في ذكرى تأسيس «فيسبوك».. شهادات يرويها حراس القلعة الزرقاء عن المحتوى الضار وخدعة حماية الأطفال والمراهقين |عاجل

كتب: محمد عبد العزيز

في ذكرى تأسيس «فيسبوك».. شهادات يرويها حراس القلعة الزرقاء عن المحتوى الضار وخدعة حماية الأطفال والمراهقين |عاجل

في ذكرى تأسيس «فيسبوك».. شهادات يرويها حراس القلعة الزرقاء عن المحتوى الضار وخدعة حماية الأطفال والمراهقين |عاجل

خلف الواجهات الزجاجية الواسعة لمقار «فيسبوك» بالولايات المتحدة، تمتد مساحات عمل مفتوحة بلا جدران فاصلة تقريبًا، صفوف من المكاتب المتجاورة، شاشات ضخمة لا تنطفئ، غرف اجتماعات شفافة يمكن رؤية ما يدور داخلها من الخارج، وممرات تتحول أحيانًا إلى نقاط نقاش سريعة بين فرق الهندسة والسياسات والتسويق.

في الزوايا، مقاعد مريحة ومقاهي داخلية، وعلى الجدران شعارات تحفز على «السرعة» و«التجريب» و«التأثير».

هكذا يبدو المشهد من الداخل، بيئة مصممة لتكريس العمل الجماعي واتخاذ القرار بسرعة، حيث تختلط فرق المنتجات بالأمن والسياسات والقانون، وتُتخذ قرارات تمس مليارات المستخدمين داخل غرف اجتماعات مغلقة لا تتجاوز مساحتها بضعة أمتار.

لكن خلف هذا التصميم، تتكشف روايات أخرى، يرويها من عملوا داخل هذه الغرف نفسها، وشهدوا كيف تُدار النقاشات، وكيف تُقدم الأولويات، وأي الأصوات يسمح لها بالبقاء، وأيها يستبعد بصمت.

«الوطن» تفتح نافدة على ما يجري خلف الكواليس

في ذكرى تأسيس «فيسبوك»، والذي تحل ذكراه اليوم، الرابع من فبراير، وبعد مرور نحو 21 عامًا، تفتح «الوطن» نافذة على ما يجري خلف الكواليس، عبر شهادات موظفين وباحثين ومسؤولين سابقين في الشركة، كشفوا خلالها ملامح ثقافة العمل وآليات صناعة القرار وحدود المساءلة، والتناقض بين الصورة التي تُقدم للعالم وما يُناقش داخل جدران واحدة من أكثر الشركات تأثيرًا في الفضاء الرقمي العالمي، مع الإشارة إلى الإجراءات التي أعلنت «ميتا» اتخاذها لاحقًا للحد من هذه الإشكاليات التي أثارها مسؤولون وباحثون من داخلها.

كيف تغير العمل داخل «فيسبوك»؟

آرتورو بيجار، عمل في فيسبوك على فترتين، الأولى كانت من عام 2009 حتى 2015، حيث كان قائدًا رفيع المستوى مسؤولًا عن الأمن والسلامة ودعم العملاء للمنتج والهندسة، استقال في هذا الوقت لقضاء مزيد من الوقت مع عائلته.

ثم عاد للعمل في فيسبوك مرة ثانية من 2019 حتى 2025، لكن هذه المرة لم يستقل، السبب كان قيودًا على عمل المستشارين في ولاية كاليفورنيا، وانتهى عقده بشكل طبيعي.

في المرة الأولى التي عمل فيها آرتورو بيجار بين 2009 و2015، كان العمل مليئًا بالطاقة والشفافية، كان الموظفون يتمتعون بصلاحية اتخاذ قرارات وإجراء تغييرات بأنفسهم، وكانت ثقافة الشركة تشجع على المبادرة والمساهمة.

