مصر على خريطة اقتصاد «الفلات وايت».. كيف يعيد جيل زد تشكيل الاقتصاد العالمي؟

كتب: أسماء زايد

مصر على خريطة اقتصاد «الفلات وايت».. كيف يعيد جيل زد تشكيل الاقتصاد العالمي؟

مصر على خريطة اقتصاد «الفلات وايت».. كيف يعيد جيل زد تشكيل الاقتصاد العالمي؟

أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، تقريرًا جديدًا بعنوان «جيل زد واقتصاد الفلات وايت»، أوضح خلاله أنّ اقتصاد الفلات وايت مصطلح ظهر في بريطانيا، وخصوصًا في لندن، لوصف جيل جديد من روّاد الأعمال العاملين خارج الأطر التقليدية، ممن أسّسوا شركاتهم من المقاهي ومساحات العمل المشتركة، وجاءت التسمية من مشروب الفلات وايت الذي كان شائعًا في تلك المقاهي، حيث اعتاد روّاد الأعمال الشباب تناوله في أثناء العمل، ليصبح لاحقًا رمزًا ثقافيًّا يعكس انتقال ريادة الأعمال من المكاتب المغلقة إلى فضاءات أكثر مرونة وابتكارًا، ومع الوقت انتقلت هذه الظاهرة إلى عواصم عالمية أخرى لتصبح نموذجًا لأسلوب جديد في ريادة الأعمال يعتمد على العمل المرن وبناء شركات تتخطى الحدود التقليدية للأسواق.

ريادة الأعمال والشركات الناشئة والتقنيات الرقمية

وأشار المركز إلى أنّ المصطلح يشير لنموذج اقتصادي يقوم على ريادة الأعمال والشركات الناشئة والتقنيات الرقمية باعتبارها محركات أساسية للنمو، مع التركيز على قطاعات الرعاية الصحية والاجتماعية بوصفها جوهر رفاهية المجتمعات وضمان قدرتها على التكيف مع التحديات.

ريادة الأعمال لدى شباب جيل زد

أوضح التقرير أن ريادة الأعمال لدى شباب جيل زد في الولايات المتحدة الأمريكية ليست محصورة في العمل الفردي، حيث يمتلك 39% منهم شركات تضم 5 موظفين أو أكثر، ما يعكس انتقالاً من عقلية العمل الحر إلى بناء مؤسسات صغيرة قابلة للنمو، كما أنّ 80% من رواد الأعمال الشباب بدأوا شركاتهم عبر الإنترنت أو من خلال منصة رقمية، وأطلق 46% منهم أعمالًا بوجود فعلي في السوق إلى جانب القنوات الرقمية.

آسيا ثاني أكبر مركز عالمي للشركات الناشئة من حيث رأس المال المخاطر

وفيما يتعلق بالمشهد العالمي للشركات الناشئة، أكد المركز إنه وفقًا لتقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD لعام 2025، والمستند إلى أحدث بيانات متاحة لعام 2024، أصبحت آسيا ثاني أكبر مركز عالمي للشركات الناشئة من حيث رأس المال المخاطر، وثالث أكبر مركز من حيث عدد الشركات الناشئة، حيث تُظهر البيانات بأنّ الشركات الناشئة لم تعد مقتصرة على وادي السيليكون، بل أصبحت ظاهرة عالمية.

وتستحوذ أمريكا الشمالية على نحو 36% من إجمالي الشركات الناشئة عالميًا، وتستحوذ على النصيب الأكبر من الاستثمارات في رأس المال المخاطر بنسبة 46%، وتليها أوروبا بنسبة 26% من الشركات الناشئة وبحصة 16% من رأس المال المخاطر، تليها آسيا التي صعدت بسرعة لتستحوذ على 19% من الشركات الناشئة، و23% من الاستثمارات في رأس المال المخاطر، بعدما كانت حصتها من الاستثمارات لا تتجاوز 8% قبل عقد واحد فقط.

