قال الروائي حمدي الجزار، عضو اتحاد الكتاب المصري، إنه يعتبر القوة الناعمة المصرية خط دفاع حمى البلد من الوقوع في براثن الأصولية المتطرفة، وأن الشخصية المصرية تمر بمنعطف تاريخي، وتحتاج إلى تحرير طاقتها الكامنة واستعادة ثقتها بنفسها.
وأوضح في حواره لـ«الوطن» أن العالم ينظر إلى مصر على أنها نموذج كلاسيكي ومركزي للقوة الناعمة. يُعد حمدي الجزار من أبرز الروائيين المعاصرين، حيث نال جائزة مؤسسة ساويرس للأدب 2006، وجائزة بيروت 39 في عام 2010، وجائزة أفضل رواية مصرية في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2015، وتُرجمت أعماله إلى الإنجليزية، والتركية، والفرنسية، والجورجية والأوكرانية، وغيرها.
■ كمبدع ومثقف مصري وعربي، ما تصورك لتأثير القوى الناعمة في مجتمعاتنا وسبل استثمارها؟
-
امتلكت مصر «قوة ناعمة» راسخة قبل أن يصوغ المفكر الأمريكي جوزيف ناى المصطلح نفسه في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، ويُقصَد بها قدرة دولة أو جماعة أو فرد على التأثير في الآخرين وجذبهم وإقناعهم دون اللجوء للإكراه أو القوة العسكرية أو الضغط الاقتصادي المباشر.
خلال القرن العشرين، امتلكت مصر قدرة كبيرة على التأثير والجذب عبر الثقافة: أدب، وفن، وسينما، وموسيقى، ولغة، ونمط حياة. كما نجحت في بناء مؤسسات حديثة في التعليم والثقافة والإعلام، أثّرت داخليًا، وامتد تأثيرها خارجياً في محيطها العربي، بل وأبعد من ذلك. أتذكر لحظة دالة خلال زيارتي لمكتبة الكونجرس الأمريكي، حين تأملت القبة الرئيسية في مبنى توماس جيفرسون، ورأيت زخارف فنية تمثل حضارات العالم الكبرى في 7 دوائر، تتوسطها الحضارة المصرية. عندها أدركت كيف يرى العالم مصر: نموذجًا كلاسيكيًا ومركزيًا للقوة الناعمة، ليس في العالم العربي وأفريقيا فقط، بل على نطاق أوسع. المفارقة أن كثيرًا منا لا ينتبه إلى هذا، كأننا لا نعرف أن الحجر الذي نملكه ليس سوى ماس ثمين. داخليًا، أرى أن القوة الناعمة كانت خط الدفاع الأهم الذي حمى مصر من الانزلاق إلى الانغلاق والوقوع في براثن الأصولية المتطرفة.
وصحيح أن قوتنا الناعمة تراجعت بفعل التحولات الاقتصادية والسياسية، وغياب استراتيجية ثقافية طويلة المدى، وتغيير أنماط التلقي، وصعود المنصات الرقمية، فضلاً عن منافسة عربية أكثر تنظيمًا واستثمارًا. ومع ذلك، ما زالت مصر تمتلك المخزون البشري والثقافي القادر على استعادة الزخم. ودعم الدولة لهذه القوة يبدأ بالاستثمار الحقيقي في التعليم والثقافة، وحماية حرية الإبداع في إطار المسؤولية، وتحديث الخطاب الديني والإعلامي، ودعم السينما والدراما بوصفهما صناعتين استراتيجيتين، وتمكين المبدع لا تهميشه. إنها رصيد قابل للتجديد، ومصر قادرة على أن تكون قائدة لا مقلدة.

■ وماذا عن الفكر المتطرف الذي غزا المجتمع وتمكن منه في كثير من الفترات؟
-
التشدد حالة فكرية قبل أن يكون سلوكًا ظاهريًا، هو اختزال للدين أو للفكرة في تفسير واحد مغلق، ورفض للتعدد، وميل إلى يقين صلب لا يحتمل السؤال أو المراجعة. ينشأ التشدد حين يغيب العقل النقدي، ويُقدَّم النقل مبتورًا عن مقاصده، ويُستبدل التفكير بالخوف، والانتماء الأعمى بالفهم الواعي. والتشدّد بهذا المعنى ليس حكراً على الدين، بل يمكن أن يظهر في السياسة أو الأيديولوجيا أو حتى في الخطاب الثقافي، كلما تحوّل الاختلاف إلى تهديد، والرأي الآخر إلى عدو. حماية النشء تبدأ بتعليم يعلّم التفكير لا الحفظ، ويُدرّب على السؤال والتحليل والمقارنة، لا على التلقي السلبي. وبخطاب ديني مستنير يركّز على المقاصد والقيم الكبرى، ويقدّم الدين بوصفه مساحة رحبة للعقل والرحمة، لا منظومة مغلقة للعقاب والإقصاء. وتبقى الأسرة خط الدفاع الأول بالحوار والاحتواء والقدرة على الاستماع دون تخويف أو استعلاء. الفراغ القيمي والفكري هو البيئة المثالية لنمو التطرف، وهنا يأتي دور الفن الواعي والثقافة الجادة في فتح نوافذ بديلة للمعنى.