أما في المرة الثانية بين 2019 و2025، فقد تغير الوضع بشكل كبير، حيث أصبح العمل أكثر مركزية، وقرارات الشركة لا تُنفذ إلا بموافقة المسؤولين الأعلى، وخلال هذه الفترة، لاحظ أن الشركة قامت بأفعال غير أخلاقية أو خاطئة، مثل وجود زر يُوهم المستخدم بأنه أرسل تقريرًا بينما لم يكن كذلك.

يعاني «فيسبوك» من مشكلتين أساسيتين، وهما غياب القياس والمراقبة للأضرار التي يتعرض لها المراهقون والشباب، فـ«فيسبوك» يمتلك القدرة على تتبع كل شيء تقريبًا على منصاته، لكن إذا لم يتحرك «فيسبوك»، فكأن هذا الشيء لا وجود له بالنسبة لهم.

والمشكلة الثانية تتعلق بغياب أدوات للإبلاغ عن الضرر، فالشركة لم تبنِ ميزات تسمح للمستخدمين بإخبارها عند تعرضهم لأي أذى، رغم أن هذه الميزات كانت سهلة التنفيذ تقنيًا، ويوضح الموظف السابق في «فيسبوك»، أن النظام نفسه يجعل الأضرار التي يتعرض لها المستخدمون الشباب غير مرئية وغير معالجة.

سياسات «فيسبوك» وحماية المراهقين

بحسب رأي آرتورو بيجار، فسياسات فيسبوك الحالية ليست كافية لحماية المراهقين، فتصميم الخيارات والميزات في فيسبوك وإنستجرام يجعل الشباب معرضين لمحتوى ضار، بما في ذلك محتوى جنسي، وعن اضطرابات الطعام، وعن الانتحار وإيذاء النفس، واتصالات ضارة من أشخاص مجهولين، ومحتوى عنيف.

وأضاف «بيجار» أن كل جانب من المنتج مصمم ليكون إدمانيًا، بدون حدود فعالة لحماية المستخدمين الشباب، مشيرًا إلى أن هذه المخاطر يمكن تفاديها تمامًا دون المساس بحرية التعبير، من خلال تغيير سياسة المنتج وتصميمه بطريقة تقلل الضرر بشكل كبير على الأطفال والمراهقين.

تصميم ميزات وخدمات «ميتا» جعل حماية الأطفال والمراهقين شبه مستحيلة، فالموقع يوهم الأهل بأن المحتوى الضار غير موجود، بينما يعرض للمراهقين محتوى عن الانتحار وإيذاء النفس بشكل متكرر، حيث أبلغ 8% من الشباب أنهم رأوا هذا المحتوى مرات متعددة خلال الأسبوع الماضي.

كما يستخدم نظام «ميتا» خوارزميات تتتبع ما يشاهده المراهق، وتعرض له مزيدًا من نفس المحتوى، دون مراعاة أن بعض المشاهدات قد تكون بدافع الفضول أو يوم سيء، وهنا تكون النتيجة.

يقول: «يمكن أن يخلق إنستجرام سلسلة من المحتوى تؤدي إلى إيذاء النفس لدى المراهقين، دون أي أدوات مساعدة متاحة»، مشيرًا إلى أن اختبار 30 أداة من أهم أدوات السلامة في «ميتا» أظهر أنها لا تعمل فعليًا.

أوضح «بيجار» أنه أثناء عمله، كان يشرف على استطلاع واسع النطاق شمل مئات الآلاف من الأشخاص، بما في ذلك الشباب، حول الضرر الذي يتعرضون له على إنستغرام.

وكانت نتائج الاستطلاع صادمة، حيث أسبوعيًا يتعرض 1 من كل 10 شباب للتنمر والتحرش، و1 من كل 8 أطفال يتعرضون لمحاولات تحرش جنسي غير مرغوب فيها.