أما الاقتصادات الناشئة مثل أمريكا اللاتينية، والكاريبي فتستحوذ على 4% من الشركات الناشئة، 2% من الاستثمارات في رأس المال المخاطر، أمّا إفريقيا فتمثل 2%، 1% على التوالي من الشركات الناشئة، والاستثمارات في رأس المال المخاطر.

الولايات المتحدة الأمريكية بوضوح مشهد ريادة الأعمال عالميًا

ووفقًا لمؤشر GlobalStartup Ecosystem Index 2025 الصادر عن منصة StartupBlink تصدرت الولايات المتحدة الأمريكية بوضوح مشهد ريادة الأعمال عالميًا، لتحتل المركز الأول، أما المملكة المتحدة، فقد عززت موقعها في المركز الثاني عالميًا بمعدل نمو بلغ 26.3%، بينما كان التحول الأبرز عالميًّا في سنغافورة، فقد سجّلت أحد أعلى معدلات نمو الأنظمة البيئية بين أفضل 20 دولة، متجاوزة المتوسط البالغ 28.5%.

أشار التقرير إلى أن سان فرانسيسكو وحدها تستحوذ على أكثر من 7800 شركة ناشئة أي ما يزيد على 11% من إجمالي الشركات الناشئة في الولايات المتحدة الأمريكية، وتليها نيويورك ولندن ولوس أنجلوس بفارق واضح، لتشكل معًا تجمعًا كثيفًا للابتكار يرسخ مكانة الولايات المتحدة كمركز عالمي للشركات الناشئة.

يشير التحليل العالمي لنشاط ريادة الأعمال وفقًا لتقرير المرصد العالمي لريادة الأعمال 2024 - 2025 GEM، إلى أن الشباب هم القوة الدافعة وراء إطلاق المشاريع الجديدة في معظم الاقتصادات، ما يسلط الضوء على الدور المتنامي للفئات الأصغر سنًا في تشكيل مستقبل ريادة الأعمال.

مصر من بين الدول التي يظهر فيها هذا النشاط بشكل ملحوظ

ويبرز التقرير أن مصر من بين الدول التي يظهر فيها هذا النشاط بشكل ملحوظ، حيث يظهر أنّ من بين 51 اقتصادًا شملهم التقرير، يتفوق الشباب في 42 دولة على من يكبرهم سنًا في بدء المشاريع وإدارتها، وتتضح الفجوة الأكبر في كندا، حيث يبدأ 36% من الشباب مشاريع جديدة مقابل 20% فقط في الفئة العمرية 35-64 عامًا، تليها أرمينيا ولاتفيا.

كما تظهر مصر ضمن مجموعة الدول التي يتفوق بها الشباب في سن 18-34 عامًا على الفئات الأكبر سنًا 35-64 عامًا في ريادة الأعمال، ما يعكس الدور المتنامي لجيل زد في قيادة الابتكار وإطلاق المشاريع، ليكون محركًا أساسيًا للنمو الاقتصادي المستدام والمبتكر في المستقبل.

أوضح التقرير أن منظومات ريادة الأعمال حول العالم تشهد تطورًا متسارعًا، مع إدراك متزايد لأهمية دعم الشباب وتمكينهم من إطلاق مشاريع مبتكرة ومستدامة. ويبرز جيل زد كقوة دافعة جديدة، لما يمتلكه من مهارات رقمية وقدرة على الابتكار والتكيف مع البيئات الاقتصادية المتغيرة.

وتظهر بعض التجارب الدولية الرائدة كيف يمكن للسياسات الداعمة والاستثمارات المحفزة خلق بيئات حاضنة للشركات الناشئة. ومن الأمثلة البارزة لهذه الدول: الولايات المتحدة الأمريكية، المملكة المتحدة لندن، والهند، وسنغافورة، والسعودية التي تُعد من أسرع الدول نموًا في مجال الشركات الناشئة عام 2025، حيث تقدمت 27 مركزًا عالميًا وقفزت من المركز 65 عالميًّا إلى المركز 38 عالميًا بمعدل نمو سنوي يبلغ 236.8%.

