من الأمن إلى الوعي: قراءة تحليلية في خطاب السيسي بعيد الشرطة

عبير فتحي

عبير فتحي

كاتب صحفي

رغم مرور ستة أيام على كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسي في احتفالية الذكرى الرابعة والسبعين لعيد الشرطة، فإن الخطاب لا يزال حاضراً، بوصفه أحد المفاتيح الأساسية لفهم منطق الجمهورية الجديدة، لا كشعار سياسي، بل كتصور متكامل لإدارة الدولة في زمن تتغير فيه طبيعة التهديدات، فالكلمة جاءت في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، تتراجع فيها الدول التي ضعفت مؤسساتها، وتتصدّر فيها الفوضى المشهد حين يغيب الوعي ويتراجع دور الدولة، وهو ما يجعل إعادة قراءة الخطاب ضرورة لفهم كيف ترى مصر أمنها القومي، وحدود مسئولية مؤسساتها، ودور الإعلام والوعى المجتمعي في حماية هذا المسار؟ ومن هذا المنطلق، لم تكن كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسي في احتفالية الذكرى الـ74 لعيد الشرطة مجرد خطاب تقليدي أو احتفاء بالمناسبة، بل حملت رسائل عميقة تتجاوز اللحظة، وتضع خريطة طريق واضحة لمفهوم الدولة الحديثة، وكيفية الحفاظ عليها وسط إقليم مضطرب وتجارب قاسية عاشتها المنطقة خلال العقد الأخير.

قدّم الرئيس السيسي رؤية شاملة لدولة قوية بمؤسساتها، واعية بمواطنيها، ثابتة في مبادئها. ويبقى التحدى الحقيقي هو تحويل هذه الرسائل من كلمات مؤثرة إلى سياسات واضحة، ومن وعى نخبوى إلى ثقافة عامة، ولذلك فعلينا أن نفهم هذه الرسائل جيداً، لأنها سوف تكون القواعد الرئيسية التى سوف تطبّق في المرحلة القادمة.

أولى هذه الرسائل تمثّلت فى الوفاء للشهداء وأسرهم، حيث أعاد الرئيس التأكيد على أن الأمن لم يكن يوماً ثمناً سهلاً، بل نتاج تضحيات بشرية حقيقية، وتطبيق هذه الفكرة لا يكون بالشعارات، وإنما عبر سياسات مستدامة تضمن رعاية أسر الشهداء وتؤكد أن مصر لا تنسى أبناءها، لا سيما مع إنشاء صندوق تكريم الشهداء والمصابين ليشمل ضحايا العمليات منذ عام 1948، وهو ما يُمثل رسالة وفاء تؤكد أن تضحيات الأبطال محفورة فى وجدان الوطن، وكذلك دمج قصص تضحياتهم فى المناهج التعليمية ليظل مفهوم التضحية جزءاً من الوعى الجماعى، لا مجرد ذكرى سنوية، وهذا يعنى أن كل من أعطى للوطن سوف يقوم الوطن برد الجميل له ولأسرته ولأبنائه وكل من يبذل جهداً سوف يكون هناك مقابل له حتى بعد رحيله.

الرسالة الثانية تمثّلت فى ترسيخ مفهوم الدولة المدنية، القائمة على احترام العقيدة وحرية الإيمان، دون تدخّل الدولة فى علاقة الإنسان بربه. وتفعيل هذا المبدأ، وهنا يعود الرئيس السيسي إلى المبدأ الذى طالما أوصى به وهو ترجمة واضحة في الخطاب الدينى والإعلامي، وفى القوانين والممارسات اليومية، بحيث يكون معيار التفاضل بين المواطنين هو الكفاءة والالتزام بالقانون، لا الانتماءات الدينية.

وفى حديثه عن المسئولية والمحاسبة، أكد أن من لا يؤدى دوره عليه أن يترك موقعه، فوضع الرئيس أساساً عملياً للإصلاح المؤسسي، وتطبيق هذه الفكرة يتطلب تفعيل آليات التقييم والمساءلة، وربط المناصب بالكفاءة والإنجاز، لا بالثبات الوظيفى أو المجاملة، وأعتقد أن هذه رسالة واضحة لكل صاحب منصب، إذا لم يستطع أن يفيد البلد وأن يُسهم فى تحقيق الجمهورية الجديدة، فلن يجلس فى مقعده.