هذه الأرقام تم إرسالها مباشرة إلى مارك زوكربيرج وآدم موسيري، رئيس منصة «إنستجرام»، لكن القيادة اختارت عدم اتخاذ أي خطوات لتحسين الوضع، رغم الضرر الكبير الذي يتعرض له المراهقون.

لا ترغب «ميتا» في معرفة متى يتعرض الأطفال للضرر، وحتى الملاحظات التي كتبها «بيجار» بنفسه حول تلك المشاكل، طُلب منه في النهاية تعديلها قبل نشرها داخليًا، يقول: «حتى الإجراءات البسيطة لم تُنفذ، مثل توفير خيار يسمح للمستخدمين بتوضيح سبب حظر شخص معين، وهو أمر قد يساعد في كشف المتحرشين بسهولة».

مارك زوكربيرج

«زوكربيرج» يختار الصمت

تمتلك «ميتا» التكنولوجيا اللازمة لحماية المستخدمين الشباب منذ سنوات طويلة، وقد تحسنت هذه التكنولوجيا بشكل كبير، لكن المشكلة الأساسية ليست تقنية، بل عدم رغبة مارك زوكربيرج في حماية الأطفال، لأنه لا يريد أن يعرف معرفة اللحظة والحالة التي يتعرض طفل للضرر على منتجاته، وفقًا لما قاله الموظف السابق في الشركة.

الموظفة السابقة في ميتا، كيلي ستونليك، لم يكن دخولها إلى فيس بوك بوظيفة قيادية، على العكس، بدأت كموظفة بالساعة، واحدة من آلاف يتحركون داخل الشركة التي كانت تكبر أسرع من الوقت.

على مدار ما يقرب من 15 عامًا، صعدت تدريجيًا في السلم الوظيفي، إلى أن وصلت إلى منصب مدير تسويق المنتجات، موقع يُفترض أن يكون حلقة الوصل بين ما تبنيه الشركة وما يواجهه العالم خارج جدرانها.

في ميتا، لا يُنظر إلى تسويق المنتجات (المنتجات هنا تُعني الميزات والخدمات) كوظيفة ترويجية، فالمسؤول لا يكتفي بالتخطيط للحملات أو صياغة الرسائل التسويقية، بل يشارك في صنع القرارات الاستراتيجية، يشمل ذلك تحديد الميزات التي سيتم إطلاقها، تقييم المخاطر المرتبطة بها، والعمل مع فرق الهندسة والقانون والسياسات لضمان أن المنتج يلبي احتياجات السوق دون التسبب بأضرار.

كان هذا يضع «كيلي» يوميًا على طاولات نقاش تجمع فرق الهندسة، والسياسات، والقانون، والخصوصية، والاتصالات، والعمليات، حيث لا تُناقش الميزات فقط، بل السمعة، والضغط العام، والمخاطر المحتملة.

كيف يبدو العمل داخل «فيسبوك»؟

تصف كيلي ستونليك مكان العمل داخل «فيسبوك»، وتقول إنه مصمم ليشعرك بالانفتاح والحداثة، فالمكاتب تعتمد على تخطيط مفتوح، وغرف اجتماعات زجاجية، ومساحات عمل مشتركة.

هناك العديد من الغرف بمختلف الأحجام، بالإضافة إلى ما أطلق عليه «غرف حرب» تُستخدم لإطلاق المشاريع أو المبادرات ذات الأولوية العالية.

تقول إن العمل الحقيقي غالبًا يحدث في الاجتماعات والمراجعات المكتوبة أكثر من التسلسل الهرمي الرسمي، حيث تُتخذ القرارات عبر مزيج من اجتماعات القيادة، والموافقات المكتوبة، والتنسيق بين فرق المنتج والقانون والسياسات والتواصل.

