57 عاما من جزيرة الزمالك إلى التجمع الخامس

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

صداقتي مع معرض القاهرة الدولي للكتاب تبلغ هذا العام نصف قرن من الزمان. عرفته منذ دورته السابعة عام 1976. البداية كانت في جزيرة الزمالك في موقع دار الأوبرا الحالي. كانت تلك المساحة أرض المعارض, الزراعي والصناعي والكتب. المساحة كانت معقولة قبل الزيادة الكبيرة للسكان. أعتبر نفسي من مريدي المعرض الذي من خلاله عرفت واشتريت آلاف الكتب تزين مكتبتي وعقلي.

صرت حافظا لكل القاعات والأجنحة ودور النشر والعارضين. أرسم لنفسي خريطة قبل قيامي بزيارة المعرض. أقسم زياراتي للمعرض على عدة أيام حسب ظروف الوقت، وهي لا تقل في كل الأحوال عن أربعة مرات تستغرق كل مرة يوما كاملا. منذ سنوات أبدأ جولتي في المعرض من جناح سور الأزبكية، على اعتبار أن الكتب المستعملة قد لا يتوفر منها إلا نسخة واحدة؛ لذلك أحاول أن أحصل على تلك النسخة أو غيرها من النسخ غير المتوفرة في شكل جديد في المكتبات.

عرفت مصر المعرض في عام 1969 وهو العام الذي شهد مرور ألف عام على تأسيسها زمن الدولة الفاطمية. كلف الرئيس جمال عبد الناصر، وزير الثقافة وقتذاك ثروت عكاشة بتأسيس المعرض في تلك المناسبة حتى يكون حدثا ثقافيا يليق بمكانة مصر وقيمة الاحتفال الألفي. وبدوره كلف ثروت عكاشة الناقدة المشهورة د. سهير القلماوي بتأسيس المعرض والذي تولت رئاسته بعد تأسيسه.

لم يكن تأسيس المعرض مصادفة، بل ولد في سياق ثقافي وسياسي واعٍ في الستينيات حين كانت الدولة المصرية ترى الثقافة جزءا أساسيا من مشروعها الوطني, ليكون المعرض مؤسسة ثقافية مستدامة تتكرر سنويا. وكان لثروت عكاشة دورا كبيرا في مجال الثقافة، آمن بأنها لا تقل أهمية عن الاقتصاد والسياسة. وأن الكتاب الأداة الأهم لبناء الإنسان، وأن مصر يجب أن تكون مركزا ثقافيا عربيا ودوليا؛ لذلك تحمس ودعم فكرة إنشاء معرض كتاب دولي يكون مفتوحا للجمهور.

تواصلت الدكتورة سهير القلماوي مع دور النشر المصرية والعربية والدولية ووضعت الإطار الثقافي والفكري للمعرض. فتحولت الفكرة من قرار إلى حدث ثقافي حي. وقامت المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر – الهيئة المصرية العامة للكتاب فيما بعد – بتنفيذ لإقامة معرض الكتاب.

لم يكن التخطيط لمجرد تنظيم سوق للكتب، بل قام على رؤية واضحة جعل الكتاب في متناول الجمهور العام وربط القارئ المصري والعربي بالإنتاج الثقافي العالمي، وخلق حدث ثقافي سنوي يشمل بيع الكتب وإجراء الحوارات الفكرية وتنظيم الندوات واللقاءات، وتم اختيار أرض المعارض بالجزيرة وسط القاهرة لإقامة المعرض الذي استمر بها حتى أوائل ثمانينات القرن الماضي حيث انتقل في عام 1983 إلى أرض المعارض بمدينة نصر واستمر بها حتى عام 2019 ثم استقر حاليا في مركز المؤتمرات بالتجمع الخامس. لذلك لم يكن المعرض مجرد احتفال عابر بألفية القاهرة، بل تحول إلى أقدم وأهم معرض كتاب في العالم العربي، ويحتل المركز الثاني على مستوى العالم بعد معرض فرنكفورت في ألمانيا.

صار المعرض منارة ثقافية مصرية عربية دولية تزين القاهرة منذ أكثر من نصف قرن، حيث تفتح ذراعيها للكتاب ، فتغدو في كل شتاء عاصمة للكلمة، وملتقى للعقل والخيال. فالمعرض لا يعد مجرد فضاء لبيع الكتب، بل مشهد ثقافي متكامل، تتلاقى فيه الحضارات، وتتحاور الأفكار، وتصاغ فيه علاقة الإنسان بالمعرفة.

أما على مستوى حجم المشاركة، فيعد المعرض ظاهرة فريدة؛ إذ يشارك فيه أكثر من 1400 دار نشر من حوالي 80 دولة، ما يتيح للزائر الاطلاع على مئات الآلاف من العناوين في شتى فروع المعرفة، من الأدب والفلسفة والتاريخ، إلى العلوم وكتب الأطفال والترجمات المتنوعة. ويضم المعرض ملايين النسخ من الكتب الورقية، إلى جانب الإصدارات الرقمية والحديثة، ما يجعله سوقا معرفية عالمية مفتوحة.

منحت هذه الضخامة معرض القاهرة مكانة مرموقة بين معارض الكتاب الدولية، حيث يصنف ضمن أكبر معارض الكتاب في العالم من حيث عدد الزوار والمشاركات، وغالبا ما يذكر في مصاف المعارض الكبرى مثل معرض فرانكفورت الدولي للكتاب ومعرض لندن ومعرض بكين. وعلى الصعيدين العربي والإفريقي، يحتل المعرض الصدارة؛ فهو الأكبر والأقدم في العالم العربي، وأهم معرض كتاب في إفريقيا من حيث التأثير الثقافي والحضور الجماهيري.

يظل معرض القاهرة الدولي للكتاب شاهدا على مكانة مصر التاريخية كمنارة للعلم والثقافة، وحلقة وصل بين الماضي والحاضر، وبين القارئ العربي والعالم. واستمراره لأكثر من خمسين عاما ليس مجرد رقم، بل دليل على إيمان راسخ بأن الأمم لا تبنى إلا بالكتاب الذي هو أصل المعرفة، وأن المعرفة تظل الطريق الأصدق إلى المستقبل.