محمود الجارحي يكتب: من معركة الإسماعيلية إلى الدرب الأحمر.. مصطفى رفعت ورامي هلال وحكاية تضحية الشرطة المصرية

كتب: editor

محمود الجارحي يكتب: من معركة الإسماعيلية إلى الدرب الأحمر.. مصطفى رفعت ورامي هلال وحكاية تضحية الشرطة المصرية

محمود الجارحي يكتب: من معركة الإسماعيلية إلى الدرب الأحمر.. مصطفى رفعت ورامي هلال وحكاية تضحية الشرطة المصرية

لا يمر الخامس والعشرون من يناير في مصر كتاريخٍ عابر، بل يظل علامةً فارقة في سجل وطن صاغ أمنه رجال آمنوا بأن المواجهة قدر، وأن التراجع ليس خيارًا. ففي مثل هذا اليوم من عام 1952، سطّر رجال الشرطة في الإسماعيلية واحدة من أعظم ملاحم الشرف الوطني، حين رفض اليوزباشي مصطفى رفعت وضباط وجنود الشرطة تسليم سلاحهم لقوات الاحتلال البريطاني، لتولد عبارة خالدة في الوعي الوطني: «لن تتسلموا منا إلا جثثًا هامدة».

مرت العقود.. ورحل الاحتلال.. لكن المعركة لم تنتهِ؛ تغيّر وجه العدو وتبدّلت أدواته، وبقي القسم واحدًا.. ومع كل مرحلة.، أثبتت الشرطة المصرية أن العهد الذي قُطع في الإسماعيلية لا يزال حيًا.. يتجدد بالعمل والتضحية والدم.. وفي قلب المواجهة الحديثة مع الإرهاب، يبرز اسم الشهيد العقيد رامي هلال امتدادًا طبيعيًا لرجال يناير 1952.

مطاردة الإرهاب.. 72 ساعة حتى الشهادة

في ظهر يوم الجمعة 15 فبراير 2019، ألقى عنصر إرهابي عبوة ناسفة على ارتكاز أمني أمام مسجد الاستقامة بميدان الجيزة، ثم فرّ هاربًا وسط الزحام.. على الفور، بدأت واحدة من أدق عمليات التتبع التي قادها قطاع الأمن الوطني.

على مدار 72 ساعة متواصلة، قاد العقيد رامي هلال فريق البحث والتحري، متنقلًا بين كاميرات المراقبة وشهادات الشهود وخطوط الهروب، حتى نجح في تحديد مكان اختباء الإرهابي داخل أحد المنازل بحارة الدريري بمنطقة الدرب الأحمر، في قلب القاهرة التاريخية.

لحظات ما قبل المواجهة

قبل أقل من ساعة على التحرك النهائي.. أجرى العقيد رامي هلال اتصالًا بأسرته، اطمأن عليهم، وأغلق الهاتف بهدوء رجل يدرك ثمن المهمة. تحرك إلى موقع الهدف بصحبة فردي شرطة، وانتظر خروج الإرهابي من مخبئه، واضعًا نصب عينيه هدفًا واحدًا: حماية الأرواح ومنع سقوط ضحايا جدد.

وحين خرج الإرهابي مستقلًا دراجة هوائية، تحركت القوة للقبض عليه. ثوانٍ معدودة كانت كافية ليُفجّر الإرهابي نفسه بحزام ناسف، ليسقط العقيد رامي هلال وفردا الشرطة شهيدين في الحال، بينما أُصيب ثلاثة ضباط آخرين، لتنتهي حياة الإرهابي وتُغلق واحدة من أخطر دوائر العنف.

ضابط من طراز خاص

لم تكن هذه المهمة الأولى في سجل الشهيد.. فقد شارك العقيد رامي هلال في عدد من أخطر القضايا الأمنية، من بينها ملاحقة العناصر المتورطة في اغتيال النائب العام الأسبق المستشار هشام بركات، ومحاولتي اغتيال وزير الداخلية الأسبق اللواء محمد إبراهيم، والمستشار زكريا عبد العزيز.

وبعيدًا عن ساحات المواجهة.. عُرف رامي هلال بإنسانيته وقربه من الناس. في شبرا الخيمة، ترك أثرًا لا يُنسى بين البسطاء، وساهم في حل أزمات يومية للمواطنين، حتى أطلق عليه الأهالي لقب «نصير الغلابة».. لقب لم تمنحه الأوسمة، بل منحته ثقة الناس.


من مصطفى رفعت إلى رامي هلال

في عيد الشرطة.. تعود الذاكرة إلى الإسماعيلية، لا بوصفها حدثًا تاريخيًا فحسب، بل باعتبارها أصل الحكاية. هناك وقف مصطفى رفعت في وجه الاحتلال، وهنا، بعد أكثر من ستة عقود، وقف رامي هلال في وجه الإرهاب.. اختلف الزمان والسلاح، لكن الثابت ظل رجل الشرطة الذي يختار المواجهة مهما كان الثمن.

استشهد العقيد رامي هلال عن عمر ناهز الأربعين عامًا، تاركًا زوجةً وأربعة أبناء، أكبرهم لم يتجاوز التاسعة، لكنه ترك قبلهم جميعًا درسًا خالدًا في معنى الواجب، وأن الانتماء للوطن فعل يُكتب بالتضحية لا بالشعارات.

888