جرينلاند توسع الفجوة بين «ترامب» وقادة أوروبا.. السيادة الوطنية تواجه طموحات البيت الأبيض

كتب: ماريان سعيد

جرينلاند توسع الفجوة بين «ترامب» وقادة أوروبا.. السيادة الوطنية تواجه طموحات البيت الأبيض

جرينلاند توسع الفجوة بين «ترامب» وقادة أوروبا.. السيادة الوطنية تواجه طموحات البيت الأبيض

في قلب الجليد القطبي، تتحول جزيرة جرينلاند من إقليم بعيد إلى ساحة صراع تتقاطع عندها حسابات التوسّع الجغرافي الأمريكي، ومخاوف أوروبا السيادية، وتنافس القوى الكبرى على الممرات والموارد والنفوذ العسكري في القطب الشمالي، لتتحول من أزمة دولية إقليمية إلى فيصل في مستقبل التحالفات الدولية، ومحك اختبار جديد لخريطة القوى في العالم، وتوتر سياسي واستراتيجي متصاعد على خلفية الاهتمام الأمريكي المتجدّد بالموقع الجيوسياسي للجزيرة وثرواتها الطبيعية ودورها في معادلات الأمن في القطب الشمالي، وتمسّك كوبنهاجن وحكومة جرينلاند بمبدأ السيادة وحق سكان الجزيرة في تقرير مستقبلهم، في وقت يراقب فيه الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو التطورات، باعتبارها جزءاً من توازنات أوسع تتعلق بالمنافسة الدولية والنفوذ في شمال الأطلسي.

وبدأ الجدل حول جرينلاند في مارس الماضي، إذ أعلن «ترامب» في خطاب أمام الكونجرس أنه يريد الحصول على الجزيرة، لاعتبارات أمنية، ويعد سكانها بالازدهار إن انضموا إلى الولايات المتحدة، رغم رفض غالبية السكان الفكرة. وجاء رد رئيس وزراء جرينلاند مباشرة، قائلاً: جرينلاند ليست للبيع، رافضاً أي محاولة أمريكية للسيطرة عليها. وفي مايو أعاد «ترامب» التأكيد في مقابلة على أنه لا يستبعد الخيار العسكري لضم جرينلاند، معتبراً أنها ضرورية للأمن القومي. وفي بداية العام الحالي تصاعدت الأزمة، إذ صرح «ترامب» بأن الولايات المتحدة «تحتاج جرينلاند» لأسباب أمنية، وهو ما رفضته الدول الأوروبية واعتبرته تهديداً للسيادة الدنماركية.

الرئيس الأمريكي: نحتاجها لأسباب أمنية.. وأوروبا ترفض وتعتبره انتهاكا للسيادة الدنماركية

وفي 17 يناير، هدّد «ترامب» بفرض رسوم جمركية 10% على 8 دول أوروبية إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق على «شراء» جرينلاند، وهدّد بتصعيد الرسوم إلى 25% لاحقاً. وأعلن، خلال الأسبوع نفسه، في مقابلة مع شبكة NBC، أنه سيطبق رسوماً بنسبة 100% على واردات من أوروبا بسبب خلاف جرينلاند، لكنه تجنّب التعليق على استخدام القوة العسكرية. وأكد «ترامب» مؤخراً أنه «لا رجوع عن سعيه نحو جرينلاند»، حتى أشار إلى أن القوة يمكن أن تكون خياراً في المستقبل لو تطلبت الظروف ذلك. وفي رد رسمي من جرينلاند والدنمارك، كرر رئيس وزراء جرينلاند والدنمارك رفضهما أي محاولات للسيطرة على الجزيرة، مؤكدين الولاء للدنمارك وحلف الناتو.

وزيرة بجرينلاند: نعيش أوقاتا استثنائية تتطلب شجاعة

من جانب محلي، قالت وزيرة حكومة جرينلاند المسئولة عن الأعمال والطاقة والمعادن، ناجا ناثانييلسن: «نعيش في أوقات استثنائية، لا تتطلب فقط اللياقة، بل تتطلب شجاعة كبيرة»، معربة عن شكرها للدول الأوروبية على دعمها السياسي، مؤكدة أن الضغوط الأمريكية لن تثنيها عن الدفاع عن حق الجزيرة في تقرير مصيرها.

