من هو عم فلفل أقدم جارسون بمقهى «ريش»؟.. قدم القهوة لنجيب محفوظ وبدأ مشواره بـ2 جنيه
من هو عم فلفل أقدم جارسون بمقهى «ريش»؟.. قدم القهوة لنجيب محفوظ وبدأ مشواره بـ2 جنيه
- عم فلفل مقهى ريش
- عم فلفل
- عم فلفل كافيه ريش
- مقهى ريش
- كافيه ريش
- وفاة عم فلفل
- وفاة عم فلفل مقهى ريش
- وفاة عم فلفل كافيه ريش
في صباح أحد ليالي يناير الماضي، استيقظت شوارع وسط البلد على حزن هادئ يتسلل بين المباني القديمة، فداخل مقهى ريش، الذي يقاوم الزمن منذ 1908 قرب ميدان طلعت حرب، توقفت الهمسات المعتادة قليلًا، وخيم الصمت على الطاولات التي شهدت أحاديث نجيب محفوظ ويوسف إدريس وصلاح جاهين وغيرهم من أعمدة الثقافة المصرية، برحيل محمد حسين صادق النوبي الشهير بـ«عم فلفل» بعد رحلة امتدت عقودًا طويلة جعلته ليس مجرد «جرسون»، بل شاهدًا حيًا على تاريخ القاهرة الثقافي والاجتماعي، إذ أعلن المقهى عبر صفحته على فيسبوك خبر وفاته بكلمات بسيطة: «توفي إلى رحمة الله محمد حسين صادق، عم فلفل، وإنا لله وإنا إليه راجعون».
معلومات عن عم فلفل أقدم جارسون في مقهى ريش
و«عم فلفل» من مواليد عام 1931 بإحدى قرى النوبة، وجاء في الأربعينيات وعمره 13 عامًا، شابًا يبحث عن حياة جديدة في قلب العاصمة بعدما أنهى تعليمه الإلزامى «الابتدائية وقتها»، فوجد في مقهى ريش بيته الثاني، فهناك، تعلم فن «الخدمة» ليس كمهنة فحسب، بل كفن يجمع بين السرعة واللطف والذاكرة الحادة، إذ كان يتذكر طلب كل زبون منتظم، يعرف مزاج نجيب محفوظ في فنجان القهوة، ويتبادل النكات مع صلاح جاهين، ويستمع إلى أحاديث السياسة والأدب دون أن يتدخل، لكنه يصبح جزءًا منها.

ويروي «عم فلفل» في تصريحات صحفية، حكايته بلهجة تملؤها الذكريات، قائلًا إنه حينما كان شابًا يافعًا، توجه إلى خاله الذي كانت تجمعه علاقة صداقة بـ«جورج أفاينوس»، طباخ «لامبسون» المندوب السامي البريطاني، وبسبب هذه الصلة، أحضره أفاينوس معه إلى مقهى «ريش» فور شرائه للمكان، ليبدأ الشاب أولى خطواته المهنية وسط مشاعر مختلطة من الخوف والرهبة؛ إذ لم يكن يمتلك الخبرة الكافية للعمل، فضلًا عن ارتباكه من مقابلة العديد من الشخصيات المشهورة التي لم يكن يعرف هويتها في ذلك الوقت.

أما عن سر تلقيبه بـ«فلفل»، فيوضح أن وجود زميل آخر له يحمل اسم «محمد» تسبب في حالة من اللغط داخل المكان، ما دفع صاحب المحل لمناداته بـ «فلفل» نظرًا لسمرة بشرته التي تشبه «الفلفل الأسمر» بحسب وصفه، ومنذ ذلك الحين، شهد عم فلفل من موقعه في المقهى كل التحولات الكبرى التي طرأت على مدينة القاهرة، بدءًا من الحرب العالمية الثانية مرورًا بثورة يوليو، وحتى انتقال ملكية المقهى إلى عبد الله ميخائيل عام 1960، وعلى الرغم من تلقيه عرضًا للسفر إلى اليونان والعمل مع ابن المالك القديم، إلا أنه رفض بشدة لارتباطه الوثيق بالمكان، مستذكرًا أن أول راتب تقاضاه كان جنيهين فقط، ومعبرًا في الوقت ذاته عن حبه للرئيس الراحل عبدالناصر.

«عم فلفل» وعلاقته بالأديب نجيب محفوظ
وفي حوارات صحفية قديمة، روى عم فلفل قصة حياته البسيطة، إذ تزوج في عمر الـ23 من قريبة له، وأنجب 6 أبناء حصلوا على تعليم متوسط، وأصبح جدًّا لأكثر من 5 أحفاد، وعاش في عابدين ثم انتقل إلى الهرم، لكنه لم يغادر «ريش» يومًا إلا بعد انتهاء الدوام، إذ كان يقول إنه بكى بحرقة عندما سمع بوفاة محفوظ، وتمنى لو رآه مرة أخيرة بعد حادث الطعن الذي أبعده عن المقهى في التسعينيات.

ويتطرق عم فلفل في حديثه إلى طبيعة رواد مقهى ريش، موضحًا أنهم منذ قديم الأزل من طبقة الأغنياء والمثقفين والأدباء الذين كانوا يتناقشون في شؤون السياسة والأدب، ومن أبرز هؤلاء الرواد الأديب العالمي نجيب محفوظ، الذي ظل يرتاد المقهى لأكثر من 20 عامًا، ويصف روتينه الصباحي قائلاً إنه كان يشرب جرعات قليلة من فنجان قهوته ثم يطلب فنجانًا ثانيًا، وينشغل بقراءة الصحف المختلفة والكتابة، مؤكدًا أن محفوظ لم يكن يتدخل في شؤون البلاد أو أحوالها، بل كان يكتفي بالرد على تلامذته المقربين مثل جمال الغيطاني ويوسف القعيد، كما استوحى من أجواء هذا المكان روايته الشهيرة «الكرنك».
ولم يقتصر رواد المقهى على الأدباء، بل كان «عم فلفل» شاهدًا على حضور نجوم الفن مثل رشدي أباظة وإسماعيل ياسين، اللذين كانا يقضيان أوقات فراغهما في لعب «الطاولة»، بالإضافة إلى شخصيات بارزة مثل لطفي الخولي وصلاح عبد الصبور وغيرهم من الصحفيين.