«صحاب الأرض».. تجسيد درامي لمشاعر الخوف والفقدان والأمل تحت وطأة القصف

كتب: أحمد شعراني

«صحاب الأرض».. تجسيد درامي لمشاعر الخوف والفقدان والأمل تحت وطأة القصف

«صحاب الأرض».. تجسيد درامي لمشاعر الخوف والفقدان والأمل تحت وطأة القصف

في موسم درامي يشهد العديد من الأعمال، يحلق مسلسل «صحاب الأرض» منفردا بتجربة مختلفة، تراهن على تقديم حكاية إنسانية تدور في قلب واحدة من أكبر المآسي في القرن الـ21 وأشدها قسوة، وهي العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.

ينتمى المسلسل إلى نوعية الأعمال التى تفضّل الاقتراب الهادئ من القضايا الكبرى، متجنبة المباشرة السياسية والخطاب الشعارى، لصالح سرد درامى يضع الإنسان فى المقدمة، فلا يتعامل «صحاب الأرض» مع الحرب بوصفها حدثاً مجرداً، بل كواقع يومى يفرض نفسه على تفاصيل الحياة، ويعيد تشكيل مصائر الأفراد فى لحظات خاطفة.

تدور الأحداث حول تقاطع مسارين إنسانيين فى زمن الحرب، مسار قافلة إغاثة مصرية تدخل غزة لتقديم الدعم الطبى والإنسانى، ومسار رجل فلسطينى يلهث لإنقاذ ابن شقيقه وسط أهوال القصف، وفى قلب الدمار تولد علاقات حب وأمل وضمير وتتقاطع قصة حب إنسانية من مأساة الحرب، ومن خلال هذا التقاطع، يبنى العمل عالمه الدرامى، كاشفاً عن هشاشة البشر أمام آلة الحرب، وقدرتهم فى الوقت ذاته على التمسك بالأمل.

لا يسعى المسلسل إلى تقديم صورة بطولية تقليدية، ولا يعتمد على شخصيات ذات طابع استثنائى، بل يركز على أناس عاديين يجدون أنفسهم أمام اختيارات قاسية، تتعلق بالحياة والموت، والمسئولية، والانتماء، هذا الاختيار يمنح العمل مساحة أوسع للصدق، ويقربه من روح الشهادة الإنسانية أكثر من كونه عملاً ترفيهياً خالصاً.

على المستوى الفنى، يراهن «صحاب الأرض» على إيقاع متزن يسمح للصورة والحدث بأن يتنفّسا دون افتعال، مع اعتماد واضح على التفاصيل اليومية، سواء فى مواقع التصوير أو فى بناء المشاهد، بما يخدم الإحساس بالواقعية، كما يتعامل مع فكرة الحب والعلاقات الإنسانية بوصفها نتيجة طبيعية للمشاركة فى الألم، لا كعنصر منفصل أو مُضاف درامياً.

العمل الذى كتبه عمار صبرى وأخرجه بيتر ميمى، الذى لمع اسمه فى السنوات الأخيرة بعدد من الأعمال الدرامية المهمة، على رأسها سلسلة «الاختيار»، ومسلسل «الحشاشين»، الذى أحدث حالة كبيرة من الجدل، وحظى بردود فعل إيجابية، ضمن معركة الوعى التى تخوضها مصر مؤخراً، ورصد تاريخ واحدة من أكثر الجماعات الإرهابية شراسة، وهى جماعة حسن الصباح.

ورغم أن «صحاب الأرض» يُعرض ضمن موسم رمضان، فإنه يبدو خارج حسابات السباق المعتاد على نسب المشاهدة، إذ يطرح نفسه كمشروع درامى يحمل موقفاً أخلاقياً وإنسانياً أكثر من كونه منافساً تجارياً، وهو رهان قد لا يضمن الانتشار الواسع، لكنه يمنح المسلسل فرصة أكبر للبقاء فى الذاكرة.

