ملوك الريشة

خالد منتصر

خالد منتصر

كاتب صحفي

برغم أننا مهد الفن التشكيلى فى الدنيا فإن الكتابة عن الفن التشكيلى نقداً وعرضاً وتاريخاً، مظلومة ونادرة ومعظمها انطباعى، فقدنا نقاداً كباراً منهم من كان فناناً تشكيلياً مثل بيكار وعز الدين نجيب وحسن سليمان، ومنهم من تخصص فى النقد مثل نعيم عطية، وظل السوق فى تعطش لمن يكتب بحب عن تاريخ الفن المصرى، ذلك الفن الذى ما زال فيه نجوم لم يأخذوا حقهم الكافى من التقديم والحفاوة، لذلك فرحت بهذا الكتاب واحتفيت به عند صدوره، كتاب «ملوك الريشة»، للكاتب الصحفى والناقد الفنى أيمن الحكيم، والصادر عن دار الحكيم، الكتاب جذاب وملىء بالمعلومات والتفاصيل الفنية والشخصية التى تخدم فهمنا لهؤلاء العباقرة، ملوك الريشة، دستة من الفنانين التشكيليين، يجمعهم خيط واحد وهو أن أعظم خشبة مسرح قدمتهم ووضعتهم فى إطار النجومية، كانت الصحافة، بيكار، مصطفى حسين، كنعان، رخا، مدرسة أخبار اليوم، جمال كامل، حجازى، بهجورى، صلاح جاهين، حسن فؤاد، رجائى ونيس، مدرسة روز اليوسف وصباح الخير، صلاح طاهر مدرسة الأهرام، ثم سيف وانلى الذى خاض مغامرة فنية عبقرية فى مجلة الإذاعة والتليفزيون بـ٦٠ لوحة مصاحبة لرواية «المرايا» لنجيب محفوظ، يتجول الكتاب فى تلافيف الروح، وكواليس رحلات الانتصار والانكسار، والدراسة الأكاديمية والصعلكة الفنية، الفصول كلها جميلة، لكنى شخصياً أحببت عدة فصول منها أكثر، غالباً لأننى كنت أريد الاستزادة من المعلومات الغائبة عنهم، منهم الفصل الخاص بسيف وانلى الذى حكى فيه أيمن الحكيم عن دور العظيم رجاء النقاش فى إقناع سيف وانلى برسم لوحات المرايا، هذا الكنز الإبداعى، الذى ظلت فيه لوحات وانلى جزءاً أصيلاً من الرواية، مرتبطاً بها ارتباط اللحمة بالسداة، سيف وانلى الذى أطلق عليه بيكار سيد درويش الفن التشكيلى، والذى قال عنه عبقرى النحت المصرى مختار عندما شاهده يرسم «اتركوه إنه يعرف طريقه»، ومن سيف وانلى إلى بيكار الذى وصفه مصطفى أمين بأنه مدرسة للفنون، هذا الفنان الذى ولد لأب تركى، لكنه كان منقوعاً فى تراب مصر المحروسة التى عشقها حتى الثمالة، قال عن لحظة احتشاده للرسم إنها كالإقبال على صلاة، وتكفى لوحاته التى سجل فيها إنقاذ معبد أبوسمبل لتضعه فى مصاف كبار فنانى العالم، وفى طابور عشاق هذا الوطن الذى كان بيكار فى تلك اللحظة مؤرخه الفنى بالريشة، ومن الفصول التى عشقتها لأننى كنت متعطشاً لمعرفة الأكثر عن صاحبها، هذا الفنان الذى خطفته الصحافة فلم ينتج إلا خمسين لوحة، الفنان حسن فؤاد، الذى رسم رواية الأرض للشرقاوى مثلما رسم وانلى المرايا لمحفوظ، هذا الفنان الذى كان حضناً لكل الفنانين الشباب، كان الجواهرجى الذى يكتشف ولا يبيع، يحنو، ويساعدهم على النمو والنجومية، إنه اللغز، الشيوعى الذى بنى مسجداً ومسرحاً فى السجن! وأول مشرف فنى على مجلة، وهو من جعل عمال التراحيل أبطالاً لأول غلاف لمجلة من إصدار ثوار يوليو.


الكتاب شيق وعذب وموثق، تنقصه فقط لاكتمال البهجة، اللوحات الملونة، وهذا أعرف سببه جيداً، فتكاليف نشر الصفحات الملونة ستزيد من سعره، لكنه والحق يقال يستحق.