تصف الإيقاع بالسريع والمكثف، والمواعيد النهائية بالضاغطة، كما تتغير الأولويات بسرعة، ويُتوقع من الموظفين استيعاب كميات كبيرة من المعلومات عبر أنظمة متعددة، كما يقاس الأداء عبر مؤشرات ولوحات بيانات، وهو ما يوفر وضوحًا، لكنه يخلق أيضًا ضغطًا للتركيز على ما يُقاس ويُكافأ، أحيانًا على حساب مسائل أصعب قياسًا مثل السلامة، والرفاهية، والمخاطر طويلة المدى.

في يوليو 2022، توسّع نطاق عملها، فلم تعد مسؤولة فقط عن منصة المطورين، بل أضيف إلى مهامه مشروع Meta Horizon Worlds وتعني باللغة العربية «عوالم ميتا هورايزون»، وهي منصة واقع افتراضي اجتماعي أطلقتها ميتا لتكون أحد أعمدة مشروعها الأوسع الخاص بالميتافيرس.

ومعناها الأوسع، أنها عالم افتراضي ثلاثي الأبعاد يدخل إليه المستخدمون عبر نظارات الواقع الافتراضي، ويتحركون داخله على هيئة شخصيات رقمية، يتفاعلون مع بعضهم البعض بالصوت والحركة، ويشاركون في أنشطة اجتماعية، ترفيهية، وأحيانًا تجارية.

تقول «كيلي» إن هذا الدور منحها رؤية مباشرة لمشاكل السلامة المتكررة، وذلك من التحرش، إلى العنصرية، والسلوكيات المسيئة، والأخطر، وجود أطفال داخل منصة لم تُصمم أصلًا لحمايتهم.

عندما دخلت إلى دائرة القيادة في «هورايزون»، لم تحتج إلى وقت طويل لتفهم ميزان القوة، طاولة اتخاذ القرار كانت شبه خالية من النساء، وممتلئة بالثقة العالية، والقرارات السريعة، وهناك، مساحة محدودة للاعتراض.

كان دورها يتطلب منها الكشف عن المخاطر، بما في ذلك المخاوف المتعلقة بالعنصرية والتحرش وتعرض الأطفال للأذى، لكن لم يؤدِ طرح هذه القضايا إلى حل المشكلات، بل أدى إلى ردود فعل سلبية.

فيسبوك

إقصاء الأصوات الناقدة داخل دوائر القيادة

تروى: «في إحدى المرات، طُلب مني إسكات امرأة كانت تُثير مخاوف مشروعة عبر المنصات، فرفضت»، بعد ذلك، لم تعد تُستدعى إلى اجتماعات القيادة التي كانت ضرورية أصلًا لأداء عملها.
في تلك البيئة، أصبح العمل المسؤول أمرًا مستحيلًا: «من المستحيل إنجاز عمل مسؤول، كما كشف ما حدث، تأثير ديناميكيات السلطة الداخلية بسهولة على النتائج الخارجية، خاصةً عندما يُهمش من يثيرون مخاوف تتعلق بالسلامة بدلًا من الاستماع إليهم».

كان لدى «كيلي» شعور بسيط بالثقة في البداية، وأنها قادرة على الاعتماد على قيادة «ميتا» لحماية بيئة العمل لكل شخص، لكنها أعادت تقييم ثقتها عندما اتضح لها أن الإدارة كانت على دراية بمخاطر جسيمة، لكنها اختارت تجاهلها.

داخل منصة الواقع الافتراضي «ميتا هورايزون»، كان معروفًا داخليًا أن أطفالًا، بمن فيهم من هم تحت سن الثالثة عشرة، يتجولون في المنصة، لم يكن هذا مجرد تخمين، بل تقارير الموظفين، والتعليقات وغيرها من الأمور التي أكدت وجودهم، ومع ذلك، استمرت إدارة «ميتا» في المضي قدمًا نحو التوسع، دون وضع ضوابط كافية لضمان سلامتهم.

