حسين البدوي لـ«الوطن»: كتاب «ألغام اليمن السعيد» صرخة لإنقاذ الأبرياء من عدو لا ينام «حوار»
حسين البدوي لـ«الوطن»: كتاب «ألغام اليمن السعيد» صرخة لإنقاذ الأبرياء من عدو لا ينام «حوار»
أكد الكاتب الصحفي حسين البدوي، أن كتابه الجديد «ألغام اليمن السعيد» يمثل صرخة إنسانية وجرس إنذار للكارثة التي تحدث في اليمن، مضيفاً في حوار مع «الوطن»، أنه يسلط الضوء على أزمة إنسانية خطيرة تهدد الأبرياء، وأنه كان شاهداً على مشكلة الألغام هناك.
والى نص الحوار..
* لماذا اخترت «الألغام» تحديداً لتكون موضوع كتابك الأول رغم تعدد مآسي الحرب في اليمن؟
لأن الألغام هي «العدو الذي لا ينام»، فالحرب قد تهدأ والمدافع قد تصمت، لكن اللغم يظل حياً تحت الأرض لعقود، ينتظر طفلاً أو امرأة أو عجوزاً، وشعرت أن هذه القضية لا تأخذ حقها الكافي من تسليط الضوء في الإعلام العربي والدولي، فهي جريمة ممتدة ضد المستقبل، وأردت أن أنقل صوت الضحايا الذين فقدوا أطرافهم وهم في طريقهم إلى المدرسة أو الأسواق، أو المزارعين داخل حقولهم.
* عنوان الكتاب يحمل مفارقة مؤلمة بين «اليمن السعيد» و«الجحيم».. كيف استلهمت هذا العنوان؟
العنوان هو انعكاس للواقع المرير، فاليمن الذي عرفناه تاريخياً بالسعادة والجمال أصبح اليوم محاصراً بملايين الألغام، وكلمة «الجحيم» ليست مبالغة، بل هي وصف دقيق لما رأيته على الخطوط الأمامية؛ حيث تتحول الأرض التي من المفترض أن تهب الحياة إلى أداة للقتل العشوائي.
* ما أصعب اللحظات التي واجهتك أثناء توثيق هذه الرحلة ميدانيًا؟
أصعب اللحظات ليست في مواجهة الخطر الشخصي، بل في نظرات الأطفال الذين بُترت أطرافهم، والفتيات اللاتي فقدن خطابهن، والنساء اللاتي ترملن، وهنا تدرك أن القلم والكاميرا مسؤولية كبرى لنقل هذا الوجع للعالم، كما أن السير في ممرات ضيقة وسط حقول ألغام حقيقية يشعرك بمدى ضآلة الحياة وهشاشتها.
* تحدثت في كتابك عن الفرق العاملة في نزع الألغام.. كيف ترى دورهم في خلاص اليمنيين من هذه الكارثة؟
تعد فرق مشروع «مسام» لنزع الألغام بطلاً حقيقياً في كتابي، وهي ليست مجرد مشروع تقني لتفكيك المتفجرات، بل هي في نظري «ملحمة تضحية»، فما رأيته هناك يفوق الوصف؛ حيث رأيت شباباً يغامرون بحياتهم يومياً لانتزاع الموت من باطن الأرض، وجميعهم من أبناء اليمن الذين تلقوا تدريبات مكثفة على يد خبراء المشروع، ويعملون في ظروف مناخية وجغرافية قاسية جداً باستراتيجية «الاستجابة العاجلة» في المناطق المحررة فوراً لتمكين النازحين من العودة لبيوتهم، وقد وثقت في الكتاب كيف استطاعوا نزع مئات الآلاف من الألغام والعبوات المبتكرة التي صُممت بخبث شديد لتنفجر بالمدنيين.
