غرام في الكرنك.. والقوة الناعمة

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

زرت الأقصر منذ أيام قليلة بعد غياب يزيد على 20 سنة. يمكن أن نحكي كثيرا عن هذه المدينة العائمة على آثار المصريين القدماء والتي يضع التاريخ بصماته على كل شبر فيها، لكني لن أتكلم عن الآثار هذه المرة، سأتكلم عن الأقصر في السينما، الأقصر في فيلم غرام في الكرنك تحديدا. خرج هذا الفيلم إلى النور في عام 1967، أي منذ ما يقرب من 60 عاما. الفيلم بطولة فرقة رضا للفنون الشعبية وبطلها الأول محمود رضا وبطلته فريدة فهمي والمخرج كان علي رضا شقيق البطل وزوج البطلة ومن تأليفه أيضا. جمع الفيلم عددا كبيرا من النجوم في الرقص الشعبي أو في الغناء.

من أبرز ما تضمن الفيلم أغنية "الأقصر بلدنا" التي غناها الراحل محمد العزبي. نجحت الغنية وانتشرت بشكل واسع، وفي الأقصر حتى الآن لا يوجد حنطور لا يذيع هذه الأغنية، أكثر من سبعمئة حنطور اجوب الأقصر تذيع هذه الأغنية سواء للسياح الأجانب أو للسياح المصريين، أما الفيلم فيحفظه كل مواطن أقصري وكل شاب خاصة العاملين في قطاع السياحة والآثار. تم تصوير الفيلم في معابد الكرنك العظيمة التي تعد مدينة أثرية كاملة، وهو ما زاد من مكانة الفيلم كقوة ناعمة.

يظهر الفيلم أن المواطن أو السائح حين يمشي في شوارع الأقصر، لا يمشي وحده. إنما يمشي مع التاريخ، ومع النيل، ومع أصوات بعيدة لا تعرف من أين تأتي، لكنها مألوفة على نحوٍ مدهش. هناك، بين الأعمدة التي تعرف معنى الخلود، قد تفاجئك تلك الأغنية بسيطة الكلمات، صافية النبرة التي ألفها فتحي قورة ولحنها علي إسماعيل، تخرج من محلٍ صغير أو من ذاكرة أحد المارة «الأقصر بلدنا بلد سواح، فيها الأجانب تتفسح». أغنية مر على ميلادها ما يقارب سبعين عاما، لكنها ما زالت حية، تتنفس، وتؤدي وظيفتها في صمت، تذكيرنا بقوة السينما بوصفها إحدى أنعم وأعمق أدوات التأثير. لم تكن الأغنية مجرد لزمة موسيقية في الفيلم، كانت رسالة غير مباشرة، عابرة للزمن، تحمل صورة مصر إلى الداخل والخارج في آن واحد. هنا تتجلى السينما كقوة ناعمة حقيقية؛ لا تفرض نفسها بالقوة، ولا تخاطب العقول فقط، بل تتسلل إلى الوجدان، وتستقر في الذاكرة الجمعية، وتعيد إنتاج نفسها مع كل جيل.

القوة الناعمة، في جوهرها، القدرة على التأثير دون إكراه، وعلى الإقناع دون خطاب مباشر. والسينما، بما تجمعه من صورة وصوت وحكاية، هي الأداة الأكثر اكتمالا لممارسة هذا النوع من القوة. فهي لا تكتفي بعرض الواقع، بل تعيد صياغته، وتمنحه معنى، وتزرع فيه حلما. فيلم واحد قد يصنع صورة مدينة كاملة، وأغنية واحدة قد تصبح بطاقة تعريف لوطن.

الأقصر، التي ما زالت تتردد فيها تلك الأغنية، دليل حي على أن السينما لا تنتهي بانطفاء شاشة العرض. الفيلم يغادر القاعة، لكنه لا يغادر الوعي. يتحول إلى ذاكرة، إلى لحن، إلى جملة عابرة، إلى إحساس بالانتماء أو بالدهشة. وهكذا تصبح المدينة نفسها جزءا من المشهد السينمائي، ويصبح أهلها حراسا غير مقصودين لذاكرة فنية وسياسية وثقافية.