وأعلنت الأحزاب السياسية الخمسة الممثلة في برلمان جرينلاند رفضها القاطع أي محاولة لفرض الوصاية الأمريكية على الإقليم، مؤكدة أن تقرير المصير شأن داخلي خالص، وذلك رداً على تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب يلوح فيها مجدداً بإمكانية استخدام القوة للسيطرة على الجزيرة الدنماركية الغنية بالموارد. وشددت الأحزاب على أنها «لا تريد أن تكون أمريكية ولا دنماركية»، مؤكدة: «نريد أن نكون جرينلانديين، ويجب أن يقرر الجرينلانديون مستقبل جرينلاند بأنفسهم، دون ضغط أو إملاءات خارجية».

كان قائد قوات الناتو في أوروبا الجنرال الأمريكي أليكسوس جرينكويتش، قال في تصريحات سابقة، إن التحالف «بعيد كل البعد عن الأزمة»، مؤكداً أن التهديدات لم تُؤثر حتى الآن على العمل العسكري، وأن الحلف «مستعد للدفاع عن كل شبر من أراضيه».

«البرزنجي»: التوسع الجغرافي جزء من استعادة عظمة أمريكا

وفي هذا السياق، قال الدكتور زيد البرزنجي، المدير التنفيذي لمعهد المقاصد المسجل بالولايات المتحدة، إن دوافع الولايات المتحدة تجاه جزيرة جرينلاند لا يمكن فهمها فقط من منظور اقتصادي أو أمني تقليدي، بل في إطار رؤية سياسية أوسع يتبنّاها الرئيس الأمريكي تقوم على فكرة «التوسّع الجغرافي»، بوصفه أحد تجليات استعادة «عظمة أمريكا»، على غرار محطات تاريخية، مثل شراء لويزيانا وآلاسكا وفلوريدا، مضيفاً أن هذه المقاربة تتأثر، إلى حد كبير، بخلفية «ترامب» في قطاع العقارات، حيث يُنظر إلى الجغرافيا والموقع الاستراتيجي، باعتبارهما معياراً أساسياً للنجاح والنفوذ، معتبراً أن منطق «امتلاك الأرض» يحضر بقوة في التفكير السياسي الحالي للإدارة الأمريكية أكثر من الاكتفاء بعقود استثمار أو ترتيبات اقتصادية طويلة الأمد.

وأوضح «البرزنجي» أن الولايات المتحدة، من الناحية العملية، تمتلك بالفعل أدوات مُتعدّدة لتحقيق مصالحها في جرينلاند عبر الاستثمار أو الوجود العسكري القائم، مشيراً إلى أن البعد الأمني والعسكري حاضر منذ سنوات من خلال القواعد والمنشآت القائمة، مما يجعل السعى نحو السيطرة المباشرة، في رأيه، خياراً سياسياً رمزياً أكثر منه ضرورة اقتصادية أو أمنية، متابعاً أن تداعيات هذا التوجّه على أوروبا تنعكس في إطار سياسة «لىّ الذراع» التي تتبعها واشنطن في التفاوض مع الحلفاء والخصوم على حد سواء، لافتاً إلى أن الإدارة الأمريكية تراهن على محدودية قدرة القوى الأوروبية على اتخاذ خطوات تصعيدية حقيقية، وأن أقصى ما يمكن أن يصدر عنها غالباً يظل في إطار المواقف السياسية والإعلامية.