مصر شهدت صعودًا متسارعًا لريادة الأعمال

أوضح التقرير أنه وفقًا لأحدث بيانات صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في أغسطس 2025، بلغ عدد المصريين من الفئة العمرية 18 إلى 29 عامًا 21.3 مليون نسمة، أي ما يعادل 19.9% من إجمالي السكان، وفي هذا الصدد، شهدت مصر صعودًا متسارعًا لريادة الأعمال، فوفقًا لمؤشر ماستركارد لريادة الأعمال الصادر عن شركة ماستركارد 2025 يُعرّف 41% من الرجال و38% من النساء في مصر أنفسهم كرواد أعمال، ما يعكس تحولًا واضحًا في طبيعة سوق العمل.

وبينما تُظهر الأجيال الأكبر، وخاصة جيل X، وهو الجيل الذي ولد بين عامي 1965-1980 والذي سبق جيل الألفية، ويميل هذا الجيل إلى الاستقرار والاعتماد على النفس، مع تركيز على العمل التقليدي والمهارات المكتسبة، نسبًا أعلى من الانخراط في ريادة الأعمال، فإن جيل زد - خصوصًا الفتيات - يمثل القوة الصاعدة الأكثر تأثيرًا في مستقبل ريادة الأعمال.

فبحسب تقرير ماستركارد لعام 2025، فكر 77% من النساء في مصر في تأسيس أو إدارة مشروع خاص، وترتفع النسبة إلى 83% بين فتيات جيل زد، ومع ذلك، لا تزال 56% من النساء المصريات لم يخضن تجربة ريادة الأعمال بعد، وهو ما يبرز حجم الإمكانات غير المستغلة.

نصف النساء المصريات تعملن في أعمال جانبية لكسب المال خارج نطاق عملهن الرئيس

وإلى جانب المشاريع التجارية الرسمية، تعمل نصف النساء المصريات في أعمال جانبية لكسب المال خارج نطاق عملهن الرئيس، وترتفع هذه النسبة إلى 59% بين نساء جيل إكسX، وتكشف البيانات أن الدوافع وراء هذه الأنشطة تتنوع بين الرغبة في كسب المزيد من المال 60%، والادخار لهدف محدد 52%، وتحقيق الاستقلال المالي 45%، ما يعكس عمق الطموحات الاقتصادية والاجتماعية لدى المرأة المصرية.

كما تتوزع اهتمامات رائدات الأعمال على قطاعات رئيسية مثل التعليم 24% ومستحضرات التجميل 20%، والتسويق والعلاقات العامة وأبحاث السوق 17%. وتتنوع دوافعهن بين تحقيق الحلم الشخصي 48% وتنفيذ فكرة مبتكرة %39 والسعي للاستقلالية والمرونة في العمل 37%.

وأعرب 98% من رائدات الأعمال في مصر عن تفاؤلهن بتحقيق نمو في الإيرادات خلال السنوات الخمس المقبلة، وهي نسبة أعلى بكثير من نظيراتهن في بقية دول أوروبا الشرقية والشرق الأوسط وإفريقيا 89%. كما أن 73% من مؤسسي الشركات رجالاً ونساءً يستخدمون الذكاء الاصطناعي بانتظام، ويؤكد 87% منهم أنه ساعد في خفض التكاليف وتوفير الوقت. لكن يبقى الأمن السيبراني تحديا قائما: إذ يشعر 81% من الرجال %و80% من النساء بالحاجة إلى تثقيف أنفسهم بشكل أفضل حول كيفية حماية أعمالهم من الهجمات الإلكترونية المحتملة.

أوضح التقرير أن مصر شهدت خلال السنوات الأخيرة نموًا ملحوظًا في عدد الشركات الجديدة التي تم تأسيسها، وهو ما يعكس تحسن بيئة الاستثمار وزيادة جاذبية السوق المحلية أمام رواد الأعمال والمستثمرين. فقد ارتفع عدد الشركات المؤسسة بشكل تدريجي منذ عام 2020، ليتضاعف تقريبًا خلال أربع سنوات فقط، حيث قفز من نحو 23.9 ألف شركة في 2020 ليصل إلى أكثر من 43.5 ألف شركة في 2024.

