«رفض يسيبه للبحر».. كواليس إنقاذ قبطان مصري لشاب من غرق مركب هجرة غير شرعية
«رفض يسيبه للبحر».. كواليس إنقاذ قبطان مصري لشاب من غرق مركب هجرة غير شرعية
- إنقاذ مركب هجرة غير شرعية
- إنقاذ شاب من مركب هجرة غير شرعية
- مركب هجرة غير شرعية
- هجرة غير شرعية
- الكابتن أحمد عمر شفيق
- الكابتن المصري أحمد عمر شفيق
- أحمد عمر شفيق
بين تلاطم الأمواج العاتية وقوة الرياح في حوض البحر المتوسط، لم يكن الضابط الثاني البحري، أحمد عمر شفيق، ابن قرية الصوامعة بسوهاج، يعلم أن رحلته الروتينية من صفاقس التونسية إلى ليفاردوفا التركية ستتحول إلى ملحمة إنسانية تُصارع الموت، ففي تلك المنطقة الواقعة شرق تونس وجنوب جزيرة مالطا، وبينما كان يباشر ورديته في غرفة القيادة، استوقفته رسالة استغاثة من بين عشرات الرسائل؛ مفادها بأن مركب هجرة غير شرعية على متنه نحو 40 شخصًا قد فُقد في تلك الإحداثيات.
كواليس إنقاذ الشاب «رمضان» من الموت
وفي تمام الثانية ظهرًا بتوقيت تونس، وضع القبطان الشاب حدسه وخبرته في كفة الميزان، بعدما ملأ اليقين قلبه بأنهم قريبون من موقع حطام المركب المفقود، وبدأ يمسح الأفق يمينًا ويسارًا، وما هي إلا لحظات حتى بدأت بقايا مركب متهالك غطاه الصدأ يطفو على سطح الماء، وجثث هامدة بدأت تظهر تباعًا على بعد ميلين من سفينتهم، واستدعى القبطان فوراً قائد السفينة إلى غرفة القيادة، ليخبره أنّهم وصلوا إلى المركب المفقود المُبلغ عنها والجثث تطفو من حولهم.
ووسط تلك المشاهد القاسية التي أبكت الطاقم البحري، وبينما كانت الرياح تزمجر والموج يرتفع لنحو 7 أو 8 أمتار، يحكي الضابط أحمد عمر شفيق لـ«الوطن» أنّه لمح يدًا وحيدة ترتفع وتنخفض مع الموج وسط الجثث، إذ كان الشاب رمضان كونتي من دولة سيرليون يتشبث بالحياة بكل ما أوتي من قوة ويرتفع فوق الأمواج، يقول الضابط البحري: «رمضان كان متشبث بالحياة وكان بينط فوق الموج قعدت أنده عليه وأقوله خليك خليك هجيلك، وقولت للكابتن فيه جثث على الشمال وفيه واحد عايش على اليمين، وكلمته عشان ناخد التعليمات لكنه كان مقلق عشان حالة البحر وكان فيه خطر على المركب فكلمته وأقنعته قولت له دي روح وحاجة لله وربنا هيسترها معانا قالي أنا هغامر بـ16 روح عشان أنقذ روح قولت له هنحاول نعمل اللي نقدر عليه».
لم يكن قرار الإنقاذ سهلًا؛ فالمخاطرة بسفينة ضخمة وطاقم مكون من 16 شخصًا وسط بحر هائج هو مغامرة كبرى، لكن وقف «أحمد» أمام كابتن السفينة مدافعًا عن تلك الروح الغارقة، وبعد محاولة أولى لم تنجح بسبب شدة التيار التي سحبت الغريق بعيدًا، كاد اليأس يتسلل إلى البعض، لكن صورة تلك اليد المرفوعة ظلت محفورة في ذاكرة «أحمد»، فأصر على الالتفاف مرة أخرى وتوسيع زاوية دوران السفينة.
ويقول: «كنت بدعي من جوايا يارب ألاقيه وربنا أراد أشوفه ولقيناه، والبحرية كلها كانت متحمسة وتمت عملية الإنقاذ على خير وكلمنا المحطات الساحلية ومحطات الإنقاذ وتواصل معانا مركب متخصص في الإنقاذ كانو عايزنا نرجع تونس تاني فمعرفناش بسبب الرياح والموج، وكان فيه شعور جميل من كل الطاقم كأنه أنقذ اخوه».

الشاب «رمضان» فقد شقيقه وزوجته وابنهما
صعد «رمضان» إلى السفينة بجسد مرتجف ومُنهك وبالكاد يلتقط أنفاسه بعدما ظل في المياه 24 ساعة في درجة حرارة تكاد تصل للتجمد وهو وقت يتجاوز قدرة البشر الطبيعية على الصمود في مثل تلك الظروف، ما استدعى من الطاقم الطبي إجراء بعض الإسعافات الأولية موفرين له الدفء والملابس، يقول «أحمد»: «جبناله بطانية لأن كان جسمه كله بيترعش من البرد ونبهت على البحرية أنهم ميدولوش أكل ولا مياه لحد ما درجة حرارة جسمه تنزل وبعدين طلعته مستشفى المركب وجبناله هدوم ونام شوية وارتاح، وكان فيه مركب إنقاذ من إيطاليا قريبة مننا شوية لكن تعذر نزوله في الأول، ولكن ربنا أراد أنه ينزل في مالطة بعد ما لبسناه جاكيت إنقاذ وعملناله الاحتياطات اللازمة عشان لو حصل حاجة تاني لا قدر الله».
وخلف هذه الواقعة، كانت تكمن مأساة شخصية؛ إذ كشف «رمضان» للضابط أحمد أنه فقد شقيقه وزوجة شقيقه وابنهما أمام عينيه حين غرق مركبهم الذي كان يحمل 51 شخصًا في ظلام الليل، والتي انطلق عليها «رمضان» بحثًا عن حياة ومستقبل أفضل لابنه ذي السبع سنوات، يقول الضابط: «سألته شعورك إيه أول ما جينا بالمركب وبعدين لفينا ومشينا قبل ما نرجع تاني تاني قالي حسيت إن أنا مت ورفعت إيدي لله وقولت خلاص كده»,
وتابع: «أنا بقالي 3 سنين شغال في البحر ودي أول مرة يحصل معايا الموقف ده، الطاقم كله كان بيعيط من منظر جثث الشباب والشابات، والأصعب إن كان فيه عوامات طافية على المياه وده معناه إن الإنسان اللي كان متشبث بيها نزل في القاع، وللأسف مكانش فيه إمكانية لانتشال الجثث من المياه وبلغنا خفر السواحل الإيطالي بالمكان اللي كنا فيه عشان ينتشلها».