مؤلف «ثلاثية الغربة»: أنا مغرم بالعمارة.. والصحافة كان لها تأثير قوي على كتاباتي

كتب: إنجي الطوخي

مؤلف «ثلاثية الغربة»: أنا مغرم بالعمارة.. والصحافة كان لها تأثير قوي على كتاباتي

مؤلف «ثلاثية الغربة»: أنا مغرم بالعمارة.. والصحافة كان لها تأثير قوي على كتاباتي

ملامحه هادئة بسيطة، رومانسيته في السؤال تشي بروح شابة ما زالت تنظر إلى الحياة بعين الدهشة والاستكشاف، أما إجابته فتحكي عن رجل عجن الحياة وخبرها بكل قوة، هو الكاتب الكبير عزت القمحاوي، الذي يشعر من يتحدث إليه بأنه يدرك قيمة الكلمة جيداً وأنه يملك زمامها ويسوقها حتى حصد من خلالها الجوائز الأدبية والصحفية الرفيعة، منها جائزة نجيب محفوظ عام 2012، وسمير قصير لحرية الصحافة عام 2022.
دخل«القمحاوي» بلاط صاحبة الجلالة محبًا بعد تخرجه في كلية إعلام جامعة القاهرة عام 1979، بين دروب الصحافة بدأ يسلك طريقه، لكن سرعان ما «ندهته نداهة» الرواية والأدب، وكفتى عاشق مشي دون تفكير وراء معشوقته، أما الوليد فكان العمل الأدبي «حدث فى بلاد التراب والطين» الذى خرج كمعزوفة حزينة من قلب الريف المصري بعد أن ترك آثاره واضحة فى قلب «القمحاوي» ولم تفارقه أبدا حتى بعد أن غادرقريته التى نشأ بها وهى « ميت سهيل» بمحافظة الشرقية.

وتوالت إصدارات «القمحاوي» الأدبية التى خرج بشكل بعضها غير مألوف ملئ بالتجديد والإبداع مثل «الأيك في المباهج والأحزان»، وعلى مدار رحلة ممتدة وصلت إلى 45 عامًا وأكثر ظل «القمحاوي» هو ذلك الفتي الذى يتأرجح بين فبعة الصحافة والأدب وكأنه حائر بين نداء العقل والقلب، فهو تارة مدير تحرير لأخبار الأدب و«الدوحة» وتارة أخرى مرشحًا ثلاث مرات لجائزة الشيخ زايد للكتاب عن كتبه «غرفة مسافرين، غربة المنازل، يكفى أننا معا»، وفى النهاية المستفيد الحقيقى هو القارئ العربي والمشهد الثقافي كله.
وبمناسبة صدور كتابه الجديد «ثلاثية الغربة» فى معرض القاهرة فى دورته الـ57، تجرى «الوطن» هذا الحوار، الذي تستكشف فيه تفاصيل رحلة «القمحاوي» فى الكتابة وتغوص فى أعماقه الإنسانية:

■ كثيراً ما تشتبك رواياتك مع الواقع المصري دون مباشرة، كيف توازن بين الخيال والواقع أثناء الكتابة؟

- في نظري لا يمكن للكتابة أن تتخلى عن الواقع، حتى كتابة السرد الذاتي ليس بوسعها أن تحقق مكانتها إلا من خلال علاقة هذه الذات بالعالم، وفي الوقت ذاته لا يمكن لنسخ الواقع أن يكون فناً، الخيال هو ما يمنح الفن خفته، بالمعنى الحميد للخفة، الذي يمنح النص أجنحة.

■ هل تشعر أن الصحافة أثّرت على أسلوبك الروائي، أم أنك تفصل تماماً بين الكاتب الصحفي والكاتب الإبداعي؟

- بالطبع كان للصحافة تأثيرها علي الذي تتوازن فيه المكاسب والمخاسر، من حيث المخاسر أكلت وقتًا مديدًا كنت أحتاجه لكتبي، وهي تطلب الاندفاع للخارج وإقامة العلاقات مع الآخرين بينما تتطلب الكتابة الأدبية العزلة. وأما عن العطايا فأظن أن الصحافة علمتني الوضوح والدفة والاختصار، وبقوة الخوف من ضياع الكلمة الصحفية وسقوطها في النسيان السريع استطعت أن أبتكر لون السرد المفتوح الذي بدأ بـ«الأيك» عام 2002، وما تلاه من كتب يتعانق فيها السرد مع التأمل الفلسفي للظواهر.

عزت القمحاوي

■ كيف تتعامل مع لحظات الشك أو الصمت أثناء الكتابة؟ وهل تؤمن بما يسمى «انسداد الكتابة»؟

- فترات سدة الكتابة عادية لدى كل كاتب، بالنسبة لي أنا أحايل كتابتي حتى عندما تكون طيعة، أحايلها بالعزلة التامة وتصفية الذهن، وعند انسداد الكتابة تصبح المحايلة تدليلًا، فأقرأ ما أحب، وأشاهد أفلامًا جيدة، وأسافر ولو لمئة كيلو متر، وإذا لم تستجب الكتابة بعد الدلال أعرف أن هذا العمل ليس من نصيبي وأنصرف عنه. غالبًا يُولد البديل ويُزيح العمل المستعصي جانبًا.