الأهم أن «صحاب الأرض» يعيد طرح سؤال قديم متجدد حول دور الدراما فى زمن الأزمات: هل تكتفى بالترفيه، أم تتحول إلى مساحة للتأمل والشهادة؟ وفى اختياره لهذا الطريق، يقدّم العمل محاولة جادة للاقتراب من الجرح الفلسطينى، ليس بوصفه قضية سياسية فحسب، بل مأساة إنسانية مفتوحة، ما زالت فصولها تُكتب كل يوم.

«الكيلانى»: المسلسل ينحاز لمعاناة الإنسان.. و«نصار» اختيار موفق.. و«منة» تجيد تقديم الانفعالات

ويرى الناقد مصطفى الكيلانى أن «صحاب الأرض» يطرح نفسه بوصفه مشروعاً درامياً طموحاً يقوم على اختيار فنى جرىء يتمثل فى اتخاذ غزة الفلسطينية مركزاً للأحداث، وهو اختيار لا يكتفى بإحالة سياسية مباشرة، بل ينفتح على بعد إنسانى عالمى يجعل من المكان رمزاً لمعاناة الإنسان فى مواجهة الفقد والدمار.

وأكد «الكيلانى» أن نجاح العمل فى هذا المسار الشائك يظل مرهوناً بقدرته على تقديم المأساة باعتبارها حكاية إنسانية حية، بعيداً عن المباشرة والخطاب الوعظى، مع الاعتماد على دراما صادقة تنحاز للإنسان العادى وتفاصيل معاناته اليومية، لا على الشعارات الكبرى أو الاستثارة العاطفية السهلة.

وأشار إلى أن اختيار الفنان إياد نصار لتجسيد شخصية الرجل الفلسطينى يعد من أبرز نقاط قوة المسلسل، لما يمتلكه من ثقل تمثيلى واضح وقدرة على الغوص فى أعماق الشخصيات المركبة ذات الأبعاد النفسية المعقدة، فضلاً عن أن خبرته السابقة فى تقديم أدوار الصراع الإنسانى تمنح الشخصية مصداقية عالية، وتساعد على تقديم صورة متوازنة للإنسان الفلسطينى بعيداً عن النمطية أو التبسيط، وهو ما ينسجم مع الرؤية العامة للعمل الذى يركز على الخطوط الإنسانية.

وعن مشاركة منة شلبى فى المسلسل، قال «الكيلانى» إن «منة» إضافة نوعية إلى المسلسل، لما تتمتع به من حساسية أدائية خاصة تؤهلها لتقديم دور إنسانى دقيق مثل دور الطبيبة المصرية، مشيراً إلى أن وجود هذه الشخصية يفتح آفاقاً درامية مهمة تتعلق بفكرة التضامن الإنسانى بشكل عام، والتضامن العربى على وجه الخصوص، دون الوقوع فى فخ الخطاب المباشر أو التقريرى.

وأشاد «الكيلانى» باهتمام المسلسل بخط الحب الذى يجمع بين الشخصيتين، معتبراً إياه عنصراً درامياً شديد الحساسية، إذ يمكن أن يتحول إلى جسر عاطفى مؤثر يقرب العمل من الجمهور إذا كتب بوعى واندماج مع السياق العام، أو يصبح عبئاً درامياً إذا قدم بصورة تقليدية أو منفصلة عن المأساة المحيطة.

وتابع: «(صحاب الأرض) يمتلك مقومات حقيقية لجذب اهتمام جمهور الموسم الرمضانى، لا سيما فى ظل تنامى وعى المشاهد وميوله نحو الأعمال التى تخاطب ضميره وتطرح قضايا إنسانية عميقة، غير أن هذا الرهان يظل مرتبطاً بعوامل أساسية فى مقدمتها الإيقاع الدرامى، والصدق الفنى، والقدرة على تجنب الاستغلال العاطفى أو الخطاب المباشر، فإذا نجح المسلسل فى سرد حكاية الإنسان فى مواجهة الفقد والدمار، لا فى الاكتفاء برفع الشعارات، فإنه سيكون مرشحاً لأن يحجز مكانه بين أبرز أعمال الموسم، لا مجرد عمل عابر ارتبط بظرف زمنى استثنائى».


مواضيع متعلقة