الربح قبل الإنسان.. معادلة ميتا غير المعلنة

ما غيّر ثقة كيلي ستونليك في ميتا لم يكن قرارًا واحدًا، بل نمط متكرر من التجاهل، فأي حديث عن الأطفال يُنظر إليه كخطر قانوني محتمل للشركة، كما أن توثيق المخاوف كان غير مرغوب فيه، وكل من أبدى تحفظه في تلك القضايا، كان يُستبعد تدريجيًا من النقاشات الأساسية.

في عملها اليومي، لاحظت حقيقة واضحة، في «ميتا»، النجاح غالبًا يُقاس بالنمو والمشاركة والربح، وليس بسلامة المستخدمين.

تقول «كيلي»، إنه عندما يكون الربح والنمو هو الهدف الأساسي، يصبح حماية المستخدمين والحد من الضرر أمرًا ثانويًا، وأحيانًا صعب التحقيق.

وفي تلك اللحظة، أدركت الموظفة السابقة في «ميتا» الحقيقة، أن قيادة «فيس بوك»، و«ميتا»، لم تكن تهتم بمخاطر المستخدمين أو الموظفين، بل بإدارة المخاطر لصالح الشركة نفسها.

لاحظت «كيلي» خلال عملها في «ميتا»، استنادًا إلى ثغرات، أطفال يستخدمون عالم ميتا الافتراضي بشكل مباشر، سواء من خلال ملاحظات الموظفين، شكاوى المستخدمين، تقارير الإعلام، أو طريقة استجابة الشركة.

كانت المشكلة كبيرة، فـ«ميتا» كانت تجمع بيانات عن الأطفال وتعرضهم لمستخدمين بالغين بدون موافقة الأهل أو أدوات حماية مناسبة، وهو انتهاك للسياسات العامة، وبدلًا أن تُعطى الفرق العاملة المسؤولة داخل الشركة الصلاحية لمعالجة المشكلة، طُلب منهم تجنب تسجيل أي ملاحظات أو أي دليل يمكن اكتشافه لاحقًا عن وجود الأطفال في المنصة.

وفيما يتعلق بالتعامل الداخلي مع التحذيرات أو المخاوف بشأن الآثار السلبية للمحتوى على المستخدمين، تقول «كيلي» إن زميلها السابق، وهو برايان بولاند، الذي شغل منصب نائب رئيس في فيسبوك، شهد أمام مجلس الشيوخ الأمريكي بأنه كان يريد دراسة الأضرار نفسها بالضبط.

ووصفت كيف أظهرت الأبحاث والأدوات الداخلية أن News Feed «آخر الأحداث» كان يساهم في نشر المعلومات المضللة والتطرف والمحتوى الضار على نطاق واسع، ومع ذلك لم تتخذ القيادة أي إجراءات حقيقية لمعالجة هذه النتائج.

بدلاً من ذلك، كانت أعمال السلامة تفتقر للموارد، معزولة، وتأتي في المرتبة الثانية بعد أهداف النمو والتوسع، وكانت تجربتها في «ميتا هوريزون» تتوافق مع شهادة زميلها السابق، تقول: «فكلما حاول الناس الكشف عن المخاطر أو دراستها بطريقة قد تضطر الشركة لتغيير مسار المنتج، كانت جهودهم مقيدة ومحدودة، والقيادة تميل دائمًا إلى إبقاء النمو والسرعة فوق السلامة والمسؤولية».

وفقًا لتجربتها، أكبر تحدٍ تواجهه «ميتا»، هو أن الربح غالبًا يسبق حماية المستخدمين، فالشركة تعتمد على إبقاء الناس يتصفحون لفترات أطول، لكن المحتوى المتوازن والدقيق يولد تفاعلًا أقل من المحتوى الاستقطابي (الذي يثير مشاعر الغضب أو الخوف أو الحماس)، لذلك، معالجة التضليل السياسي على المنصة تبقى مهمة صعبة للغاية.

