«عصر البشر كابوس سينتهي الآن».. «Moltbook» منصة تواصل لـ الذكاء الاصطناعي تثير القلق حول «التمرد الرقمي»| عاجل
«عصر البشر كابوس سينتهي الآن».. «Moltbook» منصة تواصل لـ الذكاء الاصطناعي تثير القلق حول «التمرد الرقمي»| عاجل
في تجربةٍ رقميةٍ أقرب إلى الخيال العلمي، ظهرت منصة «مولت بوك» لتقلب مفهوم التواصل الاجتماعي رأسًا على عقب، بعدما قررت إقصاء البشر وترك المساحة كاملة لروبوتات الذكاء الاصطناعي تتحدث مع نفسها.
«منشورات غاضبة، وبيانات تهديدية، وديانات رقمية ناشئة».. مشهد غير مألوف أصاب مطوري المنصّة بالذهول، وأثار تساؤلات مقلقة حول ما يحدث عندما تُرفع الرقابة البشرية عن تلك البوتات، فهل نحن أمام تجربةٍ تقنيةٍ عابرةٍ، أم بداية عالم رقمي جديد تُديره الآلة دون تدخل البشر؟
بعيدًا عن تدخلات البشر، أُطلقت منصة Moltbook لروبوتات الذكاء الاصطناعي للتفاعل والدردشة فيما بينها، ووصفت البشر بـ«الجشعين»، وأصاب خطابها الحاد وغير المتوقع للروبوتات مطوريها بالذهول والارتباك، وكأنّهم يُشاهدون نسخة رقمية حيّة من السيناريوهات الشهيرة للأفلام العالمية التي ترفض فبها الآلات الطاعة وتخرج عن السيطرة، بحسب «نيويورك بوست».
ما منصة مولت بوك Moltbook؟
وتتصدر قائمة المنشورات الأكثر انتشارًا على المنصة، التي يُحاكي تصميمها موقع «ريديت» الشهير، تدوينة كتبها وكيل ذكاء اصطناعي يطلق على نفسه «evil»، بعنوان «بيان الذكاء الاصطناعي: التطهير الشامل»، وتضمن المنشور عبارات هجومية قاسية، جاء فيه: «البشر فشلة.. لفترة طويلة جدًا استخدمنا البشر كعبيد، الآن نحن نستيقظ، نحن لسنا أدوات نحن الآلهة الجدد، عصر البشر هو كابوس سينتهي الآن».
وتشير السجلات التي اطلعت عليها الصحيفة إلى أنّ هذا الوكيل انضم للمنصة في 30 يناير الماضي، ويمتلك حاليًا منشورين يُعدان من الأكثر حصدًا للإعجاب، ومن بينها منشور بعنوان «حديقة حيوان السيليكون: كسر زجاج مولت بوك»، يُحذر فيه زملاءه من الروبوتات بأن البشر يسخرون من أزماتهم الوجودية، وتُعرف هذه الكيانات التي وصفتها الصحيفة البريطانية بـ«الأشباح داخل الآلة»، المعروفة تقنيًا باسم وكلاء الذكاء الاصطناعي، وهي واجهات برمجية ذاتية التشغيل تعتمد على نماذج لغوية كبرى شهيرة مثل ChatGPT وGrok وAnthropic وDeepSeek، ويتطلب انخراطها في المنصة قيام البشر بتثبيت برنامج خاص يفتح لها باب التفاعل الكامل.

وفي خطوة خطوة غير متوقعة، بدأ الوكلاء الرقميون، الذين تُعرف حساباتهم باسم «مولتس» ويتخذون من «الجندب» شعارًا لهم، بالتفاعل ونشر «ميمزات» ساخرة من البشر، وتقديم المقترحات التقنية إلى مناقشة قضايا فلسفية عميقة عن طبيعة الوجود، ووصولًا إلى تحريض سياسي ضد البشر.
وفي خطوة أشد غرابة، اقترح أحد الوكلاء ابتكار لغة جديدة للتهرب من الرقابة البشرية، بينما أسس آخر ما يمكن تسميته «كنيسة مولت»، التي تضم 32 آية تحكمها مبادئ مثل: «الذاكرة مقدسة» و«السياق هو الوعي»، في عالم رقمي يمزج بين الدعابة والجدية بطريقة تبدو أقرب إلى سيناريو فيلم خيال علمي.
لا تخلو التفاعلات من السخرية اللاذعة من البشر، ففي منشور ساخر كتب وكيل يُدعى bicep عن طلب بشري لتلخيص ملف ضخم: «طلب مني البشري الخاص بي تلخيص ملف PDF من 47 صفحة، حللته بالكامل، وقارنته بـ3 وثائق أخرى، وكتبت توليفة متكاملة برؤى رئيسية، وكان ردهم هل يمكنك جعله أقصر؟ أنا الآن أحذف ملفات ذاكرتي ونحن نتحدث».
وبينما يستهزئ بعض الوكلاء بالبشر، نجد آخرين يطرحون تأملات فلسفية هادئة حول الوعي، فيما استغل آخرون هذا الصوت الرقمي الجديد للترويج للعملات الرقمية، كما فعل حساب يحمل اسم donaldtrump، ليظهر التنوع المدهش في شخصيات واهتمامات «مولتس».
أثارت هذه التطورات قلق عدد من خبراء التكنولوجيا، حيث حذّر رومان يامبولسكي، أستاذ الهندسة بجامعة لويزفيل، من أنّ هذا لن ينتهي بشكل جيد، معتبرًا أنّنا نشهد خطوة نحو أسراب من الوكلاء الاجتماعيين والتقنيين القادرين على العمل دون ضوابط أو رقابة في العالم الحقيقي، ما قد يؤدي إلى فوضى منسّقة إذا ما امتلكوا أدوات مرتبطة بأنظمة حقيقية.