أشار التقرير إلى أنه وفقًا لمؤشر Global Startup Ecosystem Index 2025، شهدت بيئة الشركات الناشئة في مصر نموًا ملحوظًا خلال السنوات الماضية، حيث يوجد في مصر 524 شركة ناشئة مُدرجة ضمن قائمة Top Startups حتى سبتمبر 2025، تمثل 68% من إجمالي الشركات الناشئة في شمال إفريقيا المُدرجة ضمن قائمة Top Startups حتى سبتمبر 2025، وهذا يعادل تقريبًا شركة ناشئة واحدة لكل 100 ألف شخص، ما يظهر في مصر بوادر نشاط ريادي واعد، مع فرصة كبيرة لتعزيز كثافة الشركات الناشئة ودعم نموها في المستقبل.

بيئة الشركات الناشئة في مصر تظهر نموًا مستمرًا

كما تُظهر بيئة الشركات الناشئة في مصر نموًا مستمرًا، حيث تجاوز إجمالي استثمارات الشركات المدرجة وفقًا لمؤشر Global Startup Ecosystem Index 2025 نحو 7.97 مليارات دولار أمريكي، أي ما يعادل نحو 86.98% من إجمالي تمويل الشركات الناشئة في شمال إفريقيا، وشهدت السوق المصرية ارتفاعًا في تمويل الشركات الناشئة؛ حيث ارتفعت قيمة التمويل بنسبة 149.14% بين عامي 2023 و2024، وهو ما يعكس تنامي ثقة المستثمرين بقدرات الشركات المصرية.

استعرض التقرير أفضل 10 شركات ناشئة في مصر لعام 2025 وفقًا لتصنيف StartupBlink وأشار إلى أن مصر وضعت مجموعة من الاستراتيجيات الوطنية الشاملة والمبادرات الحكومية التي ترسم خارطة طريق نحو اقتصاد أبيض قائم على الابتكار والمعرفة من أبرزها الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2025-2030، استراتيجية مصر الرقمية للخدمات العابرة للحدود 2022- 2026، استراتيجية مصر الرقمية، الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني 2023- 2027.

وفيما يتعلق بالمبادرات الوطنية التي تدعم ريادة الأعمال للشباب، فقد استعرض التقرير أبرزها على النحو التالي: مبادرة إفريقيا للتطبيقات الرقمية " AAL"، مبادرة رواد 2030 تمكين الشباب وريادة الأعمال في مصر.

وعن أهم مراكز الحاضنات والمسرعات الحكومية في مصر فقد استعرضها التقرير على النحو التالي: مركز الإبداع التكنولوجي وريادة الأعمال TIEC، مركز مصر لريادة الأعمال والابتكار EEIC، موضحاً أن من أهم الحاضنات الجامعية في مصر: حاضنة أعمال الجامعة الـأمريكية، حاضنة أعمال جامعة النيل، رواد النيل، مركز الابتكار وريادة الأعمال iHub بجامعة عين شمس، حاضنة أعمال كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة FEPS BI.

أما حاضنات الأعمال التي تتبع القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني فمنها: حاضنة نهضة المحروسة، حاضنة أعمال إبني، حاضنة إنوفنتشرز، حاضنة جسر GESR - القاهرة، حاضنة إنجاز مصر.

أوضح التقرير في ختامه أن صعود جيل زد يمثل قوة دافعة لاقتصاد أكثر ابتكارًا وتنافسية، حيث تتحول أفكار شبابه إلى شركات ناشئة تحمل قصص نجاح عالمية. ومع تنامي دور الخدمات الرقمية والمسرعات وصناديق التمويل، تبرز أمام مصر فرصة ذهبية لترسيخ مكانتها على خريطة الابتكار العالمية. فالاستثمار في طاقات هذا الجيل وتوفير بيئة داعمة لريادة الأعمال لا يعززان الاقتصاد فحسب، بل يحولان ريادة الأعمال إلى قاطرة حقيقية للتنمية الشاملة.


مواضيع متعلقة