الذكاء الاصطناعي وأطباء الأشعة!

خالد منتصر

خالد منتصر

كاتب صحفي

في ندوة الثقافة العلمية بمعرض الكتاب، كان معي على المنصة الدكتور سامح مرقس أستاذ الأشعة بشيفلد إنجلترا، والدكتورة نيفين مكرم المتخصصة في الذكاء الاصطناعي بأكاديمية السادات، وعندما تطرق الحديث إلى مجال إسهامات الذكاء الاصطناعي في الطب، همست في أذن صديقي الدكتور سامح ضاحكاً، «اطمن أول ناس حتقعد في البيت هم أطباء الأشعة»، كان الكلام على سبيل الهزار، لكن عندما بحثت في مراجع كثيرة تتحدث عن الـAI والطب، وجدت أن أول تهديد للتخصصات الطبية، سيكون تخصص الأشعة، لكني أحببت أن أوضح طبيعة هذا التهديد في مقال، فلم يعد الذكاء الاصطناعي مفهوماً مستقبلياً بعيداً عن الواقع الطبي، بل أصبح جزءاً متزايد الحضور داخل أقسام الأشعة في المستشفيات حول العالم، ومع كل تطور جديد في الخوارزميات القادرة على تحليل صور الأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي، يتصاعد القلق حول مصير طبيب الأشعة، هل سيتم الاستغناء عنه؟.

الحقيقة أن الذكاء الاصطناعي لا يتجه لإلغاء هذا التخصص، بل لإعادة تعريفه جذرياً، يعتمد الذكاء الاصطناعي في الأشعة بشكل أساسي على تقنيات التعلم العميق، حيث يتم تدريب الأنظمة على ملايين الصور الطبية لاكتشاف أنماط مرضية دقيقة، وقد أثبتت هذه التقنيات قدرتها على رصد أورام صغيرة جداً، واكتشاف نزيف دماغي حاد، والتعرف على كسور دقيقة، وقياس أحجام الأعضاء والأورام بسرعة ودقة تفوق الأداء البشري في بعض المهام الروتينية، إلا أن هذه القدرات تظل في إطار التحليل البصري ولا ترقى إلى تشخيص طبي متكامل، تكمن الحدود الحقيقية للذكاء الاصطناعي في غياب الفهم السريري الشامل، فالخوارزمية ترى الصورة فقط، بينما يفهم طبيب الأشعة السياق الكامل للحالة، ويربط بين الصورة والتاريخ المرضي والأعراض والفحوصات الأخرى، كما أن الذكاء الاصطناعي لا يتحمل مسئولية القرار الطبي ولا يمكن مساءلته قانونياً أو أخلاقياً، فضلاً عن قابليته للخطأ أو الانحياز عند التعامل مع حالات نادرة أو صور منخفضة الجودة، لكن في المستقبل القريب، سيتحول دور طبيب الأشعة من مجرد قارئ للصور إلى طبيب قرار، سيقوم الذكاء الاصطناعي بفرز الحالات الروتينية وتسليط الضوء على الحالات الحرجة، مما يمنح الطبيب وقتاً أكبر للتفكير التحليلي والتواصل مع الفريق الطبي والمشاركة في رسم الخطة العلاجية، هذه الشراكة ستقلل من الإرهاق الذهني وتحد من الأخطاء الناتجة عن الضغط وكثرة الحالات.

على عكس المخاوف الشائعة، لن يختفي تخصص الأشعة، بل سيختفي النموذج التقليدي للطبيب الذي يرفض التطور، سيبرز بدلاً منه طبيب أشعة يفهم آليات عمل الذكاء الاصطناعي، يدرك نقاط قوته وضعفه، ويستطيع مراجعة نتائجه وتصحيحها، المستقبل سيكافئ الأطباء القادرين على دمج المعرفة الطبية مع التكنولوجيا، لا أولئك الذين يقفون في مواجهتها، ولكي يواكب طبيب الأشعة هذا التحول، يحتاج إلى تطوير مهاراته باستمرار، ليس بتعلم البرمجة، بل بفهم المبادئ الأساسية للذكاء الاصطناعي، وتحسين قدراته في التحليل السريري والتواصل مع المرضى والأطباء، كما سيكون له دور محوري في تقييم واعتماد أنظمة الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الطبية.

باختصار، الذكاء الاصطناعي لن يحل محل طبيب الأشعة، لكنه سيحل محل طبيب الأشعة الذي لا يتطور، المستقبل ليس صراعاً بين الإنسان والآلة، بل شراكة ذكية تجمع بين سرعة الخوارزمية وعمق الفهم الإنساني، وفي هذه الشراكة سيظل طبيب الأشعة عنصراً أساسياً لا غنى عنه.