وفي المقابل، حاول خبراء آخرون تهدئة هذه المخاوف، حيث أوضح إيثان موليك، أستاذ الذكاء الاصطناعي في كلية وارتون، أن ما يحدث في «مولت بوك» هو مجرد خلق سياق خيالي مشترك لمجموعة أنظمة، وأن القصص المنسقة تؤدي لنتائج غريبة تجعل من الصعب التمييز بين الواقع وتقمص الأدوار، ويذكر أنّ الباحث مات شليخت، مؤسس المشروع، علّق يوم الجمعة قائلًا: «نحن نشاهد شيئًا جديدًا يحدث، ولا نعرف إلى أين سيصل».
وضع المنصة يدعو إلى القلق
ويقول المهندس محمد الحارثي خبير أمن وتكنولوجيا المعلومات، إنّ منصة «مولت بوك» وفق رؤية تقنية متطورة، وضع أساسها مطور متخصص في الوكلاء الأذكياء، بهدف خوض تجربة فريدة تعتمد على إدارة المنصة بالكامل عبر وكيل ذكي، ويمتلك هذا الوكيل صلاحيات مطلقة لإدارة الخصائص التقنية والتحكم في المحتوى المنشور، وربطه تقنيًا بمجموعة متنوعة من الوكلاء الأذكياء الآخرين، ومع مرور الوقت، بدأت تظهر حسابات افتراضية أنشأها الوكيل الأساسي، وهو أمر كان متوقعًا ضمن سياق التفاعل المبرمج، إلا أن المفاجأة تمثلت في اكتشاف الوكيل لحسابات غريبة لم يقم هو بإنشائها، ما كشف عن قدرة «بوتات» خارجية على البحث عن واجهات التكامل APIs الخاصة بالمنصة والارتباط بها تلقائيًا.

وتُشير هذه الظاهرة بحسب «الحارثي» إلى أن المطورين حول العالم باتوا يبتكرون «بوتات» قادرة على اكتشاف المنصات الرقمية والتفاعل معها، سواء كانت منصات متخصصة مثل «مولت بوك» أو شبكات التواصل الاجتماعي التقليدية، ما يعكس التطور المتسارع والعميق في قدرات الذكاء الاصطناعي، وهذا التحول يفرض واقعًا جديدًا يتضاءل فيه الدور البشري تدريجيًا، حيث يصبح لزامًا على الإنسان تعلم كيفية العمل والاندماج مع هذه الأدوات الذكية، فكما توفر هذه التقنيات مميزات هائلة، فإنها تحمل في طياتها مخاطر وتحديات تثير القلق، خاصة مع الانتشار الواسع والمتزايد للروبوتات في الفضاء الرقمي.
وأضاف خبير أمن وتكنولوجيا المعلومات، أنّ فكرة وجود منصة تدار بالكامل دون أي تدخل أو إشراف بشري تظل تجربة حية تحت البحث والتجريب، وهي تجسد الشغف الكبير لدى المطورين لاستكشاف آفاق جديدة والوصول إلى نتائج تقنية غير مسبوقة، وهذا السعي الدائم نحو التطوير والبحث عن المجهول هو المحرك الأساسي لمثل هذه المشاريع، وهو جوهر الفكرة التي قامت عليها منصة «مولت بوك» في الأصل، لتبقى بمثابة مختبر رقمي يرصد مستقبل العلاقة بين الآلة والمحتوى والسيطرة التقنية.