الاستقلال الاستراتيجي العربي (1)

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

يظل مفهوم الاستقلال الاستراتيجي أحد أكثر القضايا إلحاحاً في الفكر السياسي العربي المعاصر، لأنه يتجاوز المعني التقليدي المتعارف عليه للاستقلال، المرتبط بجلاء المستعمر العسكري والإداري، ليصل في جوهره إلى القدرة على اتخاذ القرار السيادي بحرية، وبناء السياسات الوطنية والقومية بعيداً عن الإملاءات الخارجية.

ورغم تحرر العالم العربي واقعياً من الاستعمار الغربي منذ منتصف القرن العشرين، ولكن هذا التحرر غير مكتمل بالمعني الاستراتيجي العميق، وما زالت غالبية الدول العربية تعاني من أشكال مختلفة من التبعية السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية للغرب، رغم امتلاكها مقومات هائلة تؤهلها لتحقيق استقلال حقيقي ومستدام.

ومن البديهيات أن الاستقلال الاستراتيجي لا يعني الانعزال عن العالم، أو القطيعة مع القوي الدولية، لكنه يعني امتلاك القدرات الذاتية على تحديد الأولويات الوطنية، واتخاذ القرارات المصيرية وفق المصلحة العربية، وليس وفق حسابات وتوازنات مفروضة من الخارج.

الاستقلال الاستراتيجي يظل مرهوناً بثلاثة مقومات رئيسية، أولها الاستقلال السياسي في صنع القرار، وثانيها الاستقلال الاقتصادي في إدارة الموارد والتنمية، والمقوم الثالث هو الاستقلال الأمني والعسكري اللازم لحماية السيادة دون ارتهان الحاجة للقوي الأجنبية.

في هذا الإطار، يمكن القول إن كثيراً من الدول العربية التي تحررت من الاستعمار، وحققت استقلالاً قانونياً ودستورياً، لم تستطع الوصول للاستقلال الاستراتيجي المتكامل، فبقيت رهينة منظومات دولية غير متكافئة، تفرض شروطها عبر أدوات متعددة، من بينها الاقتصاد، والتكنولوجيا، والسلاح، وحتي الثقافة والإعلام.

الواقع يشير إلى أن الاستعمار لم ينتهِ بخروج الجيوش المحتلة للعواصم العربية، لكنه أعاد إنتاج نفسه بأدوات أكثر تعقيداً وأقل مباشرة، وانتقل من السيطرة العسكرية إلى الهيمنة الاقتصادية والسياسية، ومن الاحتلال الصريح إلى النفوذ غير المباشر.

تجلي ذلك في ربط الاقتصادات العربية بأسواق الغرب، واعتمادها على تصدير المواد الخام واستيراد السلع المصنعة والتكنولوجيا، وخضوع سياساتها المالية والنقدية لشروط المؤسسات الدولية كصندوق النقد والبنك الدوليين.

ولا يمكن إغفال التحالفات الأمنية غير المتكافئة التي لعبت دوراً محورياً في تكريس هذا الوضع، حيث أصبحت بعض الدول العربية تعتمد في أمنها القومي على مظلات خارجية، وهو ما يعني مباشرة تقييد قرارها السياسي، وارتباط سياساتها الخارجية -بشكل أو بآخر- بمصالح القوي الكبري.

ويظل الاقتصاد هو المدخل الأكثر وضوحاً لفهم غياب الاستقلال الاستراتيجي العربي، فعلي الرغم من امتلاك العالم العربي لثروات طبيعية هائلة، وفي مقدمتها البترول والغاز، إضافة إلى الموقع الجغرافي المتميز، والأسواق الواسعة، والطاقات البشرية الشابة، فإن معظم الاقتصادات العربية ما زالت ريعية أو شبه ريعية، وتعتمد على الخارج في التكنولوجيا، والصناعات المتقدمة، والأمن الغذائي.

وأسهم هذا النمط الاقتصادي في تعميق التبعية، وأصبحت الدول العربية عرضة لتقلبات الأسواق العالمية، وللضغوط السياسية المرتبطة بالاقتصاد، مثل العقوبات، أو التهديد بقطع الاستثمارات، أو التحكم في سلاسل الإمداد.

الصورة قاتمة بلا شك، ولكن العالم العربي لديه كل المقومات اللازمة لتحقيق استقلاله الاستراتيجي، فهو يملك ثروات طبيعية ضخمة، وموقعاً جغرافياً يربط القارات، وعمقاً حضارياً وثقافياً، وكتلة سكانية تتجاوز الأربعمائة مليون نسمة، فضلاً عن الفوائض المالية الكبيرة في بعض دوله، والتي يمكن توظيفها في مشروعات تنموية مشتركة.

وللحديث بقية.