إضاءات على كلمة الرئيس في عيد الشرطة

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

خلال الاحتفال بعيد الشرطة، لم يكتفِ الرئيس عبدالفتاح السيسي بالحديث من موقع الحاكم فقط، لكنه تكلم باعتباره شريكًا في المسئولية الوطنية، ووجَّه رسالته للجميع -حكومة وشعبًا- بأن استقرار الدولة وحمايتها لا يتحققان بالإجراءات الأمنية وحدها، وإنما بالوعي العام، وبناء الإنسان، وتعزيز الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع.

عكست كلمات الرئيس إيمانه الراسخ بمبدأ «الدولة المؤسسية»، وشدد على أن حماية الأوطان لا تتم بالميليشيات أو الكيانات الموازية، ولكن من خلال المؤسسات الوطنية القوية والقادرة، وفي مقدمتها القوات المسلحة والشرطة، باعتبارهما عماد الاستقرار وضمانة بقاء الدولة.

هذا الطرح يعكس رؤية واضحة بأن بناء الدول لا يتحقق بالهدم أو القفز في المجهول، وإنما بالإصلاح الهادئ، العميق، الذي يراعي طبيعة المؤسسات وثقافاتها، دون صدام أو تفكيك.

كلمة الرئيس السيسي كاشفة بوضوح عن ملامح منهج قيادي متكامل، يجمع بين الصراحة والالتزام، وبين الرؤية الاستراتيجية والإحساس العميق بالمسئولية التاريخية.

لم تكن الكلمة مجرد خطاب احتفالي تقليدي، لكنها مثلت وثيقة سياسية وأخلاقية تعكس فلسفة حكم، وتشرح تصور الدولة المصرية لنفسها ولدورها، في محيط إقليمي ودولي شديد الاضطراب.

احتلت قضية الشهداء وأسرهم مساحة مركزية في كلمة الرئيس -ليس من باب الرمزية- وإنما باعتبارها التزامًا أخلاقيًا -قبل أن يكون سياسيًا- ولا يجب اختزالها في مناسبة سنوية، وإنما هي مسئولية مستمرة تتحملها الدولة والمجتمع معًا. نحن أمام فلسفة قيادة تعتبر أن دماء الشهداء دفاعًا عن الوطن هي الأساس الحقيقي لشرعية الدولة واستمرارها، وأن أي مشروع وطني لا يفطن إلى هذه الحقيقة يفقد جوهره الأخلاقي.

في الشأن الداخلي، ركز الرئيس السيسي على معركة الوعي باعتبارها التحدي الأكبر الآن، خاصة في ظل التطور الهائل للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وقدرتهما على صناعة الأكاذيب وتزييف الواقع.

وهنا يبرز إدراك القيادة لطبيعة التهديدات الجديدة التي لا تقل خطورة عن الإرهاب المسلح، بل قد تكون أكثر تعقيدًا.

وأتمنى أن تكون رسالة الرئيس قد وصلت إلى من يعنيهم الأمر عندما أكد أن حماية الشباب لا تكون بالقمع أو التضييق، وإنما بالتعليم، والحوار، وفتح قنوات التواصل، وتحميل مؤسسات الدولة -من التعليم والإعلام إلى المؤسسات الدينية- مسئولية متكاملة في بناء عقل نقدي واعٍ، قادر على التمييز بين الحقيقة والزيف.

هذه الرؤية تعكس فهمًا حديثًا -وأكثر عمقًا- للأمن القومي، لا يقتصر على مجرد حمل السلاح، وحماية الحدود، لكنه يمتد إلى العقل والوجدان.

وجاء حديث الرئيس عن الوحدة الوطنية متجاوزًا الشعارات التقليدية، ليؤكد على مبدأ المواطنة الكاملة، واحترام الاختلاف، وحرية الاعتقاد، دون وصاية أو إكراه.

شدد الرئيس على أن قوة مصر تكمن في نسيجها الوطني المتماسك، وأن التطرف -دينيًا كان أو فكريًا- لا يجد له موطئ قدم في دولة تحترم الإنسان لكونه إنسانًا وفقط.

هذا الطرح أيضًا يدعم طموحنا نحو الدولة التي نريدها مدنية ديمقراطية حديثة، تحترم الأديان لكنها ترفض توظيفها سياسيًا، وتؤمن بأن التدين الحقيقي يظهر في السلوك والعمل والإتقان، لا في الإقصاء أو العنف أو فرض الوصاية.

على الصعيد الخارجي، أكدت كلمة الرئيس السيسي وضوح بوصلة السياسة المصرية، وثبات سياساتها، برفضها القاطع لتصفية القضية الفلسطينية أو تهجير الشعب الفلسطيني، وبإبراز الدور المصري المحوري في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، بالتعاون مع الشركاء الدوليين، فهذا يشير إلى أن مصر ما زالت رقمًا مهمًا من المستحيل تجاهله في معادلة الاستقرار الإقليمي.

وعندما شدد الرئيس على رفض مصر لتفكيك الدول أو إنشاء الميليشيات المسلحة، وتوضيحه أن هذه الممارسات تمثل خطرًا مباشرًا على الأمن القومي المصري، فهو يعكس سياسة خارجية تقوم على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شئونها، وفي الوقت نفسه الدفاع الحاسم عن المصالح الوطنية.

ولم تغب التنمية عن خطاب الرئيس، لكنها جاءت كإطار جامع لكل السياسات، عندما أكد أن الاستقرار ليس هدفًا في حد ذاته، وإنما وسيلة لتحقيق التنمية الشاملة، وتحسين مستوى معيشة المواطن، وبناء اقتصاد قوي، قادر على الصمود أمام الأزمات العالمية.

هنا تتضح الرؤية الطموحة لبناء دولة تعتمد على كوادر شابة مؤهلة، ومؤسسات كفؤة، وإصلاحات اقتصادية مدروسة، مدعومة بإرادة سياسية صلبة، دون مغامرة أو تهور، وهي رؤية تعي أن نتائج الإصلاح قد لا تكون فورية، لكنها تراكمية ومستدامة.

كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسي في عيد الشرطة هذا العام وضعت الإطار لمشروع دولة متكامل الأركان، دولة تحترم تضحيات أبنائها، وتبني مؤسساتها بعقل وحكمة، وتحمي أمنها بالوعي قبل السلاح، وتسعى للتنمية دون أن تتخلى عن ثوابتها، وتؤدي دورها الإقليمي والدولي بثقة ومسئولية.

الكلمة تؤكد أن مصر، رغم كل التحديات، ماضية في طريقها بثبات، مستندة إلى قيادة ترى في الإصلاح واجبًا، وفي الاستقرار مسئولية، وفي الإنسان المصري الثروة الحقيقية وأساس المستقبل.