ما موقف الإسلام؟ سؤال جعل الدين نشرة تعليمات

كثيراً ما نُحمِّل الدين ما لا يحتمل، ونزج به في تفاصيل لا شأن له بها، حتى صار بعض الناس لا يسأل عن أمر من أمور حياته إلا سبق السؤال عنه بعبارة: ما رأى الدين؟

وفي شهر رمضان الماضي سأل أحدهم دار الإفتاء عن حكم نوم المسلم معظم ساعات النهار، فقلت في نفسي: هذا لا يُسأل فيه مفتٍ، بل طبيب، وسأل آخر عن حكم الغناء في الحمام، فقلت: هذا شأن سيترتب عليه قيام الجيران بإبلاغ الشرطة عن المغني بتهمة الإزعاج، فما شأن المفتي بهذا؟! وسأل ثالث عن حكم الاحتلال غير المشروع في الإسلام، فتعجبت وقلت: وهل كان هناك في يومٍ من الأيام احتلال مشروع حتى نميّز بين مشروع وغير مشروع؟!

وهكذا بتنا نبحث عن «رأي الإسلام» في كل صغيرة وكبيرة، حتى فيما فطرنا الله عليه، أو فيما تأباه الفطرة السليمة أصلاً. فنكاد نسأل: ما رأي الإسلام في شرب الماء عند العطش؟ أو في السباحة في النهر بدل حمام السباحة؟! وكأن الدين جاء ليكون دليل استخدام تفصيلي لكل حركة وسكنة، لا رسالة هداية عامة تضبط المقاصد وتترك للناس مساحات واسعة من الحرية.

غير أن تسييس الدين شوه فطرة الناس، وجعل كل شيء ملتبساً. فهذا يسأل عن تهنئة الأقباط بأعيادهم، فيُفتى له بالتحريم، وذاك يسأل عن إلقاء السلام على غير المسلم، فيُفتى له بالتحريم. وثالث يسأل عن السفر لطلب العلم في أوروبا، فيُحرم عليه. ثم تتوالى الأسئلة: أكل الخشاف، شرب المياه الغازية، الشرب قائماً، التبول واقفاً في المراحيض الحديثة… والجواب الجاهز دائماً: التحريم!.

والحقيقة أن الإسلام -على خلاف ما يصوّره هؤلاء- ترك للإنسان مساحة هائلة من الحرية، ولم يضع القيود إلا على أقل القليل مما يفسد النفس أو يهدم المجتمع.

لم يخلقنا الله آلات تتحرك وفق نمط واحد، بل بشراً ذوي فطرة حيّة، ولم يُحرم علينا إلا ما ورد نصاً في كتابه الكريم، أما كهنة الأديان فقد أضافوا من المحرَّمات ما تعجز الجبال عن حمله، وكأن الله خلق الإنسان ليُحرِّم عليه معظم حياته!

لقد فطرنا الله على الحب، والحرية، والكرامة، والعدالة، والرحمة، والرغبة في المعرفة، وحفظ النفس والعقل والمال والنسل. فمن فسدت فطرته، فسد خلقه، فلا يعرف للحب سبيلاً، ولا للحرية قيمة، ولا للكرامة وزناً، ولا للعدالة معنى، ولا للرحمة موضعاً في قلبه.

ومن فسدت فطرته قد يقتل باسم الدين، ولا قتل أبشع من قتل يُرتكب باسم الله، وكأن القاتل يحمل تفويضاً إلهياً بالقتل! وقد يسرق ويهتك الأعراض باسم الإسلام، ثم يتلو النصوص في غير مواضعها، غير عابئ بقوله تعالى:

﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾.

وإذا عدنا إلى القرآن، وجدنا أن الله لا يُصادم الفطرة، بل يُذكِّر بها. فالكرامة أصل إنسانى مقرر: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى آدَمَ﴾، والعبودية بين البشر نقيض لفطرة الحرية، ولذلك أغلق الإسلام أبوابها بعد أن عاش عليها العالم قروناً. والحب -بمعناه الواسع- قيمة مركزية في الرسالة، لأنه نقيض الكراهية، وبوابة كبرى إلى الله.

نعم، يمكنك أن تتقرب إلى الله بطريق الطمع في الجنة، فتكون كالتاجر في صفقة، ويمكنك أن تعبده خوفاً من النار، فتكون كالعبد الخائف من العقاب. لكن أسمى الطرق هو طريق المحبة: أن تعبده لأنك تحبه. عبادة المحبين هى الأعلى منزلة، ومنها ينفتح حب الخلق.

ومن بؤس الخطاب الدينى المعاصر أنه حوّل حتى الحب إلى تهمة، واستُخدمت مقولة «يُحشر المرء مع من أحب» -بغض النظر عن صحة الاستدلال بها- لترويج الكراهية، والحقيقة أن الله لا يحاسب الناس على مشاعر لا يملكونها، بل على أعمالهم. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام:

«اللهم هذا قسمى فيما أملك، فلا تؤاخذنى فيما لا أملك»، يقصد مشاعر القلب.

والواقع النبوى نفسه يهدم هذا الفهم المشوَّه؛ فقد أحب الرسول عمه أبا طالب، وبكى عند موته، رغم كفره، وسُمِّى العام الذى مات فيه «عام الحزن». وأحب قومه، ورفض أن يُطبق عليهم الأخشبين، لأنه كان يحبهم. فهل كان الحب يومها جريمة؟!

أما حب الرجل للمرأة، وحب المرأة للرجل، فهما من أوضح تجليات الفطرة الإنسانية، ولولا هذا الحب ما استمرت الحياة، أحب النبى خديجة حباً عظيماً، وبكى لفقدها، وأحب عائشة رضى الله عنها.

وكتب الفقيه الكبير ابن حزم الأندلسى كتابه الشهير «طوق الحمامة»، فحلّل فيه الحب تحليلاً نفسياً وإنسانياً دقيقاً، وتحدث عن مراتبه وأحواله ومظاهره، دون أن يرى في ذلك خروجاً عن الدين أو مساساً بالوقار.

ولا يعنى هذا دعوة إلى الحرام؛ فالحلال بيِّن والحرام بيِّن، والتعدى على الأعراض باسم الحب مرفوض. لكننا لا نملك أن نأمر القلوب ألا تحب، ولا أن نُصدر قرارات بإلغاء المشاعر. فالحب موضعه القلب، والقلب ليس آلة طيّعة للأوامر.

هذه هى الفطرة التى خُلق عليها الناس جميعاً، مسلمهم وغير مسلمهم، مؤمنهم وملحدهم. ولولا الحب، ما استمرت البشرية يوماً واحداً على ظهر الأرض.