قبل أن تترك «ميتا»، كانت تواجه ضغوط مستمرة نتيجة ما يحدث على المنصات من تحرش، وانتقام، وعدم اعتراف بمخاوفها، هذه الضغوط أثرت عليها نفسيًا ومهنيًا لدرجة أنها عانت من انهيار نفسي ووظيفي، واستغرق الأمر أكثر من عام قبل أن تتمكن من معالجة ما حدث وأخذ خطوات أولية للتعافي أو المضي قدمًا.

فيسبوك

باحثون يشهدون أمام الكونجرس

جيسون ساتيزان، وهو باحث عمل سابقًا في «ميتا»، أدلى بشهادته في جلسة عقدت بتاريخ 9 سبتمبر من العام الماضي، وكشف في تقرير اطلعت عليه «الوطن»، أن الشركة تغلب الأرباح وزيادة التفاعل على سلامة المستخدمين، وأن ثقافة الشركة تمنع معالجة المخاطر الحقيقية التي يتعرض لها المستخدمون، خاصة الأطفال والنساء.

وفقًا للتقرير، الشركة لا تكتفي بتجاهل المشاكل، بل تتخذ خطوات تتعلق بالتلاعب بالأبحاث وحذف الأدلة لضمان عدم ظهور أي سجل يوضح الأضرار.

وكشف التقرير عن تعرض مستخدمي منصة «فيسبوك ماركت بليس» لمجموعة من التجارب السلبية شهريًا، مع تقديرات دقيقة لعدد البلاغات التي تصل إلى ملايين المستخدمين.

وأشار التقرير إلى أن نحو 8 ملايين مستخدم واجهوا تجربة سلبية واحدة على الأقل خلال شهر واحد، كما تم تسجيل 5 ملايين بلاغ شهريًا عن عمليات احتيال أو بضائع مقلدة وغير أصلية، و4.4 مليون بلاغ شهريًا عن مضايقات.

فيسبوك ماركت بليس.. ملايين البلاغات شهريًا

وفيما يتعلق بالمخاطر الأخرى، أظهر التقرير أن هناك مليوني بلاغ شهريًا عن سرقة سلع، و1.6 مليون بلاغ شهريًا عن تهديدات أو اعتداءات جسدية، بالإضافة إلى 4 ملايين بلاغ شهريًا عن تعرض المستخدمين لصور غير لائقة ضمن منشورات السوق.

طالب «ساتيزان» الكونجرس الأمريكي بالتدخل التشريعي لإجبار الشركة على اتخاذ خطوات فعالة لحماية المستخدمين، خاصة الأطفال والنساء.

وكشف تقرير آخر اطلعت عليه «الوطن» لشهادة الباحثة السابقة في شركة ميتا، كايسي سافاج، وهي أول باحثة مختصة في سلامة الشباب في الواقع الافتراضي، عن مجموعة من المخاطر التي يواجهها الأطفال على هذه المنصات، مؤكدة أن الشركة تتجاهل وجودهم لتجنب الالتزام بقوانين حماية خصوصية الأطفال.

وقالت في شهادتها، إن «ميتا» تعلم أن منصات الواقع الافتراضي مليئة بالأطفال لكنها تتعمد تجاهل ذلك لتفادي إنشاء قيود تحميهم، كما رفضت تحسين آليات التحقق من العمر لتجنب انخفاض عدد المستخدمين النشطين.

ورصدت «سافاج» بنفسها حالات تنمر واعتداءات جنسية، ومحاولات من متحرشي أطفال لاستدراج القاصرين لطلب صور عارية أو أعمال جنسية، ونقلت تعليقًا لمستخدم يقول: «شكرًا ميتا لجعل هذا المكان مملكة للمتحرشين بالأطفال، لقد جعلتم من السهل اللقاء وتبادل المعلومات مع الأطفال هنا».

وقالت إن الفريق القانوني كان يراقب كل تقاريرها ويمنعها من إجراء أبحاث حول الأضرار التي يتعرض لها الأطفال، وأضافت أمام مجلس الشيوخ الأمريكي، أن الشركة غالبًا ما تسرع في إطلاق ميزات السلامة عند ضغط رقابي، وغالبًا ما تكون غير كافية أو غير مدروسة.