هل يوثق كتابك أعداد الألغام التي تم نزعها حتى الآن من الأراضي اليمنية؟
بالطبع، وهي أرقام صادمة للغاية تجاوزت 500 ألف لغم وعبوة ناسفة وذخيرة غير منفجرة تم التخلص منها نهائياً، ولا يزال العمل مستمراً إلى يومنا هذا، والحقيقة أن فرق المشروع قدمت فاتورة باهظة من دماء خبرائها الذين استشهدوا وهم يحاولون منح الحياة للآخرين، وهذا ما حاولت تخليده في صفحات الكتاب كواجب مهني وأخلاقي، فالتطهير لا يحتاج إلى تكنولوجيا فحسب، بل إلى إرادة سياسية وإنسانية ضخمة؛ لأن ما تم زرعه في سنوات قد يستغرق عقوداً لإزالته.
* بالحديث عن الجهود.. كيف ترى دور الأمم المتحدة في مواجهة كارثة الألغام في اليمن؟
بكل صراحة، دور الأمم المتحدة في هذا الملف «ضعيف للغاية» ولا يرتقي لمستوى الكارثة، فهناك فجوة هائلة بين البيانات الصحفية والواقع الميداني، وكانت المنظمة تكتفي بالدعم اللوجستي المحدود أو التدريب، ولكن حتى هذا الدعم توقف تماماً منذ عدة سنوات، بينما يحتاج اليمن إلى ضغط حقيقي للتوقف عن زراعة الألغام وتسليم الخرائط، وهذا التراخي يمنح القتلة فرصة للاستمرار في زرع المزيد من علب الموت.
* وهل تعتقد أن المجتمع الدولي يغض الطرف عن الجهات التي تزرع هذه الألغام؟
نعم، يتبنى المجتمع الدولي موقفاً متخاذلاً ويفتقر للشجاعة في إدانة الجهات التي تحول القرى والمدارس وآبار المياه ودور العبادة إلى حقول ألغام، والصمت الدولي المريب تجاه مصانع الألغام والعبوات الناسفة المبتكرة هو بمثابة «تواطؤ غير مباشر»، ولا يمكننا الحديث عن سلام بينما يظل المجتمع عاجزاً عن اتخاذ إجراءات عقابية رادعة ضد من يزرع الأرض بالمتفجرات.
* ما الرسالة الأخيرة التي تود إيصالها من خلال «ألغام اليمن السعيد»؟
رسالتي هي أن العالم لا يجب أن ينسى اليمن، فالألغام ليست مجرد أسلحة، بل هي «سرطان الأرض»، وأتمنى أن يكون كتابي صرخة توقظ الضمير الدولي لوضع حد لهذه الجريمة ومحاسبة من يزرع الموت في طريق الأبرياء.
* كيف ترى صدى هذا الكتاب في الشارع الثقافي المصري؟
المصريون لديهم ارتباط عاطفي وتاريخي وثيق باليمن، ومن خلال مشاركتي في معرض القاهرة الدولي للكتاب وجدت تفاعلاً كبيراً لأن القضية إنسانية بالدرجة الأولى، والكتاب ليس مجرد «تقرير صحفي»، بل هو رحلة بلغة أدبية تلمس القارئ البسيط والمثقف على حد سواء، والهدف هو التوعية بأن أمن اليمن هو جزء من أمن المنطقة بأسرها.
* ما الذي تمثله لك المشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام؟
المشاركة في المعرض هي بمثابة الوقوف على أكبر منصة للوعي في المنطقة العربية، وبالنسبة لكتابي، فالمعرض ليس مجرد سوق لبيع النسخ، بل هو فرصة لانتزاع فتيل الجهل بما يحدث في اليمن من عمق العاصمة القاهرة، وتكمن أهمية التواجد هنا في «أنسنة القضية»، فالكتاب الذي يرصد الأوجاع والتحديات السياسية يحتاج إلى بيئة تفاعلية تسمح للقارئ بأن يناقش المؤلف وجهاً لوجه، والقاهرة هي قلب العروبة النابض، ومن خلالها تصل الصرخة إلى كل بيت عربي، مما يحول الكتاب إلى رسالة تضامن ووعي عابر للحدود.