الانتصار الساحق الذي بهرت به مصر العالم في حرب أكتوبر 1973 نموذج ما زال يُدرس في الأكاديميات العسكرية للحروب المسلحة بمفهومها التقليدي بين الجيوش.
حروب خاضتها مصر بشرف وتضحيات أغلى أبنائها حتى استردت السيادة الكاملة على أراضيها. منذ ذلك التاريخ بدأ العالم يشهد تحولًا في طبيعة وآليات الحروب. لم تعد تتخذ نمط مواجهة مسلحة بين جيشين بعدما عرف العالم حروب الجيلين الرابع والخامس، التي تنوعت أسلحة إدارتها بين مخابراتية، اقتصادية، سياسية، بل حتى امتدت إلى الحروب السيبرانية.
مصر خاضت حروب الجيل الجديد بحكمة ورشد. منذ بدء العدوان الصهيوني على قطاع غزة، بادرت مصر بالدخول في حرب مفاوضات بكل الخبرة التي امتلكتها عبر عقود في هذه المسارات مع إسرائيل، الطرف الذي وضع أمامه منذ اللحظات الأولى إفشال المسار التفاوضي. استنفدت إسرائيل كل سبل التعقيد، من استفزازات تهجير سكان قطاع غزة بكل التصريحات الجوفاء من كبار مسؤوليها عن المساس بسيادة أراضي مصر، إلى التعنت في أدق التفاصيل أثناء المفاوضات.
مصر بسياسة الصبر انتصرت أيضًا في حربها الدبلوماسية والسياسية، حتى فرضت أجندتها الواضحة: لا لتهجير الشعب الفلسطيني من أرضه، إلزام إسرائيل بخطة السلام التي وقعها في شرم الشيخ الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الأمريكي ترامب، الالتزام بملفات المساعدات الإنسانية ودخول المرضى عبر معبر رفح الذي لم تغلقه مصر يومًا لتلقي العلاج في المستشفيات المصرية، ثم العودة إلى غزة كضمان لإفشال مخطط التهجير الصهيوني. بالإضافة إلى تدريب الكوادر الأمنية الفلسطينية التي يتعين توليها مهام حفظ الأمن داخل القطاع.
وفق أنماط الحروب المعاصرة، حققت مصر نصرها في الدفاع عن سيادة أراضيها وعن القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، وفرضت شروطها العادلة في ظل أشد أجواء التعنت الصهيوني الذي لم يتوقف حتى عند بدء تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاقية السلام. نتنياهو، الذي أفلت من إجراء انتخابات مبكرة في الكنيست، ما زال يردد في خطاباته غير المسؤولة رفض إسرائيل وجود تركيا وقطر في قوات حفظ الاستقرار، مشاركة السلطة الفلسطينية في إدارة قطاع غزة، مع معارضته تشكيل مجلس السلام.
لحظة بدء نشاط الدور المصري منذ عامين ومساعيها الحثيثة للوصول إلى تهدئة، تمنح سكان غزة فرصة لتوفير أبسط مقومات المعيشة، حظيت مواقفها الثابتة بتوافق وإجماع عالمي وعربي. ظهرت دلائله مع المشاركات الدولية في المؤتمرات التي دعا إليها الرئيس عبد الفتاح السيسي، من قمة القاهرة للسلام التي عقدت منذ عامين إلى قمة شرم الشيخ للسلام العام الماضي، بالإضافة إلى إعلان استعداد المجتمع الدولي للإسهام بالمؤتمر الذي ستدعو إليه مصر لإعادة إعمار غزة.
مصر أيضًا نجحت في دحر حروب الجيل الجديد على الصعيد الداخلي، الذي اعتمدت أدواته على حملات ممنهجة وممولة من التنظيم الدولي للإخوان، لاستهداف الوعي الجمعي عبر بث الأكاذيب، إثارة الفتن والانقسام داخل نسيج الشعب المصري، والتشكيك في أي إنجاز أو بادرة إيجابية. وشدد الرئيس عبد الفتاح السيسي في خطابه إلى الوزراء والمسؤولين على أهمية مكاشفة المواطنين بكل الحقائق والمعلومات مع إرساء مبدأ الشفافية.
بالإضافة إلى التركيز على فتح مجالات التعبير أمام مختلف الرؤى وتقبلها طالما كان عنوان الهدف الذي تجتمع حوله هو صالح الوطن، توجه يعتبر الأكثر جدوى وفاعلية في قطع الطريق أمام الأخبار المضللة والشائعات المؤثرة سلبيًا على تماسك المشهد الداخلي.