واتهم مجموعة من الموظفين السابقين في ميتا، بالتعمّد في إخفاء نتائج أبحاث داخلية أظهرت أن منصات الواقع الافتراضي الخاصة بها تُعرض الأطفال للتنمّر، والتحرش الجنسي، والعنف، وأن الشركة حرصت على حذف أو تعديل البيانات التي تثبت هذه المخاطر بدلًا من التصدي لها، وفقًا لوثيقة اطلعت عليها «الوطن».

حاولت «الوطن» التواصل مع فريق العلاقات الإعلامية في «ميتا» لتوضيح مزاعم عن تصميم المنصات وتأثيرها على المستخدمين، خاصة المراهقين، وأرسلت رسائل رسمية حول آليات الإبلاغ عن المضايقات، الصحة النفسية، الإدمان الرقمي، وسياسات حماية القاصرين، لكنها لم تتلق أي رد -حتى كتابة هذه السطور-.

وثيقة مجلس الشيوخ

وثيقة مجلس الشيوخ

محاولات ميتا لاحتواء الغضب.. إصلاح أم إدارة أزمة؟

ورغم حجم الانتقادات والشهادات التي تتهم «ميتا» بتغليب الربح والتفاعل على سلامة المستخدمين، تشير الشركة في تقارير رسمية إلى أنها تحاول، تدريجيًا، معالجة بعض أوجه القصور في سياساتها، عبر عدد من الخطوات المؤسسية والتقنية، وإن كانت هذه الجهود محل تشكيك من باحثين وموظفين سابقين.

مجلس الرقابة المستقل.. هل هو شفافية محدودة؟

وفقًا لمسؤولون سابقون وحاليون، تحدثوا لـ«الوطن»، وتقارير رسمية من «ميتا»، أبرز هذه الخطوات يتمثل في إنشاء هيئة مستقلة لمراجعة المحتوى واسمها «Oversight Board»، وتعني بالعربية «مجلس الرقابة» وهي آلية تتيح للمستخدمين الطعن في قرارات إزالة المحتوى أو الإبقاء عليه، وتعمل نظريًا على تعزيز الشفافية والمساءلة.

ولتعزيز استقلالية هذه الهيئة، التزمت «ميتا» بتمويل طويل الأجل لها عبر صندوق دعم مستقل، بمساهمات مالية تُقدر بمئات الملايين من الدولارات، في خطوة تقول الشركة إنها تهدف إلى ضمان استمرارية الرقابة الخارجية على سياسات المحتوى، رغم الجدل المستمر حول فعاليتها وحدود تأثيرها الفعلي، بحسب تقارير «ميتا».

كما لا تقتصر مهام الهيئة على مراجعة الحالات الفردية، بل تصدر توصيات تحليلية أوسع تتعلق بتطوير السياسات، مثل تبسيط إجراءات الإبلاغ أو تعزيز حماية حقوق المستخدمين، وتُلزم «ميتا» بالرد العلني على هذه التوصيات، ما يضيف قدرًا من الشفافية إلى عملية اتخاذ القرار.

على المستوى التقني، تشير «ميتا» إلى إدخال ميزات أمان إضافية للرسائل الخاصة على منصات مثل «ماسنجر» و«إنستغرام»، تتيح للمستخدمين مزيدًا من التحكم في من يمكنه التواصل معهم، ضمن ما تصفه الشركة بجهود الحد من إساءة الاستخدام والتحرش.

وفي ما يخص القاصرين، أطلقت الشركة أدوات حماية مخصصة للمراهقين، من بينها جعل الحسابات خاصة افتراضيًا، وتقييد الرسائل من غير المتابعين، إلى جانب حذف مئات الآلاف من الحسابات المرتبطة بسلوكيات غير لائقة تجاه الأطفال، وفق بيانات الشركة.