وأشار «البرزنجي» إلى أن أوروبا، على غرار كندا، تعرّضت لضغوط مماثلة عبر الرسوم التجارية والقيود الضريبية، مؤكداً أن المرحلة الحالية تشهد ترقّباً واسعاً لرد الفعل الأوروبي، مرجّحاً أن ينتهي الأمر، في غياب تصعيد شعبي أو سياسي واسع داخل القارة، إلى القبول بالأمر الواقع أو تقديم تنازلات في ملف جرينلاند أو غيره من الملفات الاستراتيجية، موضحاً أن التهديدات بفرض ضرائب ورسوم جديدة لم تُفعّل بشكل كامل حتى الآن، إلا أن تفعيلها فعلياً سيترك أثراً ملموساً على الأسواق المالية وسعر صرف الدولار وحركة التجارة العالمية، مُحذّراً من أن أي رد أوروبي مماثل قد يفتح الباب أمام دوامة من الإجراءات المتبادلة والتصعيد المتدرّج.

ولفت «البرزنجي» إلى أن هذه السياسات دفعت الكثير من الدول والتكتلات إلى إعادة النظر في درجة اعتمادها على الاقتصاد الأمريكي، مشيراً إلى تسارع خطوات أوروبا لإحياء اتفاقيات تجارية مع تكتلات مثل «ميركوسور» في أمريكا الجنوبية بعد سنوات من التعثر، وكذلك تحركات كندا نحو توسيع شراكاتها الاقتصادية مع الصين، في إطار البحث عن بدائل استراتيجية للأسواق الأمريكية، مؤكداً أن الأثر الأكبر لهذه التحولات قد لا يكون آنياً، بل طويل الأمد، معتبراً أن ما يجري اليوم يُسهم في «تفكيك» منظومة التحالفات السياسية والتجارية التي بنتها الولايات المتحدة على مدى عقود، وقد يؤدي إلى إعادة ترتيب النظام الدولي على أسس جديدة.

وختم «البرزنجي» بالقول إن قوة الدول العظمى، تاريخياً، لا تُبنى على حضور «الرجل القوي» بقدر ما تقوم على متانة المؤسسات والتحالفات الإقليمية والدولية، مرجّحاً أن يشهد العالم خلال المرحلة المقبلة تصاعداً في دور التكتلات الإقليمية والاتحادات الاقتصادية الكبرى، بوصفها ركيزة لتحقيق التوازن في النظام العالمي الجديد ومواجهة الضغوط الاقتصادية والسياسية المتبادلة.

«بكر»: الجزيرة منطقة توتر استراتيجي

بدورها، قالت الدكتورة نهى بكر، أستاذ العلوم السياسية، إن العودة الأمريكية للاهتمام بجرينلاند تتزامن مع عدة عوامل، فأولاً تغير المناخ وذوبان الجليد، مما يفتح ممرات ملاحية جديدة وموارد طبيعية في القطب الشمالي تزيد من أهمية موقعها الجيواستراتيجي الذي يتشابك مع التنافس الجيواستراتيجي مع روسيا والصين في المنطقة القطبية، بالإضافة إلى اكتشاف موارد طبيعية كبيرة في جرينلاند ومنطقتها الاقتصادية الخاصة والتطورات التكنولوجية التي تجعل التنقيب والاستغلال في المناطق القطبية مجدياً اقتصادياً، بالإضافة إلى القيمة الجيوسياسية والعسكرية، نظراً لموقعها الاستراتيجي بين أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا، مما يجعلها قاعدة محتملة لمراقبة وإسقاط صواريخ، خاصة مع تطور التهديدات الصاروخية الروسية، وقيمتها الاستخباراتية لمراقبة الأنشطة في القطب الشمالي.

وتابعت «بكر»، في حديثها لـ«الوطن»، أنه بقراءة تحركات الإدارة الأمريكية يبدو أن الأمر يجمع بين ضغط تفاوضي على الدنمارك التي تدير شئون دفاع جرينلاند الخارجية ومشروع استراتيجي طويل الأمد لمنافسة النفوذ الروسي والصيني المتزايد في القطب الشمالي وعمل الولايات المتحدة استباقياً لموازنة تطوير روسيا لقواعد عسكرية شمالية، حيث تعتبر روسيا المنطقة مجال نفوذها التقليدي، مشيرة إلى أن جرينلاند الآن هي منطقة توتر، ويزيد من هذا التوتر أن عضوين في الناتو وهما الولايات المتحدة الأمريكية والدنمارك تتعارض مصالحهما بشأن الجزيرة.


مواضيع متعلقة