■ تبدو شخصياتك غالبًا عادية من الخارج لكنها عميقة ومقلقة من الداخل، كيف تُولد الشخصية عندك: من فكرة أم من إنسان حقيقي؟

- حتى «مدينة اللذة» التي تناولت فيها مدينة أسطورية، هي بشخصياتها مستلهمة من الواقع، وعلى صلة به، سواء المكان أو الحدث أو الشخصيات فيها. بخصوص الشخصيات لا توجد شخصية لدي ليس لها أصل في الواقع، لكن هذا الأصل هو زيت العطر المركّز الذي يُحل بعد ذلك بعناصر أخرى، بالكحول الطيار، كذلك أصل الشخصية تدخل عليه خفة الخيالي لتحمله وتباعد بينه وبين الأصل الذي استلهمته، إذ لا ينبغي أن تكون الرواية مثل نشرة الأخبار. ولا ينبغي أن يتوصل القارئ الى ذلك الأصل الواقعي، فعلى سبيل المثال «غرفة ترى النيل» تجربة شخصية رافقت فيها صديقًا في أيام احتضاره الأخيرة بالمستشفى، ولم يستطع أحد أن يُخمن من هو ذلك الصديق. في النهاية ما يجمعني بالقارئ هو تجربة الموت التي أقبل عليها عيسى بطل الرواية بسلام ورضى.

■ نجيب محفوظ يُعد مرجعاً أساسياً في الرواية العربية، كيف كانت أول مواجهة لك مع عالمه الأدبي؟

- أول لقاء لي مع نجيب محفوظ كان من خلال كتاب وصلني في قريتي بلا غلاف أو مقدمة أو صفحة بيانات، سميته «كتاب مقطوع الرأس»، وهو عبارة عن رواية أبكتني وعشت مأساة بطلتها، فلم أعرف من الكاتب ولا عنوان الرواية، بعد ذلك اكتشفت أنها «بداية ونهاية» لنجيب محفوظ.

■ في رأيك، لماذا ما زال نجيب محفوظ حاضراً بقوة في وجدان القرّاء رغم تغيّر الأزمنة والأذواق؟

- بعد تعدد قراءاتي لنجيب محفوظ، أدركت أنه واحد من كتاب العالم الكبار، وهو أهم من كثير من الأسماء المشهورة جداً في العالم في مجال الأدب، وحديثه عن أحقية كُتاب آخرين منه كان محض مجاملة وكرم، وفكرة عبوره للأزمنة سببها أنه لا يتقيد بحدود فى الكتابة، بل يكتب للإنسان مهما كان جنسه أو نوعه أو ثقافته أو ديانته.

■ بعد فوزك بجائزة سمير قصير عن مقال «عمارة الريبة: هوس البنايات الكبرى والشوارع الواسعة» لماذا اخترت العمارة للكتابة عنها؟

- غرامي بالعمارة كان بوصفها فنًا قديمًا، ومع الوقت اكتشفت خطورتها كتاريخ صلب يحكي عن البناة وعصرهم، العمارة بالطبع مع التنظيم العمراني صورة للمجتمع، تخبر عن حكمته وعن سفهه، تخبر عن نوع الحكم وحالة العدالة، وفوق كل هذا؛ فالمكان أحد أسس بناء الرواية، وعندما نتحدث عن المكان فنحن بصدد العمارة والفراغات، كما أن العمارة تساهم في إغناء موضوع الرواية، على سبيل المثال تفضل روايات الجريمة العمارة القوطية الموحية بالخوف والغموض، وفي كتابتي المباشرة عن العمارة والعمران أحاول استكشاف حالة العدالة وأولويات الاقتصاد، وفي الرواية تقوم العمارة بدورها في خدمة موضوع الرواية.

■ هل اختيار نجيب محفوظ ضيف شرف المعرض هذا العام له تأثير في اختيار الزائر أو في شكل الندوات؟

- بالطبع له تأثير، خصوصاً على الأجيال الشابة التي ترى الإنسان المصري من خلال كتاباته، وأنا سعيد باستحداث جائزة نجيب محفوظ، ولكن أتمنى فى المستقبل التنسيق بين أربع جوائز تحمل اسمه الآن فأقترح تغيير مسميات ثلاث منها، فلدينا الأقدم من الجامعة الأمريكية، وجائزة المجلس الأعلى للثقافة، فجائزة المعرض ومكتبة الإسكندرية، ويمكن أن نسمى واحدة باسم «جائزة عميد الرواية» أو نسمى الجائزة باسم أحد أعماله، ويمكن أن تخصص إحداها للقصة القصيرة.

