فساد المقارنة.. بين عمرو وعبدالحليم!

عصام زكريا

عصام زكريا

كاتب صحفي

لعمرو دياب، كما لكثير من نجوم الغناء، دراويش يعميهم الإعجاب بموهبته (أو أشياء أخرى) عن رؤية العالم بوضوح. وينطبق عليهم قول المتيَّم المفتون: «خدوا عيني شوفوا بيها»!

ولست في معرض المناظرات العبثية مع هؤلاء المفتونين؛ فالأمر قديم قدم آلهة قدماء المصريين والإغريق، الذين كان لبعضهم أيضاً عباد مخلصون متعصبون يتحزبون لهم، مع أنهم كلهم آلهة طيبون ومفيدون ولا غنى عن أحدهم لكي لا يختل نظام الكون.

ولو رجعنا للوراء بضعة عقود فقد كان لعبد الحليم حافظ دراويش يعميهم الإعجاب بموهبته (أو أشياء أخرى) مثلما كان لفريد الأطرش دراويش لا يطيقون سماع اسم عبد الحليم أو عبد الوهاب أو عبده الحامولي!

وكل ذلك مشروع في إطار المنطق والمعقول، ولكن «الإعجاب» يخرج أحياناً عن إطار المنطق والعقل. ومن المفهوم، على سبيل المثال، أن يقارن دراويش عمرو دياب بينه وبين محمد منير أو محمد فؤاد أو محمد الحلو، فهم أبناء جيل وعصر واحد عاشوا وأبدعوا في ظروف وشروط وإمكانيات واحدة.

ويمكن حتى أن نفهم تنافس دراويش عبد الحليم وفريد الأطرش، أو دراويش الست أم كلثوم والست فيروز. ولكن -بالله عليكم- كيف يمكن أن أقارن أم كلثوم بشيرين عبد الوهاب أو فيروز بنانسي عجرم؟ كيف يمكن أن نقارن فرقة «البيتلز» بفرقة «بي تي إس»، وهي فرقة كورية غالباً لم يسمع بها القارئ، لكنها -بالأرقام وعدد الدراويش- الأكثر مبيعاً ورواجاً على منصة «سبوتيفاي» من بين كل فرق العالم الأحياء والأموات!

«البيتلز» غيَّرت العالم، حين كان بإمكان فريق أو فنان واحد أن يغيِّر العالم، ولكن لو ظهر مئة فريق «بيتلز» الآن، فلن يتعدى نجاحهم بضعة أشهر أو سنوات ولن يتركوا في المستمعين أثراً أكثر من «آهتين تلاتة وهزتين كتف ورجل»، وربما دمعة عابرة ذات يوم ممطر!

كيف يمكن، مثلاً، أن نقارن مغنية مثل آريثا فرانكلين التي غيَّرت شكل الغناء في الستينيات ببيونسيه، لمجرد أن كلتيهما أمريكية أفريقية، أو نقارن مادونا بتيلور سويفت، لمجرد أنهما شقراوان؟!

وحين يزعم زاعم أن عمرو دياب أنجح من عبد الحليم حافظ لأن حفلاته يحضرها مئات الآلاف، بينما حفلات عبد الحليم كان يحضرها بضع مئات، فهذه مقارنة ليست فقط فاسدة، ولكنها مغرضة. ومبدئياً كان عدد المصريين في الخمسينيات لا يتجاوز 20 مليوناً، وصلوا الآن إلى 120 مليوناً، وكان عدد أجهزة الراديو في مصر لا يتجاوز مليوناً، بينما عدد أجهزة المحمول والتابلت والكمبيوتر والتليفزيون الآن يتجاوز المئتي مليون!

ومع ذلك كان تأثير عبد الحليم مئة ضعف تأثير أي مطرب الآن؛ لأن العالم كان أصغر وأقل ضجيجاً، وكان الناس ينتظرون الأغاني الجديدة لمطربيهم المفضَّلين بالأسابيع والشهور، ويتأثرون بهذه الأغاني أيما تأثُّر. وهذا التأثير، الذي هو أهم شيء في الفن والثقافة، كان بمقدور أفراد أن يصنعوه. الآن يستحيل على أي أحد أن يترك ولو رُبع أو ثُمن هذا التأثير، أو حتى أن يترك تأثيراً بالمرة.

عبد الحليم، مثل أم كلثوم وعبد الوهاب وفاتن حمامة، غيَّروا الفنون والثقافة حين كان بمقدور الأفراد أن يغيِّروا مجتمعات، كما غيَّروا وجدان المصريين (والعرب بشكل عام)، الذين باتوا يفكرون ويتكلمون ويحبون كما يفعل هؤلاء الفنانون في أغانيهم وأفلامهم.

وإذا كان لا بد من المقارنة، التي وضع دراويش عمرو دياب أنفسهم فيها، فلنا أن نتخيل تاريخ الغناء المصري بدون عبد الحليم حافظ، ولنتخيل في المقابل أن عمرو دياب لم يولد أصلاً.. ولن أزيد.