ليس بعيدا عن ذلك، كانت ثورة 23 يوليو 1952 حريصة على تأكيد هذا الدور. لم تكن الثورة حدثا سياسيا فحسب، بل مشروعا ثقافيا متكاملا، وجدت السينما فيه صوتها الأكثر تأثيرا. عشرات الأفلام والأغنيات لم تكتفِ بتسجيل اللحظة، بل ساهمت في تشكيل الوعي العام، وبناء سردية وطنية جديدة عن العدالة الاجتماعية، والكرامة، والاستقلال. وما زالت هذه الأعمال، حتى اليوم، تشاهد وتسمع، وتستدعى كلما احتاجت الذاكرة الوطنية إلى تجديد نفسها.

هذه الأعمال لم تكن خطابية أو مباشرة، بل إنسانية في جوهرها. كانت تحكي عن الناس، عن أحلامهم البسيطة، عن الحب والعمل والانتماء. ومن هنا جاءت قوتها. فالفن حين يكون صادقا، يصبح سياسيا دون أن يرفع شعارا، ومؤثرا دون أن يطالب بذلك.

السينما، ليست ترفا ثقافيا، ولا مجرد صناعة للترفيه، بل استثمار طويل الأمد في الوعي والوجدان. أغنية تعيش سبعين عاما، وفيلم يستعاد بعد أجيال، هما شهادة على أن الصورة قد تكون أبلغ من الخطاب، وأن اللحن قد يكون أصدق من البيان.

إذا ما وسعنا زاوية النظر، سنجد أن ما فعلته السينما المصرية في الخمسينيات والستينيات ليس استثناء في التاريخ، بل جزء من ظاهرة إنسانية أوسع. هوليوود، على سبيل المثال، لم تكتفِ بتصدير الأفلام، بل صدرت نمط حياة كاملا : الحلم الأمريكي، الفردانية، المدينة الحديثة، والنجاح بوصفه قدرا شخصيا. السينما هناك كانت ذراعا ناعمة للسياسة والاقتصاد، تصنع التعاطف، وتعيد تشكيل صورة أمريكا في خيال العالم.

في تجربة مختلفة، استخدمت السينما الإيرانية البساطة والرمز والإنسان العادي لتخاطب الضمير العالمي، فصنعت حضورا أخلاقيا وثقافيا تجاوز حدود السياسة الرسمية. السينما الكورية الجنوبية، تحولت في العقود الأخيرة إلى قوة ناعمة معاصرة، مزجت بين الترفيه والعمق الاجتماعي، وأسهمت في انتشار اللغة والثقافة الكورية عالميا.

في إيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية، لعبت السينما الواقعية الجديدة دورا محوريا في إعادة تعريف صورة المجتمع الإيطالي، مقدمة الإنسان البسيط وهمومه اليومية إلى العالم، فكانت الأفلام سفراء لمعاناة شعب وأحلامه. في الهند، لم تكن السينما مجرد صناعة ضخمة، بل لغة مشتركة لمئات الملايين، تصوغ الوجدان الجمعي، وتربط الداخل بالخارج عبر الموسيقى والدراما والرقص، حتى أصبحت مدينة السينما الهندية "بوليوود" إحدى أبرز أدوات التأثير الثقافي الهندي عالميا.

وسط هذه التجارب، تحتفظ السينما المصرية بخصوصيتها. لم تكن فقط سينما دولة أو سوق، بل سينما مجتمع كامل، يعكس تنوعه، ويعبر عن أحلامه وهواجسه. كانت القاهرة، مثل الأقصر، حاضرة على الشاشة بوصفها شخصية حية، لا مجرد خلفية. لذلك فأغنية شعبية بسيطة تعيش سبعين عاما ليست مصادفة، بل نتيجة طبيعية لسينما عرفت كيف تكون قريبة من الناس، وكيف تحول الفن إلى ذاكرة، والذاكرة إلى قوة ناعمة مستدامة.