«عبدالناصر» شاهد الأفلام الممنوعة.. وأمر بعرضها دون تحفظات

عمرو الليثى

عمرو الليثى

كاتب صحفي

لم يكن فيلم «للرجال فقط» أول ما أخرج محمود ذوالفقار لشركة جمال الليثي، فقد أخرج من إنتاج جمال الليثي فيلم «المراهقة الصغيرة»، الذي قام ببطولته النجم الكبير أحمد مظهر في بداية تألقه السينمائي، وكانت فيه «نيللي» تلميذة مراهقة تتعلق بمدرسها الناجح، وتهرب إلى بيته وتسبب له أزمة مع أبيها ابن الحي الشعبي الفنان الكوميدي محمد رضا، لكن «مظهر» ينجح في أن يعيدها إلى بيت أهلها بعد أن أقنعها أن ما تشعر به تجاهه ليس حباً، بل انبهار بشهرته، وكما روى لي جمال الليثي فكان يرى أن «المراهقة الصغيرة» كان نقطة الانطلاق في حياة الفنانة المبدعة الشاملة «نيللي»، كان محمود ذوالفقار قد أخرج قبلها فيلماً بعنوان «عصافير الجنة» جمع فيه بين البنات والثلاث أخوات «فيروز وميرفت ونيللي» اللواتي ينجحن بمغامراتهن في إعادة الأب الشارد -ومثّل هو دور الأب- إلى بيته وبناته وزوجته الفنانة الكبيرة عزيزة حلمي، زوجة الكاتب السينمائى الكبير علي الزرقاني، وفي الوقت الذي تراجعت فيه «فيروز»، وتركت نجوميتها الباهرة كطفلة قدمها أنور وجدي، وتزوجت من الممثل بدر الدين جمجوم، وابتعدت الأخت الوسطى «ميرفت» عن العمل السينمائي، بقيت أصغر البنات «نيللي» على الساحة ليختارها محمود ذوالفقار بطلة لفيلم «المراهقة الصغيرة» لتنطلق بعده إلى النجومية.

كان محمود ذوالفقار هو الشقيق الأكبر لعز الدين ذوالفقار وصلاح ذوالفقار، وكان جمال الليثي صديقاً مقرباً من «عز وصلاح»، وكان محمود قد سبق الجميع إلى ساحة السينما، فظهر أمام رائدة السينما عزيزة أمير كممثل، ثم تزوجها وتحول إلى مخرج له إبداعاته السينمائية، وبصماته على تاريخ السينما المصرية بأفلام مثل «الأيدي الناعمة» و«اذكريني» وغيرهما.. وكان هو الذي اكتشف النجمة مريم فخر الدين كبطلة لفيلم «ليلة غرام» المأخوذ عن قصة «لقيطة» للكاتب الكبير محمد عبدالحليم عبدالله.

ونعود إلى ناقر ونقير «نادية لطفي وسعاد حسني» فكما روى لي جمال الليثي:

وضعهما «للرجال فقط» على القمة معاً كنجمتين ساطعتين، بل عاد أيضاً إلى الساحة السينمائية نجم غاب عنهما فترة هو إيهاب نافع، الذي كانت الفنانة الكبيرة، نجمة الجيل الأول الذي سبق «نادية وسعاد»، قد قدمته نجماً لفيلم «هجرة الرسول»، ثم نجماً لفيلم «الحقيقة العارية».. كان «إيهاب» يمثل دور مهندس البترول الذي أغرمت به نادية لطفي، وحسن يوسف هو حبيب سعاد حسني، بعد أن تخفت كل منهما في «زي رجل بشنب عيرة»، وانتقلتا للعمل في الصحراء بحثاً عن البترول.

واتسعت مساحة الصداقة بين جمال الليثي وبين نادية وسعاد.. وكانت كل منهما قد أصبحت نجمته المفضلة، فأنتج أفلاماً لكل منهما في شركته للإنتاج في القطاع الخاص، وعندما انتقل إلى العمل كرئيس لشركة «القاهرة» للإنتاج السينمائي، التابعة لمؤسسة السينما والتليفزيون بعد أن أممت الدولة صناعة السينما.

«نادية» وطريق مفتوح للنجومية

كانت نادية لطفي تقطع الطريق المفتوح إلى النجومية بخطى واسعة، خاصة بعد أن زاملت عبدالحليم حافظ في فيلم «الخطايا» الذي أخرجه حسن الإمام، وكان الفيلم ميلو دراما ثقيلة قاسية تعزف على وتر المآسي التي تجد صداها في نفوس المصريين. كانت نادية طالبة في الجامعة، وربطت بينها وبين عبدالحليم قصة حب شبابية، ووقف عماد حمدي كأب قاسٍ مستبد في طريق هذا الحب، وحتى ينتصر لرأيه، ألقى في النهاية في وجه عبدالحليم بحقيقة مزلزلة، وهي أنه ليس ابنه بل لقيط رباه ونسبه إليه، قبل أن تنجب له زوجته مديحة يسري ابنه الثاني حسن يوسف، وعلى طريقة حسن الإمام، كان لا بد من مفاجأة.. تعترف مديحة يسري بأن عبدالحليم هو ابنها من علاقة غير شرعية مع الأب عماد حمدي قبل أن يتزوجا بعد عودته من بعثة دراسية في الخارج، وقد كان «الخطايا»، وبكل المقاييس، فيلماً ضم كل عناصر النجاح، مما أهَّله للعرض أكثر من عام، في عرضه الأول كان من إنتاج شركة «صوت الفن» التي يمتلكها موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، وعبدالحليم حافظ، ومدير التصوير وحيد فريد، وكان يتولى الإشراف على الإنتاج والتوزيع فيها سينمائياً إبراهيم مراد، شقيق ليلى مراد.

