنت قريبا منه، بل لأن إنسانيته كانت قريبة من الجميع، ولأن الأسماء التي تكتب بالمحبة لا تموت، حتى حين يغيب أصحابها.
رحم الله المفكر الإسلامي والخبير الاقتصادي الكبير الدكتور محمد عبد الحليم عمر، وأسكنه فسيح جناته.