كثير من الكتّاب يخشون الوقوع في ظل نجيب محفوظ، كيف نجحت في بناء صوتك الخاص بعيدًا عن هذا الظل؟

- ⁠إذا لم يتوقف تكوين الكاتب عند نجيب محفوظ، فمن الطبيعي أن ينجو من نسخ تحربته أو تجربة أي كاتب آخر.

عزت القمحاوي

■ ما اقتراحك لتطوير المعرض في السنوات المقبلة؟

- اقتراحي دائمًا في تقليل عدد الندوات وعدد الضيوف من أجل تحسين مكانة الندوة، ومن أجل تقديم اهتمام أكبر بالضيف والاستفادة من وجوده بشكل أفضل. متفائل بوجود دينامو مجرب من قبل هو الدكتور أحمد مجاهد مسئولًا عن المعرض، وسعيد باستحداث جائزة نجيب محفوظ، وأطمع أن تصاف جائزة أخرى فى المعرض خاصة بالفكر والفلسفة باسم طه حسين، وإذا تعذر استحداث جائزة باسم طه حسين فلتكن جائزة مكتبة الاسكندرية باسمه لا باسم نجيب محفوظ. فأنا ككاتب يسعدني تعدد الجوائز، لكن يجب ألا نغفل التوازن بين الأنواع الإبداعية، وألا نغفل الفكر، وطه حسين هو عميد الفكر والأدب العربي.

■ كيف تنظر إلى تجربة نشر ثلاث روايات سابقة لك في كتابك الجديد تحت عنوان ثلاثية الغربة؟

- أنظر بترقب وبقلق ربما أكثر من القلق الذي يصاحب إصدارا للمرة الأولى. هنا نحن بصدد أهم سؤال يتعلق بقيمة الأدب، إذ يتعرض لاختبار الزمن، والروايات الثلاث تجمعها ثيمة الغربة، لهذا كان العنوان الجامع لها «ثلاثية الغربة» وتضم روايتي الأولى الصغيرة جدًا التي صدرت طبعتها الأولى عام 1997 «مدينة اللذة» التي عشت زمنًا أغار منها على أعمالي الأخرى بسبب الحفوة التي اُستقبلت بها في وقتها. أما الرواية الثانية فهى «غرفة ترى النيل» 2004 وتتعلق بتجربة ذاتية في مرافقة صديق بأيام احتضاره في مستشفى، والثالثة «البحر خلف الستائر» التي تعد مرآة للرواية الأولى، في كثافة لغتها وفي خياليتها، وقد صدرت طبعتها الأولى عن دار الآداب في بيروت.
من جهة أخرى أشعر أن استقراري في الدار المصرية اللبنانية، واستقرار الكاتب في دار نشر واحدة عمومًا مفيدًا لكتبه، لهذا تصدر أعمالي تباعًا عن الدار المصرية اللبنانية بالتتابع مع كتبي الجديدة، لكنني أراجع كل طبعة جديدة من أي كتاب يعاد إصداره، حيث أؤمن أن أعمال الكاتب ملكه طوال حياته ومن حقه أن يستدرك ما فاته، وكتبي غير الروائية تستقبل فصولًا جديدة في طبعاتها المتعددة، لذلك تضاعف كتاب «الأيك في المباهج والأحزان» تقريبًا، وأما الروايات فألتزم بحبكتها، لكنني أعيد النظر في جملة هنا أو هناك لتصبح أسهل، أو أوضح، وقد كتبت مقدمة قصيرة لثلاثية الغربة توضح حدود التصرف الجديد فيها، من باب الأمانة.

■ كيف ترى دور الكاتب اليوم؛ شاهد على العصر أم ناقد له أم مجرد راوٍ للحكايات؟

دور الكاتب أخطر وأهم من الشهادة على العصر أو رواية الحكايات، في العالم ما يكفي من الحكايات، وما يجعل الكتابة الجديدة مبررة هي أن تضيف شيئًا إلى الوعي، أن تكون جرس إنذار، حتى عندما تتعلق الرواية بالتاريخ فهي تنظر إلى الحاضر والمستقبل.

■ في رأيك، هل ما زالت الرواية قادرة على تغيير وعي القارئ في زمن السرعة ووسائل التواصل؟

- في نظري، الكتابة خصوصًا الروائية تنبع من الحيرة، لهذا فهي تقدم أسئلة أطرحها على شريكي القارئ. في أي عمل هناك مراعاة أيضًا لحصة الشريك، فالقارئ دوره الإجابة على تلك الأسئلة، والرواية التي تقدم أجوبة مستغنية عن القارئ هى رواية ناقصة، لذا أنا أعتبر الكتابة عملًا ناقصًا يكمله القارئ، وبهذا يتعدد الكتاب الواحد بفضل الحصة التي أضافها كل قارئ.


مواضيع متعلقة