■ كيف ترى الشخصية المصرية، وما أبرز التحديات التي تواجهها؟
-
الشخصية المصرية مركّبة، تشكّلت عبر آلاف السنين من التفاعل مع الجغرافيا والتاريخ والدولة المركزية. تجمع بين قدرة عالية على التكيّف، وذكاء اجتماعي، وروح دعابة وسخرية، ونزعة جماعية، وتقدير لفكرة الدولة والاستقرار، مع قدر من الصبر الطويل الذي قد يتحول أحيانًا إلى قبول سلبي للواقع. هي شخصية تميل إلى الاعتدال، تتحسّس من الفوضى، وتبحث عن الأمان، حتى إن جاء أحيانًا على حساب الطموح المؤجل.
أبرز التحديات يمكن تلخيصها في ثلاث دوائر متداخلة: التحدي الاقتصادي والاجتماعي، حيث تُرهق الضغوط المعيشية الفرد وتؤثر في قدرته على المبادرة. التحدي الثاني هو تحدي الوعي والهوية، مع اختلاط الخطابات وتضارب القيم وهيمنة المحتوى السطحي. التحدي الثالث هو تحدي الثقة، وهو الأخطر، مع تراجع الثقة بين الفرد والمؤسسات، وبين الخطاب الرسمي والتجربة اليومية.
في رأيي، التغلب على هذه التحديات لا يكون بحلول سريعة، بل بمسار تراكمى يعيد الاعتبار للتعليم بوصفه أداة للتمكين، ويستعيد دور الثقافة والفن في صياغة الوجدان العام، ويبني خطابًا صادقًا يحترم عقل المواطن، ويُمكّن الفرد من العمل لا الاتكال. الشخصية المصرية ليست في أزمة وجود، لكنها في منعطف تاريخي، وما تحتاجه اليوم هو تحرير طاقتها الكامنة واستعادة ثقتها بنفسها، لتعود فاعلًا لا مجرد متكيّف مع الظروف.
■ تُرجمت لك أعمال مثل «سحر أسود» و«لذات سرية» إلى الإنجليزية، هل تعتبر نفسك محظوظًا، وما العوائق التي تحول دون انتشار الأدب العربي عالميًا؟
-
ترجمت «سحر أسود» إلى الإنجليزية والتركية، و«لذات سرية» إلى الإنجليزية، و«الحريم» إلى الفرنسية والجورجية والأوكرانية، وهناك قصص ومقاطع من «كتاب السطور الأربعة» بلغات أخرى مثل التشيكية والمالاوية. لا أعتقد في الحظ الطيب أو العاثر، بل في الإخلاص للعمل، والتجويد والمراجعات الدائمة، ولا أتعجّل الثمار. أما العوائق التي تحول دون انتشار الأدب العربي عالميًا فالمسألة تتعلق بالناشرين والنقاد والمشتغلين بالترجمة والإدارة الثقافية، لكن لا يمكن أن ننكر أن الاهتمام الغربي بالأدب العربي ازداد كثيرًا مؤخرًا.
■ في روايتك الرابعة «العروس» يتركز وصف القاهرة كمدينة يسودها التناقض والاضطراب، كيف تتصور المكان الروائي؟
-
المكان الروائي في رواية «العروس» هو وسط القاهرة، والسيدة زينب، ونزلة السمان والهرم، مع إشارات إلى أماكن أخرى مثل «سقارة» و«قمن العروس» في الأقصر، وغيرها. البناية التي يقع فيها مطعم «العروس» تقع في وسط القاهرة، وهي عمارة خيالية، وإن وجد ما يشبهها في الواقع من بنايات القاهرة الخديوية على وجه التحديد. المكان الروائي في رأيي هو مكان خيالي دائمًا يقدم إلى القارئ في ثوب مكان واقعي أحيانًا، أو غير موجود على سطح الكوكب أحيانًا أخرى. المكان اختراع المؤلف دائمًا، تمامًا كشخصياته، وإن زعمنا كقراء أننا نعرف أو صادفنا مثل هؤلاء البشر أو هذا المكان، فهو في النهاية من نسج الخيال.
■ هل انعكست دراستك للفلسفة على أعمالك الأدبية؟ وكيف؟
-
تخرجت في قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة عام 1992، وكنت على وشك الانتهاء من رسالتي للماجستير حين تركتها وكرّست نفسي للأدب، لكن الفلسفة باقية في تكويني بقاء الماء في الجسم البشري، وكذلك في أعمالي الأدبية. حين تركت دراستي الأكاديمية صرت أرى الفلسفة حية أكثر، صرت أرى أن الفلسفة هي الرؤية والأفكار والمفاهيم التي تشكل وعي ولاوعي كل إنسان، أما الأدب فهو تجسيد ذلك كله بأدوات الفن وجمالياته. والرواية على وجه خاص هي أقرب أشكال الأدب للفلسفة، عبر أدواتها الفنية من شخصيات وحدث وتشكيل وبناء.
■ ما الجديد لديك في مشروعك الأدبي؟
-
كتبت سيناريو فيلم سينمائي قابل للتصوير مباشرة، والنشر في كتاب في الوقت نفسه، أحاول استكشاف الإمكانيات الأدبية للسيناريو. كما كتبت أربع قصص للأطفال للمرة الأولى، ولدي مشروع مسلسل تلفزيوني كوميدي يستلهم حياة وأعمال الفنان محمود شكوكو، وأتمنى أن يُحسم أمر إنتاجه قريبًا. وأواصل كتابة رواية بدأتُها منذ عامين.