أما الرسالة الأهم، فكانت التحذير الصريح من الميليشيات وتعدّد مراكز القوة، وهو تحذير لا يخص الخارج فقط، بل يعكس فلسفة الدولة المصرية فى بناء مؤسسات قوية لا تنازعها كيانات موازية. تطبيق هذا المبدأ يبدأ بالحفاظ على احتكار الدولة لاستخدام القوة، ودعم مؤسسات الجيش والشرطة بالقانون والوعى المجتمعى، إلى جانب مواجهة أى أفكار تبرّر العنف خارج إطار الدولة، مهما كانت شعاراته.

الرئيس أكد أيضاً أن الأمن وحده لم يعد كافياً، وأن الوعى بات شريكاً أساسياً فى حماية الدول. وهنا يبرز دور التعليم والإعلام والمؤسسات الثقافية فى بناء عقل ناقد قادر على التمييز بين الحقيقة والشائعات، وبين الدين والفكر المتطرف. فالدولة التى لا تستثمر فى وعى مواطنيها، تترك فراغاً تملأه الأفكار الهدّامة.

كما حمل الخطاب رسالة إقليمية واضحة، مفادها أن الدفاع عن وحدة الدول هو دفاع مباشر عن الأمن القومى المصرى، ومن هنا، فإن تطبيق هذه الرؤية يتم عبر سياسة خارجية متوازنة تحترم سيادة الدول، وترفض التدخّل أو دعم الفوضى، مع إدراك أن استقرار الإقليم شرط أساسى لأى تنمية اقتصادية حقيقية.

فى النهاية، لا يمكن قراءة كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسي فى ذكرى عيد الشرطة، باعتبارها خطاباً احتفالياً عابراً، بل باعتبارها وثيقة سياسية وفكرية تحدّد ملامح المرحلة المقبلة، وتعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والمسئولية، فالخطاب لم يكتفِ بتشخيص التحديات، بل قدّم تصوراً واضحاً لكيفية مواجهتها، انطلاقاً من دولة قوية بمؤسساتها، واعية بمواطنيها، ومحصّنة بالعدل والقانون.

وتكمن أهمية هذه الرسائل فى أنها لا تخاطب أجهزة الدولة فقط، بل تحمّل المجتمع بأكمله مسئولية الشراكة فى حماية الوطن وبنائه. فالدولة الحديثة لا تقوم على الأمن وحده، ولا على الاقتصاد فقط، وإنما على وعى جمعى يدرك حجم التحديات، ويميز بين النقد البناء ومحاولات الهدم، وبين الاختلاف المشروع والفوضى المقنّعة بالشعارات.

إن تحويل هذه الرسائل إلى واقع ملموس يتطلب إرادة سياسية مستمرة، وإدارة كفؤة، وإعلاماً مسئولاً، وتعليماً يعيد تشكيل العقل المصرى على أسس التفكير النقدى والانتماء الحقيقى، فالمعركة اليوم لم تعد معركة سلاح فقط، بل معركة وعى فى المقام الأول، ومعركة بناء إنسان قادر على حماية دولته كما يحمى بيته.

وفى ظل إقليم مضطرب وتجارب مريرة شهدتها دول مجاورة، تؤكد مصر من خلال هذا الخطاب أنها اختارت طريق الدولة لا الفوضى، والمؤسسات لا الميليشيات، والاستقرار لا المغامرة، وهى رسالة لا تهم الداخل المصرى وحده، بل تمتد إلى الإقليم بأسره، مفادها أن بقاء الدول مرهون بقوة مؤسساتها ووحدة مجتمعاتها.

وهكذا، فإن كلمة الرئيس فى عيد الشرطة لم تكن فقط استدعاءً للماضى وتضحياته، بل كانت استشرافاً لمستقبل ترسم ملامحه الآن، حيث لا مكان للتهاون، ولا مجال لتعدّد مراكز القوة، ولا بديل عن دولة تحمى أبناءها، ويحميها وعى أبنائها، حفظ الله الرئيس والشعب وبلادنا.