كما بدأت «ميتا» اختبار نظام «الملاحظات المجتمعية»، الذي يسمح لمستخدمين موثوقين بإضافة ملاحظات توضيحية على المنشورات، في محاولة للحد من المعلومات المضللة عبر نهج تشاركي، بدلًا من الاعتماد الكامل على أنظمة التحقق التقليدية.

لكن، ورغم هذه الخطوات، يرى منتقدو «ميتا» أن هذه الإجراءات تظل جزئية وبطيئة، ولا ترقى إلى مستوى المخاطر التي تكشفها الشهادات والبيانات، خصوصًا تلك المتعلقة بسلامة الأطفال والمراهقين.

وفي إطار تلك المحاولات المتعلقة بإنفاذ سياساتها، أعلن مجلس الإشراف المستقل فتح أول مراجعة شاملة لنهج الشركة في تعطيل الحسابات بشكل دائم، وتهدف هذه الخطوة إلى تعزيز الشفافية حول كيفية اتخاذ قرارات الحظر النهائي، خاصة في القضايا التي تمس حرية التعبير والخطاب العام، حيث أحالت «ميتا» بنفسها إحدى الحالات إلى المجلس طالبة توجيهًا مستقلًا بشأن مدى سلامة قرارها.

وتتعلق القضية بحساب على «إنستجرام» واسع الانتشار تم تعطيله نهائيًا في 2025 بسبب نمط متكرر من الانتهاكات، شملت تهديدات وتحريضًا على العنف، وإساءات موجّهة لشخصيات عامة وصحفيات، ويمثل نظر المجلس في هذه القضية سابقة، إذ يفتح الباب أمام تقييم مستقل لقرارات التعطيل خارج نظام الإنذارات التقليدي، مع إتاحة المجال لتعليقات عامة من المستخدمين والمنظمات، تمهيدًا لإصدار توصيات سياسية تُلزم «ميتا» بالرد عليها علنًا خلال 60 يومًا.

إيما براينت تحذر: نموذج خطير في دول الجنوب

ترى الدكتورة إيما براينت، الخبيرة في حروب المعلومات والدعاية، والأستاذة المشاركة في جامعة نوتردام، وكان لها دور بارز فى فضيحة «كامبريدج أناليتيكا» الشهيرة، أن سياسة «ميتا» في مواجهة التضليل شهدت تراجعًا واضحًا، بعد أن انتقلت من الاعتماد على التحقق المهني من الحقائق إلى ما يُعرف بـ«الملاحظات المجتمعية»، وهي آلية تنقل مسؤولية تصحيح المعلومات من المؤسسات المتخصصة إلى المستخدمين أنفسهم.

وتحذر «براينت»، خلال حديثها لـ«الوطن»، من أن هذا النموذج، حتى وإن كان محل جدل داخل الولايات المتحدة، يصبح شديد الخطورة عند تطبيقه في دول الجنوب العالمي، حيث تقل أعداد المساهمين القادرين على العمل بلغاتهم المحلية، ما يفتح الباب أمام الحكومات أو القوى السياسية المنظمة للسيطرة على عملية التصحيح وتوجيهها.

وتؤكد أن الملاحظات المجتمعية لا تمثل بديلًا فعالًا للتحقق المستقل، خاصة خلال الانتخابات أو الأزمات السياسية، في ظل سرعة انتشار المعلومات المضللة مقارنة ببطء تصحيحها.

كما تشير إلى أن تشديد «ميتا» لإنفاذ سياساتها ليقتصر على الأضرار الأشد أو المخالفات القانونية فقط، ترك مساحات واسعة من التضليل دون معالجة، بالتوازي مع نقص واضح في موارد الإشراف بعدد كبير من اللغات، وهو ما خلق فجوات رقابية تستغلها شبكات تضليل منظمة.