بطلة لفيلم أنتجته «فاتن»

وكما روى لي جمال الليثي.. ففي تلك الفترة كوَّن عمر الشريف وصديقه وزميله أحمد رمزي مع سيدة الشاشة العربية «فاتن حمامة» شركة للإنتاج السينمائي، كان أول إنتاج لها هو قصة لإحسان عبدالقدوس أيضاً هي «لا تطفئ الشمس» أخرجه صلاح أبوسيف.. كان المفروض أن تكون بطولتها لـ«فاتن وعمر ورمزي»، وكانت تحيط بهم أكبر مجموعة من نجوم الشاشة واختيرت نادية لطفي لتكون الفتاة التي تستطيع أن تحول عمر الشريف من شاب سلبي التصرفات تقيده وتحكمه تقاليد الأسرة إلى شخص إيجابي يقرر فجأة الانضمام إلى الفدائيين الذين يقاومون المحتلين في القنال، وكان الفيلم يضم أيضاً زوزو ماضي وليلى طاهر وعماد حمدي وباقة اختارها صلاح أبوسيف من الوجوه الجديدة.. إلا أن عمر الشريف سنحت له فرصته العالمية واختاره ديفيد لين لدور «الشريف علي» في فيلم «لورانس العرب»، واضطر إلى الرحيل إلى الأردن ليبدأ تصوير دوره، وبالتالي لم يمثل الفيلم، واختار صلاح أبوسيف شكري سرحان بديلاً لعمر الشريف كبطل، وفرضت نادية لطفي وجودها على الساحة السينمائية وتوالى ظهورها المتألق في «المستحيل» إخراج حسين كمال، و«أبي فوق الشجرة» أمام عبدالحليم حافظ وإخراج حسين كمال، لكن القمة كانت عندما أعطاها يوسف شاهين في فيلمه «الناصر صلاح الدين» دور «لويزا» فارسة المعبد خلال الحروب الصليبية التي تحب فارساً عربياً هو «عيسى العوام»، المسيحي العربي، وتقرر البقاء معه في بيت المقدس بعد هزيمة الصليبيين، وقد كان هذا الفارس هو صلاح ذوالفقار.

كان جمال الليثي يحكي لي أنه منذ أن أعطى حياته للسينما وهو يتجاوب ويتفاعل مع شخصيات مؤثرة في الساحة السينمائية، وينحاز للفيلم السينمائي الجيد المبني على الفكر الناجح، ويحقق قدراً كبيراً من معالجة واقع حياة الفرد العادي، وقد روى لي أنه بعد شهور قليلة من قيام ثورة يوليو أصبحت إدارة الشئون العامة للقوات المسلحة التي يرأسها وجيه أباظة أشبه بخلية إعلام الثورة، وأصبحت أمور السينما وشئونها جميعاً مركزة في قسم السينما الذي كان يرأسه جمال الليثي، كما روي لي، وشرعوا في إنتاج مجموعة من الأفلام القصيرة عن أسلحة الجيش مثل البحرية والمشاة، وكانت رقابة السينما في تلك الفترة قد أعطيت لمصلحة الفنون التي يرأسها الكاتب الكبير يحيي حقي، وكانت هناك -قبل الثورة- قرارات من رقابة السينما بمنع عرض عدد من الأفلام، منها «مصطفى كامل» و«كوفاديس» و«فيفا زباتا»، بحجة أنها تتضمن اتجاهات سياسية وثورية تضر بالصالح العام وتسيء إلى الذات الملكية.. ولجأ منتجو وموزعو هذه الأفلام لإدارة الشئون العامة لكي يعيدوا النظر في قرار منعها، كما روي لي جمال الليثي.

كان الفيلم المصري «مصطفى كامل» قد أخرجه أحمد بدرخان عن حياة وكفاح الزعيم المصري الخالد، وقام بدوره الكاتب المعروف أنور أحمد بجانب ماجدة ومحمود المليجي، وكان فيلم «كوفاديس» الذي يقوم ببطولته النجم العالمي الشهير روبرت تايلور، يتناول ثورة ضد الإمبراطور الروماني المستبد، وكان فيلم «فيفا زاباتا» الذي أخرجه المخرج الكبير إيليا كازان، ومثل فيه دور الثائر المكسيكي الأسطورة مارلون براندو، ومعه أنتوني كوين، يحكي ثورة شعبية للفلاحين ضد الإمبراطور المكسيكي.. وكان في كل منهما ما يبيح حظر عرضهما على الجماهير من وجهة نظر العهد الملكي البائد.

وكما حكي لي جمال الليثي، أصدر وجيه أباظة تعليماته إليه، بأن يرسل الأفلام الثلاثة إلى مجلس قيادة الثورة، لكي يراها «عبدالناصر» شخصياً، وكان من المعروف عنه أنه محب للسينما ويحرص على مشاهدة الأفلام السينمائية الجيدة.. وقد حمل جمال الليثي الأفلام الثلاثة بنفسه إلى مجلس قيادة الثورة، وتركها لكي يراها «عبدالناصر» وأعضاء المجلس، ليتخذوا قراراً بشأنها.. وجاءهم قرار «عبدالناصر» بعرض الأفلام الثلاثة الممنوعة على الجماهير دون أدنى تحفظات.